الدرس في كتاب الصيام 7، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول المقطع الأول مفسدات الصوم وما يوجب الكفارة، حيث ذكر المؤلف عدة أمور تفطر الصائم مثل الأكل والشرب واستعمال الدواء من الأنف. كما ناقش آراء العلماء حول ما يعتبر مفطرا.
يتناول المقطع آراء الفقهاء حول مداخل إفطار الصائم، حيث يرى الجمهور أن أي شيء يدخل إلى الجوف يفطر، بينما يرى الحنابلة والظاهرية أن المداخل المعتبرة هي الأنف والفم فقط.
يتناول المقطع المفطرات التي يعتبرها العلماء مفسدة للصيام مثل الاستمناء والاحتجام، ويستعرض آراء مختلف المذاهب الفقهية حول هذه المفطرات. كما ذكر ثلاثة شروط لكي يكون الفعل مفسدًا للصيام.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد. قال المؤلف رحمه الله تعالى: «باب ما يفسد الصوم ويوجب الكفارة». قال: «من أكل أو شرب أو استعطى أو احتقن أو اكتحل بما يصل إلى حلقه أو أدخل إلى جوفه شيئا من أي موضع كان غير أحليله أو استقاء أو استمنى أو باشر فأمنى» إلى آخر كلامه. فذكر الآن المفسدات، مفسدات الصوم، وما يوجب الكفارة، ويفسد الصوم أو يبطله. قال: «من أكل أو شرب»، من أكل أو شرب، وهذا لا شك فيه، إجمع العلماء على أن الأكل والشرب يبطل الصيام ويفسده، قول الله عز وجل: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾. وكلوا، أكل أو شرب يبطل الصيام. إلا أنه اختلف فيما ليس بأكل ولا شرب، يعني ليس مثله يأكل، ليس طعاما، مثل مثلا حصى، إنسان يبلع حصى أو يبلع طين، فهذه المسألة حصل فيها خلاف، هل هذا يسمى أكلا أو لا؟ فأكثر العلماء، وهو الصحيح، على أن كل ما أكل، ولو لم يكن طعاما، يفسد الصوم، ولو كان حصاة أو ترابا أو غير ذلك، فكل ما ابتلع الشخص شيئا من هذه الأشياء يعتبره مفطرا. وذهب بعض العلماء إلى أنه لا يفطر إلا ما كان طعاما، إلا ما كان طعاما، وهذا نسب القول إلى الحسن بن صالح بن حيي. وأيضا ذكر البخاري عن طلحة بن عبيد الله أنه كان يأكل البرد ويقول: إنه ليس بطعام ولا شراب. وكذلك هو مذهب الظاهرية، ومذهب الشيخ الإسلام رحمه الله، أنه يرى أن هذا ليس بطعام ولا بشراب. ولهذا اختلف المعاصرون في مسألة إدخال بعض الأشياء في بطن الإنسان، مثلا مثل البيب الذي يدخل من الأنف، أو المناظير، هذه المناظير التي تدخل من الفم أو من الأنف، فهل هذه تفطر؟ فعلى قول جمهور العلماء أنها تفطر، لكن بعض العلماء يقول عند الحنفية: إنه إذا أدخلها ولم يحركها فإنه لا يفطر، إذا كان سيبقيها في البطن، فهذه لا تفطر، وإذا كان سيخرجها فإنها تفطر. وعلى مذهب الشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، يعني يقولون أنها لا تفطر، إلا أنه هناك محاليل تكون مع هذا المنظار حتى يسهل دخول هذا المنظار، تكون محاليل مثل الزيوت وغيرها، فهذه الزيوت أو هذه المحاليل تعتبر مما يشرب، تعتبر أيضا كالطعام، فلهذا إذا كان هذا المنظار فيه مثل هذا الزيت أو هذا البيب يدخل بزيت أو بغيره أو بنحوي من المحاليل، فهو أيضا مفطر عند الشيخ الإسلام. وإلا كما قلنا، عند الشافعية