الدرس في شرح كتاب التوحيد 97، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
المقطع يتناول تفسير آية سبأ ويبين عجز الأصنام عن التصرف أو الشفاعة إلا بإذن الله. يشرح معنى الذرة ودلالات الآية على بطلان عبادة الأصنام.
يفسر معنى الذرة في القرآن ويبين دلالة الآيات على عدم وجود شراكة للآلهة المزعومة مع الله. يوضح الفرق بين التفسير القرآني والمعنى المعاصر للذرة.
الآية تنفي كل التعلقات بغير الله وتؤكد أهمية إذن الله تعالى في الشفاعة. يبين استغناء الله عن خلقه وعدم وجود شراكة أو معاونة له.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وقوله تعالى: ﴿قل ادعوا الذين زعمتم من دونه لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض﴾، وتتمة هذه الآية: ﴿وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له﴾. هذه الآية مع تتمتها، إيرادها في هذا المقام من أفضل الإيرادات، ومن أحسنها، إذ أنها أولا تتعلق بباب الشفاعة، وهذا الذي أراده المؤلف رحمه الله. وفي ذلك إشارة إلى مسائل أعظم، وهي مهمة جدا. ففي قوله سبحانه وتعالى: ﴿قل ادعوا الذين زعمتم من دونه﴾، أي الخطاب لأولئك الكفرة من المشركين، من عباد الأصنام والتماثيل الذين عبدوا من دون الله. قل ادعوا الذين زعمتم من دونه، ودون الله يراد بها غير الله، أو مع الله، أي من عبدتموه من هم دون الله. وهذا يحمل على أنكم عبدتم من جعلتموهم مع الله، أو جعلتموهم من غير الله، هذا وذاك طبعا. وهذه الاتخاذ من الإفك العظيم. ولهذا قال عنه ربنا جل وعلا: ﴿زعمتم﴾، زعم كذب افتراء، ما كان هذا ولن يكون أبدا أن أحدا يستحق أن يكون ندا لله جل في علاه. فقال سبحانه وتعالى: ﴿قل ادعوا الذين زعمتم﴾، سواء كان هذا يسمعون الدعاء من أشجار أو أحجار أو أصنام أو تمثال أو حي أو ميت رفات. قل ادعوا الذين زعمتم من دونه لا يملكون مثقال ذرة، هذا وصفهم الأنداد التي اتخذت من دون الله، ما يملكون شيئا. وانظر كيف عبر ربنا عز وجل: ﴿لا يملكون مثقال ذرة﴾، وما معنى الذرة؟ على قول جماعة من المفسرين أن الذرة تحمل على أنها صغار النمل. ولذلك هذه لغة دارجة عندنا، يقال: هذا در در، وهذا الذي يقصد بهذه الآية على أحد التفاسير درة صغيرة. هذه الأصنام والأوثان التي لها الهالة العظيمة ما يملكونها ذرة واحدة. وقيل أن الذرة بمعنى الهباء أو الهباء الذي يكون في الهواء، وهو شيء صغير جدا لا يكاد يرى بالعين. لكن أحيانا إذا كنت في ظلمة وفتحت النافذة تطل على جزء معين، تنظر في هذا مرمى النور تجد شيء يتحرك في الهواء، هذا الذرة الهباء متواجد. كذلك هم لا يملكون ذلك. هذا من معاني تفسير كلمة ذرة، إما بمعنى الهباء الذي يكون في الهواء أو بمعنى صغار النمل. ولا يفسر الذرة هنا بما يفسرها جماعة من المعاصرين بأنها جزء من أجزاء النواة، جزء من أجزاء النواة الكترونية يقال عنها الذرة، لأن هذا تفسير معاصر، والقرآن إنما خاطب الناس بما علموه وعهدوه في أوقاتهم وفي أزمانهم. ومثل هذه المخترعات ما كانت موجودة، فلا يخاطبهم الله جل وعلا بها. وهذا منزلق خاض فيه بعض الناس أنفسروا القرآن ببعض الاختراعات العصرية، أرادوا بزعمهم إظهار إعجاز القرآن، لكن هذا ليس بصحيح. فإنما القرآن نزل بلغة العرب التي قد عرفوها وعلموها في خطاباتهم ومحادثاتهم. وكانت الذرة عندهم يطلق إما على صغار النمل أو يطلق على الهباء الذي يكون في الهواء. فقال سبحانه وتعالى: ﴿قل ادعوا الذين زعمتم من دونه لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك﴾، أي كذلكم الأصنام والأوثان والآلهة والأنداد كذلك ليس لهم شراكة مع الله، فهم ما شاركوا الله في خلقه، ما شاركوا الله في عمارة الأرض أو بناء السماء. وتأمل في تعبير القرآن في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وما لهم فيهما من شرك﴾، شرك نكرة في سياق النفي، إشارة إلى ماذا؟ إلى العموم، أي ما لهم أي شرك، أي شرك من في عنهم. فما شاركوا الله في شيء، لا فيما هو عظيم ولا فيما هو حقير، لا فيما هو كبير ولا فيما هو قليل، لا ما فيه كثير وما هو يسير أبدا. ما شاركوا الله في شيء بأن يقال لهم: هذه حصتكم يا أنداد، يا أصنام، يا أوثان، يا آلهة، يا أجار، يا أحجار، يا أحياء، يا أموت، هذه حصتكم، فلكم حق الدعوة أن تدعون من دون الله، لكن ما لهم شرك، ليس لهم شراكة مع الله سبحانه وتعالى. ثم قال جل في علا: ﴿وما له منهم من ظهير﴾، أي جل في علا سبحانه، ليس له مع هؤلاء الأنداد المتخذة من دون الله ليس له معهم معاون ظهير يعاونه. ما عاونوه بحيث أن الله سبحانه وتعالى ما احتاج إليهم في أن يعينوه في خلقه وفي أمره وفي تدبيره وفي شرعه. ما احتاج إليهم حتى أنه ماذا بإمكانهم أنهم يؤثروا على الله فيغيروا ويبدلوا؟ ما عاونوا الله سبحانه وتعالى في شيء. ثم قال سبحانه: ﴿ولا تنفع الشفاعة عنده إلا بإذنه﴾، هذه الآية العظيمة إخواني في الله فيها دلالة عظيمة، كما يقول العلماء أنها قطعت أصول الشرك من جذوره. قطعت أصول الشرك من جذوره كما عبر العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى. قال: أن هذه الآية نفت كل التعلقات بغير الله، لأن الذي يتعلق وأنت أنظر اذهب يا عبد الله بقلبك وبصرك إلى شرق الدنيا وإلى غرب، انظر كل من عبد غير الله، من عبد الأنبياء كالمسيح وعزير، من عبد الأشجار، من عبد الأحجار، من عبد الأولياء. ما الذي يريد من عبادتهم؟ يريد منهم المنفعة، المنفعة، المنفعة، نعم تكون لأي شيء، لكن بأحد أمور أربع. المنفعة تكون حاصلة بأحد أمور أربع، إذا أردت أن هذا منفعته كمنفعة الله سبحانه وتعالى، إما أن يكون هذا مالك له ملك استقلالي. وربنا نفى الملك، ما هناك أحد مالك، فلا يملكون مثقال ذرة. قد يقول قائل: نعم الأنداد والأوثان الذي نعتقدها ونعتنقها ما يملكون شيئا، لكن قد يكون عندهم شرك شاركوا الله في السماوات والأرض. فجاءت الدرجة الثانية أن الله عز وجل نفى عنهم الشراكة، فهم ليسوا مالكين مع الله، وليسوا كذلك معهم شراكة مع الله. فنفى الملك ونفى الشراكة. ثم تأتي الدرجة الثانية، قد يقول قائل: إن لم يكن لهم ملك مع الله وإن لم يشاركوا الله في خلقه وسماواته وأرضه، فلا أقل أنهم قد عاونوا الله، عاونوه. فأخبر ربنا عز وجل أن ما هناك أحد لهم منه ظهير، ما هناك أحد عاون الله حتى أن الله يحتاج إليه جل في علا. فهو المستغني عن من سواه، يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله، والله هو الغني الحميد، هو الغني مستغني عن خلقه جميعا. يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا. ما يبالي له بخلقه إذا أرادوا الهلاك والهلكة ما ضره شيئا، إن تتولوا يستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا. فالله عز وجل ليس بحاجة إلى خلقه، فضلا أن يحتاج إلى من يعاونه من أحد. إذن الدرجة الثالثة نفى الله عز وجل المعاونة. تأتي الدرجة الرابعة، قد يقول قائل: إذا كانت الأصنام والأوثان ما تملك وليس عندها شراكة مع الله وليس منها معاون، فلا أقل أن لها منزلة بحيث أنها تدخل على الله وتشفى عنده. فأخبر ربنا سبحانه وتعالى أن الشفاعة ليست لأحد إلا بعد إذنه. فما الذي بقي؟ ما بقي شيء. فجذور الشرك أقلعها أقلعت كما قال علماء من خلال هذه الآية، وكما قال ابن القيم: أن الله عز وجل تدرج من الأعلى إلى الأدنى، نفى الملك عن غيره ونفى الشراكة ونفى المعاونة ثم نفى الشفاعة، وإن كان من شفاعة تكون بعد إذنه. ما أحد يمتلك الشفاعة حتى يؤثر على الله سبحانه وتعالى. فالشاهد هذه الآية إخواني في الله فيها بيان لما أراده المؤلف رحمه الله تعالى من ثبوت الشفاعة، وأن الشفاعة حاصل بإذنه، ولا تنفع الشفاعة إلا بعد إذنه سبحانه وتعالى. هذا الذي أراده المؤلف من خلال ذكره وطرقه لهذه الآية. أسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.