شرح كتاب التوحيد 95

شرح كتاب التوحيد 95

الدرس في شرح كتاب التوحيد 95، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

شرح الآية الكريمة وتفسير الاستفهام الاستنكاري

الآية الكريمة ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذنِهِ﴾ تُفسر على أنها استفهام استنكاري ينفي وجود من يشفع عند الله بدون إذنه، وتدل على إثبات الشفاعة لله سبحانه وتعالى بشرط إذنه. يُبين أن الشفاعة لا تقع إلا بإذن الله.

معنى إذن الله في القرآن الكريم وتأثير الشفاعة

إذن الله في القرآن الكريم يأتي بمعنيين: المشيئة والقدرة، والتحليل والإباحة. يُظهر أن الشفاعة تؤثر في المخلوقين، لكنها لا تؤثر في الخالق إلا بإذنه، والله هو الذي يختار الشفعاء ويأذن لهم بالشفاعة.

حقيقة الشفاعة وأثرها وكمال قدرة الله

الآية ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذنِهِ﴾ تظهر كمال قدرة الله وترد على اعتقاد المبتدعة في تأثير الشفاعة على الله دون إذنه. يُؤكد على أهمية إذن الله في الشفاعة ويبين أن الله هو صاحب القدرة الكاملة.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال وقوله تعالى ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذنِهِ﴾ أورد رحمه الله تعالى هذه الآية في معرض كلامه عن أحكام الشفاعة، وقد أشرنا إلى مسائل الشفاعة العامة والخاصة في أبواب خلت، وهذه الآية التي بين أيدينا كذلك تضيف لنا معاني جليلة ينبغي التأمل والتنبه فيها، ونحن نخوض في مقام الشفاعة، وهي من مقامات الدين. فقوله سبحانه وتعالى ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذنِهِ﴾ هذا استفهام، لكن يسميه العلماء بالاستفهام الاستنكاري، هو نعم سؤال، لكن هذا السؤال مشوب بالإنكار والنفي، من ذا؟ من هذا الذي يدعي هذا؟ وضابط الاستفهام الإنكاري، إخواني في الله، أن أداة الاستفهام إذا حذفت كان المعنى باطلًا، هذا هو المعيار في معرفة الاستفهام الإنكاري، أن أداة الاستفهام إذا حذفت كان المعنى باطلًا. كقوله جل في علاه ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ احذف الهمزة، همزة الاستفهام، كان المعنى "إله مع الله" باطل، إله مع الله باطل، فلما زيدت بالسؤال ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ كان المعنى استفهامًا استنكاريًا، وهكذا هذه الآية ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذنِهِ﴾ احذف أداة الاستفهام "من"؟ يكون الجواب "ذا" أي هذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه، معنى باطل، فهذه الآية ذكرها ربنا سبحانه وتعالى بهذا الاستفهام الإنكاري إشارة إلى النفي، ما هناك أحد يستطيع أن يدعي أن له الشفاعة من غير إذن الله جل في علاه. قال سبحانه ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذنِهِ﴾ ومر معنا أن الشفاعة هو التوسط للغير لجلب منفعة أو دفع مضرة، ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذنِهِ﴾ وفي قوله تعالى ﴿إِلَّا بِإِذنِهِ﴾ بأداة الاستثناء هذه دلت على إثبات الشفاعة لله، الاستثناء هنا دل على ثبوت الشفاعة لله سبحانه وتعالى، لأن الآية لو ختمت عند قوله سبحانه وتعالى ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشفَعُ عِندَهُ﴾ ثم سكوت، تنتهي الآية عند هذا