والحنابلة، على أنه يفطر إدخال شيء إلى البطن، من الجوف، عندهم يفطر، سواء كان من الأنف أو من الفم، بل حتى من مداخل أخرى كما سيأتي. وأيضا مسألة أخرى، وهي اليسير من الطعام الذي يكون بين الأسنان، اليسير من الطعام الذي يكون بين الأسنان، عند جمهور العلماء أنه يعفى عنه، ما يدخل مع الريق يعفى عنه، ما لم يتعمده. وبعضهم يقول: كل ما كان بين الأسنان لا بأس، وإن دخل إلى الجوف، حتى ابن حزم أراد أن ينكت عليهم، قال: لو كان مثلا شخص عنده فرق في الأسنان، تدخل بقايا الطعام، مثل الفول أو الفاصوليا، مثل بقايا الطعام، ستكون كبيرة وهي تدخل بين أسنانه، فهل معنى ذلك أنه يجوز له أن يزدرد ويبلع مثل هذا؟ فالمهم، الأفضل للإنسان أنه لا يبتلع شيئا، ولو كان شيئا يسيرا، ما لم يتعمده، فإذا مثلا دخل مع الريق ولم يتعمده، فلا شيء عليه. قال: «من أكل أو شرب أو استعطى»، الاستعطى هو إدخال الدواء من الأنف، معنى أن العرب يسمون ما أدخل من الدواء من الأنف يسمى استعطى به، وإذا كان من الفم يسمى وجر. فالوجور إذا كان من الفم يسمونه وجر، وإذا كان من الأنف يسمى استعطاط، استعطى به أو وجر به. لكن غالبا يستخدمون ما دخل من الفم، يستخدمون الأكل والشرب، أكل أو شربا، دواء، لكن يستخدمون الوجور أحيانا، مثلا عند العلماء مسألة في الرضاع، إدخال اللبن على طريقة الاستعاط أو الوجور، الوجور معناه أنه يعطى من لبن المرأة ويشربه بفمه، إذا أدخلوه عن طريق الأنف يسمى استعطى به. لكن كما قلنا، استعمال العلماء الأكل وشرب هنا، الآن، قبل ذلك مسألة عامة في هذه المفسدات، ما هي المداخل المعتبرة في إفطار الصائم؟ ما هي المداخل المتبرة في إفطار الصائم؟ فالجمهور يرون، الشافعية والحنابلة وغيرهم، يرون أن أي شيء يدخل إلى الجوف فإنه يفطر، بإدخال شيء إذا أحس به في الجوف، حتى ولو كان من الرأس مثلا، إنسان عنده مأمومة، المأمومة التي تكون في الدماغ، الجرح الذي يكون في الدماغ، فإذا كان مثلا وضع له دواء قد يحس هذا الدواء في جوفه، كذلك أيضا في العينين إذا وضع قحولا أو وضع قطرة فأحيانا تصل إلى الجوف، وكذلك أيضا في الأذنين. وكما سيأتي أيضا في الاحتقان، والمراد بالاحتقان هو ما يدخل من الدبر، وكذلك في الاحليل، ما يدخل من الذكر، وغيرها من العادي المداخل التي تكون في الإنسان، فيرى الشافعية وغيرهم على أن هذه المداخل معتبرة، وإذا وصل إلى الجوف من هذه المداخل يعتبر مفطرا. وأما الحنابلة، أو القول المشهور عن أحمد، وكذلك هو قول الظاهرية، وقول الشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وجماعة، على أن المداخل المعتبرة التي جاءت في الشرع الأنف والفم، الأنف والفم، إلا أن الظاهرية يقولون: ليس هناك مدخل معتبر إلا الفم، الظاهرية يرون الفم فقط، وأما الأنف فما يرونه. لكن استدل الحنابلة أو شيخ الإسلام وغيرهم استدلوا بقول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث لقيط بن صبرة: «وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما»، «وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما»، فدل