كتاب الصيام 5

الدرس في كتاب الصيام 5، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

حكم صوم من جن أو أغمي عليه جميع النهار

إذا جن الشخص أو أغمي عليه جميع النهار، لم يصح صومه ولا يجب عليه قضاء بإجماع العلماء. يعتبر صومه غير صحيح دون لزوم قضاء.

حكم صيام من جن أو أغمي عليه بعض النهار

هناك خلاف بين العلماء حول صحة صوم من جن أو أغمي عليه بعض النهار ووجوب القضاء بعد الإفاقة. اختلفت آراؤهم حول ما إذا كان عليه قضاء ذلك اليوم أم لا.

تفاصيل حكم الصيام للمجنون والمغمى عليه

المجنون والمغمى عليه في حكم واحد، فإذا زال عقلهما جميع النهار لم يصح صومهما. وإذا زال العقل بعض النهار، اختلف العلماء في صحة صومهما ووجوب القضاء.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وأنه لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: ومن نوى الصوم ثم جن أو غمي عليه جميع النهار ولم يفق جزءا منه لم يصح صومه، لا إن نام جميع النهار. ويلزم المغمى عليه القضاء فقط. هذه الفقرة فيها ثلاث مسائل أصلية معنا أنا ذكر هنا ثلاث مسائل وتتفرع منها مسائل، لكن نأخذ هذه المسائل الثلاث: مسألة الصائم إذا نام أو نوم الصائم، وإغمائه، وجنونه. فقالوا: من نوى الصوم ثم جن أو أغمي عليه جميع النهار ولم يفق جزءا منه لم يصح صومه. إذا جن أنا صار مجنونا كل النهار، فهذا لا يصح الصوم؛ لأنه لم يصب أصلا، بل هو لا يجب أصلا عليه الصيام؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «رفع القلم عن ثلاث، وذكر عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق». فالمجنون مرفوعا عنه القلم، فلا يجب عليه الصيام. فلهذا إذا جن من أول النهار إلى آخره فصومه غير صحيح. لكن هل عليه قضاء؟ لا بإجماع العلماء أنه ليس عليه قضاء، لا خلاف في ذلك؛ على أنه لا يقدر؛ لماذا؟ لأنه لا يجب عليه أصلا. طيب إذا حصل له الجنون في بعض اليوم، فهناك خلاف بين العلماء: كيف إذا وقع جنونه في أول النهار أو في آخر النهار؟ فهناك أقوال. فالمالكية مثلا يقولون: إذا وقع أول النهار بطل صومه. ومنهم من يقول: إذا وقع آخر النهار صح صومه. ومنهم من يقول: إذا وقع بعد الزوال لا يصح. واختلفوا في مسألة أكثر الاختلاف إذا أفاق بعد الزوال. إذا أفاق بعد الزوال، هذه المسألة متفرعة. لكن نأخذ هذه المسألة التي حصل فيها الخلاف أكثر، وهو إذا أفاق قبل الزوال، فماذا عليه؟ كلهم يقولون: يمسك. لكن منهم من يقول: إن صيامه باطل، إن صيامه غير صحيح. والصحيح أن صيامه صحيح، وهو قول الحنابلة، وقول الشافعي: أن صيامه صحيح؛ لماذا؟ لأنه في بداية اليوم ما كان يجب عليه؛ لأنه مجنون، وفي آخر النهار صحيح، فهو الآن مكتوب عليه القلم. فإذا كان هذا الجنون يذهب ويأتي مثل بعض أصحاب الحالات النفسية، مثلا تجد أنه يذهب عليه الحس في أوقات ويأتي أحيانا، أوقات فقط مدة دقائق، أحيانا ساعة أو ساعتين، ثم يأتيه ويفيق، ليس يغمى وإنما جنون، تأتيه حالة قد يكون فيها صرع، قد يكون بغير صرع. فمثل هذا كيف يفعل؟ فأيضا الصحيح في هذه المسألة أن صحوه يمسك؛ إذا فاق يمسك، إذا جن ولو أكل في وقت جنونه، فإنه لا يؤثر على صيامه وقت إفاقته. لو مثلا جاءته الحالة وشرب ماء، بعض تجد بعضهم بعض الذين تلبسون بالجن أحيانا تجد مثلا إذا تلبس به الجن يشرب ويأكل كثيرا. فمثل هذا إذا خرج معنا زال عقله، فهذا يسقط عنه أصلا الصيام. طيب إذا أفاق يمسك، إذا أفاق يمسك، ولا يؤثر أكله في وقت حالته. وهل عليه قضاء؟ لا، ما عليه قضاء إلا إذا أفطر وهو في إحساسه. وهنا بعض العلماء يقول: عليه قضاء، لكن الصحيح أنه ليس عليه قضاء، والواجب أنه يمسك. فإن تعمد وأكل، فهذا يرجع إلى مسألة قضاء المتعمد. وسيأتي إن شاء الله. طيب هذه مسألة الجنون. طيب لو أغمي عليه، وهذه المسألة أيضا لها فرعان: الفرع الأول إذا أغمي عليه جميع النهار. إذا أغمي عليه جميع النهار، أنا تجد بعض الأصحاب الأمراض مثلا من شدة الألم يغمى عليه أحيانا. هذا الإغماء يجلس ساعات، وحيانا أياما، أحيانا يوما واحدا. المهم أنه إذا أغمي عليه اليوم كله، النهار كله وهو مغمى عليه، فلا شك أن صومه غير صحيح، هذا ليس في خلاف. لكن الخلاف مسألة القضاء: هل عليه قضاء أم ليس عليه قضاء؟ فكثير من العلماء يقولون: إنه عليه قضاء، وهو قول الحنابلة؛ لهذا قال المؤلف هنا: «ويلزم المغمى عليه القضاء فقط». وذهب جماعة من الشافعية، وهو قول ابن سريج، وجماعة كذلك من الحنابلة: على أنه ليس عليه قضاء؛ ليس عليه قضاء؛ لماذا؟ لأنه مثل المجنون؛ مع أنه زال عقله، ليس هو باختياره، ليس هو مثل النائم. وهذا أيضا تقعيد الشافعية في مسألة المغمى عليه في الصلاة: الشافعية يعاملون المغمى عليه كالمجنون؛ لأنه زال عقله، وليس هو كالنائم؛ وليس هو كالنائم؛ لماذا؟ لأن النائم يستيقظ إذا أفاق، لا زال حسه موجود. لكن المغمى عليه ما يفيق إلا قد يكون بكثرة الضرب، وكذا، بعضهم بالماء، وبعضهم لا يفيق أصلا إلا حتى يبعثه الله. فلهذا المغمى عليه الأصل أنه مثل المجنون؛ لأنه زال عقله، وليس هو كالنائم. وهذا هو القول الصحيح في هذه المسألة، وفي غيرها في مسألة الصلاة كذلك. من أغمى عليه في الصلاة، لو أن رجلا مثلا سواء كان أغمى عليه باختياره أو باضطراره، مثلا يريد يعمل عملية فعمل له بنج فذهب حسه، فهنا لا يجب عليه شيء من الصلاة. مثلا لو مرت عليه صلاة الظهر أو العصر، لا يجب عليه؛ لأنه لم يكن مدركا في ذلك الوقت. لكن لو أدرك جزءا مثلا من الوقت وهو في حال صحته، أي بعدما أفاق من إغمائه، فهنا يجب عليه أن يصلي. وكذلك أيضا الصائم هنا، فإذا أغمى عليه جميع النهار، فالصحيح أنه لا قضاء عليه، وصومه غير صحيح؛ لأنه لا يجب أصلا عليه الصيام. لكن الخلاف حصل في مسألة إذا كان أغمى عليه بعض النهار. إذا أغمى عليه بعض النهار ثم أفاق، فالخلاف في مسألة صومه: هل صومه صحيح أم أن صومه غير صحيح؟ والخلاف في هذه المسألة مثل الخلاف في مسألة الجنون. فبعض العلماء قال: إن كان أول النهار، فصل في مسألة أول النهار وآخره. مع أنهم أكثرهم يقولون: إذا كان آخره أفاق، فهنا يجب عليه أن يمسك بقية يومه. بعضهم يقول: باطل، ما دام أنه لم يصم في أول النهار. وهذا ليس صحيحا؛ لأن المغمى عليه كما قلنا مثل المجنون. الشافعية يعاملونهم معاملة المجنون، بخلاف الحنابلة، الحنابلة يعاملونهم معاملة النائم. وقول الشافعية هنا أفضل وأولى؛ لأن المغمى عليه ليس مثل النائم. لهذا حتى الشيخ عثيمين رحمه الله عليه رجح قول الشافعية في هذه المسألة، على أن المغمى عليه مثل المجنون؛ لأنه زال عقله. فلهذا فإذا أغمي عليه بعض النهار، فمتى أفاق يمسك، ولو مثلا تشرب ماء في وقت إغمائه. بعضهم يعطي المغمى عليه مثلا ماء، أو مثلا مثل هؤلاء الذين مغمى عليهم عدة أيام، فتجد يعملون لهم بيب ويعطونهم الطعام من هذا البييب، أو يشربونهم ببيب أو كذا. فالمهم أنه إذا حصل له طعام وقت إغمائه أو شراب، فهذا لا يؤثر أيضا على صومه؛ لأنه لما أكل وشرب وهو مغمى عليه مثل المجنون الذي يأكل ويشرب ثم أفاق. فهنا يجب عليه أن يمسك إذا أفاق في نهار رمضان يمسك، وهكذا المغمى عليه متى ما أفاق يجب عليه أن يمسك. وإلا فصيامه كما قلنا ليس صحيحا، لكن ليس عليه قضاء. فقوله المؤلف هنا: «ويلزم المغمى عليه القضاء فقط»، فهذا ليس صحيحا، وإنما لا قضاء عليه، وينزل منزلة المجنون. بقيت بعض مسائل النية، إن شاء الله وتعالى نتركها لدرس آخر.