المحل ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشفَعُ عِندَهُ﴾ فيه نفي للشفاعة، فيه نفي للشفاعة، لكن لما قال ﴿إِلَّا بِإِذنِهِ﴾ دل على أن الشفاعة ثابتة لله سبحانه وتعالى، الشفاعة ثابتة، لكن جعل الله سبحانه وتعالى لها قيدًا وشرطًا. قال سبحانه ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذنِهِ﴾ الإذن، الإذن في لغة القرآن يأتي على معنيين، يأتي الإذن بمعنى المشيئة والقدر، كما في قوله سبحانه وتعالى ﴿وَما هُم بِضارِّينَ بِهِ مِن أَحَدٍ إِلَّا بِإِذنِ اللَّهِ﴾ في أمر السحر، قال عنه ربنا ﴿وَما هُم بِضارِّينَ بِهِ مِن أَحَدٍ إِلَّا بِإِذنِ اللَّهِ﴾ ما معنى هنا إذن الله؟ أي بمشيئته وقدره، ليس أن الله أحله وأباحه، لا، بل الله هو الذي قدر وهو الذي شاء أن يقع فوقع. وهكذا في قوله سبحانه وتعالى ﴿وَما أَصابَكُم يَومَ التَقَى الجَمعانِ فَبِإِذنِ اللَّهِ﴾ وما أصابكم، أي أهل الإسلام، من الجراح ومن القتل وإسالة الدماء، وما أصابكم من الضعف والوهن، كل ذلك بإذن الله، بمعنى بمشيئة الله وقدرته، فالإذن، إذن الله، يأتي بمعنى المشيئة والقدرة. وأيضًا يأتي إذن الله على معنى آخر، وهو معنى الحل والإباحة، الحل والإباحة والإجازة، كما في قوله سبحانه وتعالى ﴿إِنَّا أَرسَلناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذيرًا وَداعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذنِهِ﴾ قال المفسرون: أي برخصته، هو الذي رخص وهو الذي أحل وهو الذي أباح لك أن تقوم بمقام النبوة والرسالة جل في علاه. وهكذا في آيات أخرى، كما قال سبحانه وتعالى ﴿ما قَطَعتُم مِن لَينَةٍ أَو تَرَكتُموهُ قائِمًا عَلَى أُصولِهِ فَبِإِذنِ اللَّهِ﴾ بإذن الله، أي هو الذي أحل لكم إبقاءها أو قطعها، فإذن الله يأتي في القرآن بمعنى المشيئة والقدرة، ويأتي بمعنى الحل والإباحة، ولا تأتي معنى الحل والإباحة إلا بعد قدرة الله سبحانه وتعالى، فبينهم ترابط. وهكذا الشفاعة، فإن الشفاعة إذا أباحها الله وأحلها الله لمن أراد، إنما تقع بقدرته ومشيئته، فمن ذا الذي يعطى الشفاعة؟ ما يعطاها إلا لأن الله أحلها وأجازها له من عنده، وكان ذلك بقدره ومشيئته سبحانه وتعالى، فهذا هو معنى هذه الآية ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذنِهِ﴾. وفي هذه الآية، أخواني في الله، من الدلائل العظيمة الدالة على كمال سلطان الله سبحانه وتعالى، ويظهر ذلك جليًا إذا تمعنت يا عبد الله في مسألة الشفاعة بشكل عام، ثم نظرت لهذه الآية، الشفاعة من أغراضها وأحكامها، أن الشفاعة التي تقع في دنيا الناس، كأنموذج حي، تجد أن الشفاعة من أدوارها ومن وظائفها أنها تهيجك على الفعل والعمل، فهي تؤثر، الشفاعة تؤثر، لكن فيمن؟ في المخلوقين، لا في الخالق جل في علاه. تؤثر في المخلوقين، قد يأتيني فلان من الناس يطلب مساعدة يطلب إعانة ومعونة، لكن ما أعرفه أو أني لا أطمئن إليه أو أني ما أكترث به، ما أكترث به، فأغض الطرف عنه وأمشي إلى حال سبيلي، لكن في يوم آخر يأتي لي قريب، يقول: يا أبا فلان، فلان الذي أتى عندك البارحة، قل: نعم، هذا فلان أخ فاضل، محتاج، مسكين، صادق في دعوته، يعطيني من الأدلة والبراهين ما يؤثر فيه، فماذا يقول؟ ردة فعلي يقول: إذن دعه يمر علي غدًا، أو خذ هذا وأعطيه. متى صدر مني الفعل بعد أن تدخلت الشفاعة؟ لولا هذه الشفاعة ما أثرت فيه، لأنني قد رددت الرجل، ما أعرفه، ما أكترث به، ما أبالي به، وهذا حالنا، كم وكم يا عبد الله تأتيك مثل هذه الأمور، مساعدة، إعانة في علاج، أو توسط، أو وظيفة، يأتيك من يطلبك لحاجة، ثم نحن لا نكترث به لعدم معرفتنا، وما كل من طرق بابنا أعطينا لعدم قدرتنا، فعندنا من الأشياء التي لا تجعلنا نتفاعل، لكن لما تأتي الشفاعة، فيأتيك من يأتيك من صديق، من قريب، من حبيب، من مسؤول، فيعطيك من الأدلة ما يبرهن لك على صدق دعوة فلان، فماذا يكون منك؟ يكون منك العمل متى جاء العمل؟ جاء العمل منك يا عبد الله بعد أن جاءت الشفاعة. الشفاعة تؤثر في المخلوقين، لكن هل تؤثر في الخالق؟ هل تؤثر في الخالق؟ هل الشفاعة تجعل من الله جل فعلًا أن يعمل عملًا ما أراد أن يعمله؟ الجواب: حاشا وكلًا، بدليل هذه الآية، هذه الآية، ربنا عز وجل قال ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذنِهِ﴾ ما يفتح باب الشفاعة ولا يأذن للشفاعة إلا بإذنه هو، هو سبحانه يجعل من شاء شفيعًا جل فعلًا، هو من شاء يختار من أصفيائه، من أوليائه، من أتباعه، وأنبيائه، ومن كان من خيرة خلقه أن يقوم ويمد مقام الشفاعة، فلان وفلان من ملائكته، من خيرة خلقه، أنه يأذن لهم بأن يكونوا شفعاء، بإذنه يفتح باب الشفاعة، بإذنه يتخذ من شاء شفعاء، وبإذنه يختارون من يشاء، وبإذنه يأتي الرضا سبحانه وتعالى، فما أثرت فيه الشفاعة سبحانه، الشفاعة تؤثر في المخلوقين، لا تؤثر في الخالق جل في علاه. إذا فهمت يا عبد الله هذه مسألة، يظهر لك كمال قدرة الله سبحانه وتعالى، فألا ليدعيه بعض المبتدعة ممن هو يعتقد في العتابات والأضرحة والزيارات، بل منهم من يتفوه بمثل هذه الكلمات: أن هؤلاء شفاعاؤنا، نحن إذا انطرحنا بين يدي ربنا، الله ما يكترث بنا، يقولون هذا لذنوبنا، لبعدنا، لإسرافنا في أمرنا، ليس لنا محل رضا عند ربنا، لكن ندخل فلانًا وفلانًا، هؤلاء ادخلوا على ربنا واشفعوا لنا، فحين يرون أن الله يتأثر بشفاعة هؤلاء، سبحان الله، هكذا الرب جل في علاه، ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذنِهِ﴾ فالشفاعة أولًا وآخرًا بيد الله، الله عز وجل هو الذي يجعل من الشخص شفيعًا، لا أنت تجعل فلان شفيعًا، هذا ليس بملكك وليس بعلمك، فالشفاعة كلها لله سبحانه وتعالى. ولهذا لعظم هذا المقصد العظيم في هذه الآية، جعلها، أي جعل ربنا هذه الآية، في أعظم آية في القرآن، في آية الكرسي، تذكر أدبار الصلوات، تذكر في أوراد الصباح والمساء، تذكر قبل النوم والمنام، لا تغرب عنك الشمس ولا تشرق إلا وأنت تتمتم بهذه الكلمات، لكن استشعر بها ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذنِهِ﴾ فكيف غابت هذه المعاني على من شكك في قدرة الله ويرى أن الشفعاء لهم من القدر على التأثير في الله سبحانه وتعالى؟ ﴿إِنَّهَا لَا تَعمَى الأَبصَارُ وَلَكِن تَعمَى القُلُوبُ الَّتي فِي الصُّدُورِ﴾ شهد إخواني في الله أن هذه الآية الحكيمة والآية الكريمة فيها بيان لكمال قدرة الله، أن الله عز وجل له الشفاعة جميعًا، فهي بإذنه سبحانه وتعالى، فقال ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذنِهِ﴾. أسأل مولى جل في علاه أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.