على أن الصائم لا يبالغ في الاستنشاق لأنه لو بالغ سيدخل الماء في جوفه، فهذا الحديث دليل على أن الأنف أيضا مدخل من المداخل التي يفسد بها الصوم إذا أدخل الطعام من الأنف إلى الجوف. فهذا وهذا هو الصحيح الذي جاءت به الأدلة، أنه لا اعتبار لإدخال الطعام والشراب إلا من الأنف والفم، أو يدخله في الدم، أو يدخله في الدم كما قال الشيخ الإسلام، لأن الدم غالبا ينتقل في الأوردة، والطعام والشراب غالبا أيضا ينتقل بالدم، فلهذا إدخاله في الدم على سبيل التغذية يعتبر أيضا مفطرا. لهذا أكثر العلماء الآن يفتون في مسألة الإبر أو المغذيات، فما كان من إبر العضل أو إبر العلاج تعتبر معنى أنها لا تفسد الصوم، وأما إذا كانت مغذية من السكر أو من الملح أو من الفيتامينات، معنى فيتامين أو كذا، فهذه تفطر، فهذه تفطر، فما كان مثل الغذاء فهو يفطر، وأما ما كان علاجا مثل المضادات الحيوية وغيرها، فهذه لا تفطر، وهذا يفتي به أكثر العلماء المعاصرين، كالشيخ ابن باز والمعاصرين وغيرهم. وهذا أيضا يوافق كلام شيخ الإسلام، وكلام الجمهور، على أن ما كان مثل الغذاء ويدخل في الدم فهو يعتبر غذاء. قال: «من أكل أو شرب أو استعطى أو احتقن»، احتقن، كما قلنا، يطلقون على الحقن ما كان من الدبر، والظاهر أنهم كانوا يستعملون هذه الحقن كعلاج، يدخل من الدبر لأجل الإسهال، فيجعلون شيئا أو يضعون شيئا في الدبر يحقنون به، فيسمى احتقن أو احتقان. قال: «أو اكتحل بما يصل إلى حلقه أو أدخل إلى جوفه شيئا من أي موضع كان غير إحليله»، أدخل إلى جوفه، قال: «غير إحليله»، هنا كأنه يرى أن أي موضع يدخل ويصل إلى الجوف، وهذا قول عند الحنابلة، لكن جاء عن أحمد، كما قلنا، أنه لا اعتبار إلا بالأنف والفم. لكن هنا المؤلف يرى أنه أوسع، فكل ما أدخل إلى جوفه، أو من أدخل شيئا إلى جوفه من أي موضع كان غير إحليله، معناه إذا أدخله من إحليله لا يفطر، لكن إذا أدخله من أي موضع كما قلنا، حتى مكان الدبر وغيره. قال: «أو استقاء»، استقاء معناه أخرج الطعام، معناه القيء أو الغثيان أو ما نسميه طراش، كل هذا معناه القيء، يعتبر عند جمهور العلماء أنه يفطر الصائم، وهذا إذا استقاء، معناه طلب القيء، وأما إذا قاء من نفسه، فعند الجمهور أنه لا يفطر، لكن الحديث الذي استدل به لا يصح، الحديث الذي استدل به الصحيح أنه موقوف على حفصة زوجة النبي عليه الصلاة والسلام: «من ذرعه القيء فلا قضاء عليه، ومن استقاء فليقض»، هذا الحديث الصحيح أنه من كلام حفصة، وليس من كلام النبي عليه الصلاة والسلام. وأيضا كذلك إذا رجع شيء، أرجع شيء متعمدا بعد أن أخرجه، فهذا يفطر، أما إذا لم يرجع شيء أو رجع بغير اختياره فهذا لا يفطر. قال: «أو استمنى»، الاستمناء هو إخراج المني بيده أو بشيء، بوسيلة أخرى، فهذا الاستمناء عند جمهور العلماء أنه يفطر، ولم يخالف في هذا إلا الظاهرية، فالظاهرية يرون أنه لا يفطر، والصحيح أنه يفطر، لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال في حديث أبي هريرة: قال الله عز وجل: «يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي»، وهذا