الدرس في عشرة أسباب للوقاية من السحر والعين 11، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يُبيّن هذا المحور أن الإحسان إلى من يسيء ويبغى يعد السبب التاسع من أسباب الوقاية من السحر والعين، وهو مقام عظيم يحتاج إلى صبر وقوة تحمل. وقد أمر الله بدفع السيئة بالحسنة لتتحول العداوة إلى صداقة، ضارباً الأنبياء مثلاً أعلى في ذلك.
يستعرض ابن القيم أربع مقامات من الإحسان جمعها النبي ﷺ في دعائه «اللهم اغفر لي قومي فإنهم لا يعلمون» بعد أن ضربوه وأدموه، وهي: العفو، والاستغفار، والاعتذار بالجهل، والتشريف بالإضافة. ويقرر أن من يرجو عفو الله رغم إساءته إليه، أولى أن يعامل خلقه بالمثل لأن الجزاء من جنس العمل.
يشرح المقطع أن معاملة الناس بالإحسان والعفو عمن أساء تستوجب معاملة الله للعبد بالمثل بالمغفرة والإحسان. مستشهداً بقول ابن القيم أن دفع الإساءة بالتي هي أحسن يخمد نار الشر والحسد، مؤكداً كونه السبب التاسع للوقاية.
ينصح المقطع بمقابلة من يحسدك أو يسئ إليك بالإحسان واللطف، لأن ذلك يدفع ما في قلبه من الحقد والغيظ والعداوة. ويؤكد أن هذا الأسلوب يكسر شوكة الشر في نفس الحاسد والمسيء.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فما زلنا مع هذه الرسالة القيمة النافعة: "عشرة أسباب للوقاية من السحر والعين". قال المصنف - وقاه الله -: السبب التاسع: الإحسان إلى الباغي والمؤذي. قال: وهذا مقام عظيم، قليل من يقوى عليه، وذلك بأن تحسن إلى من آذاك وبغى عليك، فكلما زاد في أذيته وشره وبغيه وحسده، ازددت في الإحسان إليه والنصيحة له والإشفاق عليه، كما قال تعالى: ﴿ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾. ثم قال الله تعالى مبينًا عظم هذا المقام وشرفه: ﴿ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾. إذن هذا المقام مقام عظيم، يحتاج إلى قوة، قوة تحمل وصبر، وكذلك أيضًا عدم مقابلة السيئة بمثلها، بل يقابل السيئة بالإحسان. وكون هذا المقام مقاما عظيما؛ لأن الغالب في الإنسان أنه لا يحب أن يذله أحد أو يعامله بشيء من السوء، وإنما يحب أن يعامل بالإكرام وبالإحسان. فكونه يقابل من أساء إليه بالتنازل وعدم الإساءة، هذا يحتاج إلى قوة، قوة تحمل. والله جل وعلا يقول: ﴿ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾، يعني: ادفع السيئة بالتي هي أحسن. إن أساء إليك بالقول فأحسن إليه في القول، وإن أساء إليك في الفعل فأحسن إليه في الفعل. ﴿ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾، يعني: إذا قابلت من يسيئ إليك بالإحسان، انقلبت عداوته صداقة، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم، كأنه صديق لك، ليس بينك وبينه شيء من العداوات. تنتهي هذه العداوة؛ لأنه ماذا يخجل على نفسه؟ كيف يعاملك بالإساءة وبالسوء والشر، ثم تعامله بالخير والإحسان؟ فذلك يجعله ماذا يتراجع عن هذه المعاملة وهذه السيئة التي يعاملك بها. ثم بين الله سبحانه وتعالى أن هذا المقام مقامًا عظيمًا، فقال: ﴿ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾، يعني: ما يلقى هذا المقام إلا من كان من أهل الصبر، صبر في التحمل، وصبر في كذلك مقابلة السيئة بالإحسان وعدم مقابلتها بالإساءة. هذا المقام يحتاج إلى صبر، وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم. قال: وقد ضرب الأنبياء عليهم السلام في هذا الباب أروع الأمثلة، وهم القدوة لمن بعدهم. ففي حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحكي قصة نبي من الأنبياء، ضربه قومه فأدموه، يعني: أنهم جرحوه حتى نزل منه الدم، قال: وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون»، والحديث في البخاري ومسلم. قال ابن القيم رحمه الله: وتأمل حال النبي الذي حكى عنه نبينا صلى الله عليه وسلم، أنه ضربه قومه حتى أدموه، فجعل يسلت الدم عنه ويقول - يعني يمسح -: «اللهم اغفر لي قومي فإنهم لا يعلمون». كيف جمع في هذه الكلمات أربع مقامات من الإحسان قابل بها إساءتهم العظيمة إليه؟ أحدها: عفوه عنهم، قوله: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون»، هذا عفو منه، قد عفى عنهم مع ما فعلوه به. والثاني: استغفاره لهم، ودعا لهم بالمغفرة. والثالث: اعتذاره عنهم بأنهم لا يعلمون، أي أنهم جاهلون. والرابع: استعطافه لهم بإضافتهم إليه، فقال: «اغفر لي قومي»، فنسبهم إليه، قال: كما يقول الرجل لمن يشفع عنده فيمن يتصل به: هذا ولدي، هذا غلامي، هذا صاحبي، فهبه لي. يعني هذه الإضافة إضافة تشريف وتكريم، كذلك قال: «اغفر لي قومي»، هؤلاء من قومي، ممن ينتسب إلي، هذا من باب التشريف لهم. فانظر إلى هذه المقامات العظيمة في الإحسان، مع ما أساء به إليه: عفى عنهم، واستغفر لهم، واعتذر كذلك عنهم، وكذلك شرفهم بإضافتهم إليه. قال: واسمع الآن ما الذي يسهل هذا على النفس ويطيبه إليها وينعمها به، يعني: في مثل هذا المقام أن تقابل السيئة بالإحسان، ما الذي يجعلك تصل إلى هذا المقام العظيم وإلى هذا المقام الشريف؟ قال: اعلم أن لك ذنوبًا بينك وبين الله عز وجل، تخاف عواقبها، وترجوه أن يعفو عنها ويغفرها لك ويهبها لك. يعني: ما من إنسان إلا وعنده تقصير، وعنده أخطاء، وعنده ذنوب، هو يرجو من الله سبحانه وتعالى أن يسترها عنه، وأن يغفرها له، وأن يمحوها عنه. قال: ومع هذا لا يقتصر على مجرد العفو والمسامحة، حتى ينعم عليك ويكرمك ويجلب إليك من المنافع والإحسان فوق ما تؤمله. يعني: الله جل وعلا الذي ترجو أن يعفو عنك، وأن يمحو عنك ذنوبك، وأن يغفر لك زلاتك وسيئاتك، مع ذلك كونك ترجو ذلك، وأنت ترجو أعظم من ذلك، وهو أن ينعم عليك، وكذلك يفتح عليك من أبواب الرزق والمنافع والإحسان، وأن يحسن إليك، مع كونك أسأت إليه. العبد لا يذنب إلا يكون مسيئًا، مسيئًا مع ربه سبحانه وتعالى الذي خلقه، والذي رزقه، والذي أمره بطاعته وعبادته، والذي له جل وعلا الفضل كله، ثم تقابله بالسيئة وبالعصيان، لا شك أنك في هذا مسيء، وأنت ترجو كذلك منه الإحسان، أن يحسن إليك، سواء كان الإحسان في أمر دنيوي أو كان في أمر ديني. قال: إذا كنت ترجو هذا من ربك، أن يقابل به إساءتك، يعني: أن يعفو عنك، وأن يغفر لك، وأن يحسن إليك، قال: فما أولاك وأجدرك أن تعامل به خلقه، وتقابل به إساءتهم، ليعاملك