الذي يستمني فإنه لم يترك شهوته، هذا الذي يستمني لم يترك شهوته، لهذا قال العلماء: إنه يفطر بهذا. وأما إذا كان مثلا، أمنى مثلا أو قبل فأمنى، أو باشر فأمنى، أو حتى باشر فأمنى، على الصحيح أنه لا يفطر، على الصحيح أنه لا يفطر، لأنه لم يتعمد هذا الأمر. قال: «أو باشر فأمنى»، هذا قول جمهور العلماء، إذا باشر فأمنى يعتبر مفطرا، لكن الصحيح أنه لا يفطر، لأنه لم يتعمد هذا الأمر، والمباشرة سبب شرعي، معنى مشروع، معنى المباشرة سبب مشروع، قد كان النبي صلى الله عليه وسلم يباشر وهو صائم، ويقبل وهو صائم، فلهذا إذا حصل منه شيء، مباشرة فأمنى، فالصحيح أنه لا يفطر، وهو قول شيخ الإسلام ابن تيمية. قال: «أو أمنى»، أيضا المذيء، عند جمهور العلماء، لو نظر فأمنى أو باشر فأمنى، أيضا عندهم أنه يفسد الصوم، ولا دليل على هذا. قال: «أو كرر النظر فأنزل»، أيضا هذا سبب مشروع، معنى إذا كرر النظر فيما أحل الله له، فهو سبب مشروع، لكن إن أنزل فلا يكون مفطرا أبدا، ولا دليل على هذا. قال: «أو حجم أو احتجم وظهر دم»، أن الحاجم عند الحنابلة يفطر، صاحبها، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أفطر الحاجم والمحجوم»، وهذا الحديث جاء عن ستة من الصحابة، وأكثر، وهو صحيح، «أفطر الحاجم والمحجوم». والشافعية والمالكية عندهم، وكذلك الحنفية عندهم، الحجام لا تفطر، واستدلوا بعدة أدلة، منها حديث أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص في القبلة والحجامة، رخص في القبلة والحجامة. وكذلك حديث ابن عباس، رواه البخاري، أن النبي عليه الصلاة والسلام احتجم وهو صائم، أن النبي عليه الصلاة والسلام احتجم وهو صائم، وهو محرم، وهذا الحديث مختلف فيه، معنى بعضهم أنكر هذا الحديث، وبعضهم أثبته، وهو في البخاري. وأيضا جاء عن أنس، عند الدارقطني وغيره، لكن اختلف في وقفه ورفعه، أن النبي عليه الصلاة والسلام كان أول الأمر حرم أو قال: إنه يفطر الحاجم، ثم رخص في ذلك، ثم رخص في ذلك، فلهذا مذهب الجمهور على أن الحجامة لا تفطر، ومذهب الحنابلة على أنها تفطر. وكذلك إذا قلنا أنها تفطر، يدخل في ذلك ما هو أشد منها، من التبرع بالدم. وأما التحليل، فهو شيء يسير، معنى التحليل، هذا الدم لا يفطر، لا يفطر تحليل الدم لأنه معنى دم يسير، فلا يقاس على الحجامة. قال: «وظهر دم عمدا»، احتجم عمدا، لم يحجمه أحد، قال: «ذاكرا لصومه»، معنى هذه المفطرات لابد أن تكون عن عمد، وعن علم، وعن عدم نسيان، يشترط في هذه المفطرات أن يعملها الإنسان عن عمد، ذاكرا لصومه، ذاكرا لصومه، ليس ناسيا له. فلهذا قال شيخ المعاصرين وغيره: إن في المفسدات ثلاثة شروط حتى يكون مفسدا، ثلاثة شروط، أولا الشرط الأول: أن يكون عنده علم بأنه مفطر، العلم أن هذا يفطر، والأمر الثاني: التعمد، ويخرج الخطأ، يتعمد هذا، والثالث: معنى الثالث، أن يكون ذاكرا أنه صائم، هذه ثلاثة شروط في المفسدات، ما يكون شيء مفسدا إلا إذا توفرت فيه هذه الشروط الثلاثة. قال: «ذاكرا لصومه فسد»، يعني كل هذه الأشياء تفسد إذا كان الشخص ذاكرا لصومه.