الله هذه المعاملة، فإن الجزاء من جنس العمل. يعني: كما أنك تحب أن يعاملك الله جل وعلا بهذه المعاملة، أن يحسن إليك، وأن لا يقابلك بالإساءة بمثلها، وأن يعفو عنك، وأن يكفر عنك ذنوبك، فكذلك ينبغي أن تعامل عباد الله، وأن تعامل خلق الله جل وعلا، أنك تحسن إلى من أساء إليك، وتجاوز وتعفو وتصفح وتحسن إليه. فإنك إذا فعلت ذلك، عاملك الله سبحانه وتعالى بنحو هذه المعاملة، لأن الجزاء من جنس العمل. قال: فكما تعمل مع الناس في إساءتهم في حقك، يفعل الله معك في ذنوبك وإساءتك جزاءً وفاقًا. فانتقم بعد ذلك، أو أعفو وأحسن، أو أترك، فكما تدين تدان. يعني: إذا أردت أن يعاملك الله بهذه المعاملة الطيبة بالإحسان والعفو والمغفرة والصفح، فينبغي أن تعامل عباد الله جل وعلا بهذه المعاملة. وأما إذا أردت أن تأخذ بسيئتك، وتعاقب بها، وتحرم من الإحسان، فافعل ذلك في عباد الله. إذا قابلت الناس بذلك، وعاملتهم بهذه المعاملة: من أساء إليك أسأت إليه وزيادة، ومن أخطأ أخطأت عليه وزيادة، فإنك ستعامل بمثل ذلك إذا أخطأت في حق ربك سبحانه وتعالى. قال: وكما تفعل مع عباده يفعل معك. فمن تصور هذا المعنى، وشغل به فكره، هان عليه الإحسان إلى من أساء إليه. إن ابن القيم رحمه الله في كتابه "بدائع الفوائد" - فهذه يعني توضيح من ابن القيم رحمه الله، هذا توضيح من ابن القيم لهذا المقام العظيم الذي يسهل على الإنسان أن يقابل السيئة بالإحسان - قال: بهذه المنزلة العظيمة، إذا أوفق لها العبد، بأن دفع الإساءة بالتي هي أحسن، بأن أهدى له هدية، أو دعا له دعوة خالصة، أو قابله بكلمة طيبة، كان فعله هذا سببًا عظيمًا في إخماد نار الشر والحسد عند عدوه، والله المستعان. يعني: من الإحسان أن تهدي له هدية، هو يسيء إليك وأنت تحسن إليه، ترسل له بهدية، سواء بنفسك أو من غيرك، تقول: أعطِ فلانًا هذه الهدية، ويقول له: هذه هدية من فلان، فيقول لك: جزاك الله خيرًا، سيستحي، يقول: أنا أسيء إليه وأفعل وأفعل، وهو يرسل إلي بهدية، أو بدعوة: تدعو له بالهداية، أن الله يهديه، وأن الله يوفقه للحق والهدى، وأن يبعده من أسباب الشر، إلى آخر ذلك، لعل الله أن يستجيب لك، فتكون هدايته بسببك. قال: أو قابله بكلمة طيبة، بكلمة طيبة، إذا سبك قلت له: جزاك الله خيرًا، عفا الله عنك، غفر الله لك، أسأل الله لنا ولك التوفيق. كلمة طيبة كذلك تجرحه، وكذلك تكون سببًا في إخماد ما في قلبه من الشر والغيظ. فإذا فعلت ذلك، فإن ذلك يبعد ما في قلبه من الحسد، وتذهب هذه العداوة بإذن الله، حتى ماذا تكون بعد ذلك؟ ربما صديقًا حميمًا لك، كما أخبر الله سبحانه وتعالى. إذا هذا السبب التاسع من أسباب الوقاية من السحر والعين: الإحسان إلى الباغي والمؤذي. ومن ذلك: من تعلم أنه يحسدك، أنه حاسد لك، أو أنه قد فعل لك شيء من السحر، أو تظن ذلك بقرائن إلى آخر ذلك، فقابله بالإحسان، وإن أساء إليك قابله بالإحسان، فذلك ما سمعتم يدفع عنه ما في قلبه من الشرور والغيظ والحسد، وكذلك أيضًا ما في قلبه من العداوة. طيب، إلى هنا. صلى الله عليه وسلم على أبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.