عشرة أسباب للوقاية من السحر والعين 9

الدرس في عشرة أسباب للوقاية من السحر والعين 9، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

السبب السابع: التوبة إلى الله من جميع الذنوب

التوبة الصادقة إلى الله من كل الذنوب تُعد سبباً سابعاً للوقاية من السحر والعين، لأن المعاصي تفتح باب تسلط الأعداء والأمراض. وتتطلب التوبة النصوح الندم الصادق، والإقلاع الفوري، وقطع أسباب المعصية كما أمر الله المؤمنين.

شروط التوبة الكاملة ورد الحقوق إلى أهلها

صحة التوبة تشترط الإقلاع عن الذنب، والندم، والعزم على عدم العودة، مع قطع وسائل المعصية كرفقة السوء. وإذا تعلق الذنب بحقوق الآدميين وجب رد الحق أو طلب العفو كشرط رابع للتوبة.

الابتلاء بالمس والسحر والعين كتنبيه للتوبة

تسلط الجن أو الحسد أو السحر على الإنسان قد يكون عقوبة على تفريطه في الطاعات، فيكون الابتلاء سبباً لليقظة والتوبة الصادقة. فيستقيم العبد على دينه، ويحافظ على الصلوات والأذكار، ويترك المحرمات، فينقلب البلاء إلى نعمة روحية.

التوبة الصادقة سبب للسلامة من العين والسحر وشفاء المبتلى

إذا أوقظ الابتلاء المؤمن للتوبة والرجوع إلى الله، انقلب المرض إلى نعمة وسلامة من العين والسحر. أما من يصر على المعصية فيحرم التوفيق، والتوبة الصادقة تبقى أعظم أسباب الشفاء والوقاية.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المصنف - وفقه الله - في رسالته "عشرة أسباب للوقاية من السحر والعين": السبب السابع: التوبة إلى الله من جميع الذنوب. قال: فإن من أسباب تسلط الأعداء على العبد وإيذائهم له ذنوبه ومعاصيه، فإن الله عز وجل يقول: ﴿ وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ﴾ [الشورى: 30]، وقوله جل وعلا: ﴿ مَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ ﴾، "مصيبة" نكرة في سياق النفي فتفيد العموم، يعني: أي مصيبة تصيب الإنسان فإنها بسبب عمله وكسبه. ﴿ مَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾، سواء كانت هذه المصيبة تسلط الأعداء - مثلاً من الكفار على المسلمين - أو حصول الأمراض والأسقام والأوجاع، ومن ذلك ما يحصل للإنسان من الإصابة بالعين أو السحر، أو كان كذلك بشيء من الآيات الكونية التي يرسلها الله جل وعلا من رياح أو عواصف أو فيضانات أو زلازل، أو كذلك أيضاً ما قد يصيب الناس من غلاء في الأسعار وشدة في المعيشة، أو غير ذلك من المصائب، فسبب ذلك هي الذنوب والمعاصي. قال: ولذلك كانت التوبة إلى الله عز وجل من الذنوب سبباً عظيماً لعلاج الأسقام والأدواء وذهاب الهموم وزوال المصائب، ولذا تكرر أمر الله عز وجل لعباده بالتوبة النصوح في مواضع من كتابه، يقول عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا ﴾ [التحريم: 8]، أي توبة صادقة، وقوله عز وجل: ﴿ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [النور: 31]، ف الله عز وجل أمر عباده بالتوبة: ﴿ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾، إذا أردتم الفلاح في الدنيا والآخرة بالفوز من المرغوب والنجاة من المرهوب فعليكم بالتوبة. قال: وقد بيّن العلماء أن للتوبة النصوح شروطاً ثلاثة لا بد من وجودها في التائب لتصح توبته: الشرط الأول: أن يندم على فعل الذنب الذي يريد أن يتوب توبة صادقة توبة نصوحة تذهب ما حصل منه من سيئات وتأتي بالحسنات، أن يندم على فعل ما حصل من الذنب، أن يندم، يكون عنده ندم وكذلك حرق في قلبه على ما حصل منه من ارتكابه لهذا الذنب. أما يقول: "أتوب" بلسانه ولا أثر لندم على فعل هذا الذنب، كأنه مرتكب شيئاً، هذا ما تاب توبة نصوح، هذا لم يتوب توبة صادقة، فإن من شروط التوبة الصادقة أن يندم، أن تندم على ما فعلت وما حصل منك وما ارتكبت. قال: والشرط الثاني: الإقلاع عن الذنب تماماً، ويدخل فيه التخلص من الأسباب والوسائل المفضية إليه. الإقلاع عن الذنب، أما أن يقول: "أنا تبتُ ومستمر في هذه المعصية"، يقول: "أنا أتوب إلى الله من سماع الغناء" وهو يستمع للغناء، أو ترك مثلاً الأغاني في جواله، يقول: "أنا تبتُ إلى الله" والأغاني ما زالت موجودة، لا، هذا ليس التوبة. أو تبتُ إلى الله من النظر في المقاطع المحرمة ثم يبقيها في جواله، هذا ما تاب إلى الله، لا بد أن تقلع من هذا الذنب تماماً وتقطع أسبابه ووسائله، إذا كنت حقاً تائباً تزيل هذه الأسباب والوسائل التي توقعك في هذا الذنب. أو كذلك إذا كان يمشي مع رفقة سيئة، رفقة سيئة تفعل الذنوب والمعاصي، ثم تاب ويريد أن يستمر في المشي معهم، هذا ما تاب، هذه التوبة صادقة، لا بد تترك هذه الرفقة وتمشي مع رفقة صالحة تعينك على طاعة الله وعلى عبادة الله جل وعلا، وهكذا قس على ذلك في سائر الذنوب والمعاصي. قال: والشرط الثالث: العزم الأكيد على عدم العودة إليه، أن يكون عازماً أنه لا يعود إلى هذا الذنب. أما إذا تاب وفي نيته أنه سيرجع إلى فعل هذا الذنب، إذن هذا لم يتم توبة صادقة، هذا كاذب في توبته، هذا كاذب في توبته، لا بد أن تعزم على عدم العود إلى هذا الذنب، تكون عازماً أنك لا تعود إليه ولا تفعله. قال: وإذا كان الذنب المقترف يتعلق بحقوق الآدميين فإنه يضاف شرط رابع وهو إعادة الحق إلى صاحبه أو طلب عفوه ومسامحته. إذا كان هذا الذنب يتعلق بحقوق الناس كأخذ أموال، سرق مالاً أو أنكر أمانة أو وديعة، ثم تاب، ما يكفي إذا توفرت هذه الشروط الثلاثة، يبقى شرط رابع وهو رد الحقوق إلى أصحابها، تذهب وتدفع هذا المال الذي أخذته بغير حق لصاحبه، تتحلل منه أو تطلب مسامحته بما حصل منك. وهكذا إذا كنت تكلمت عليه واغتبته، فإما أن تطلب منه المسامحة والعفو إن استطعت ذلك، وإلا كما قال بعض أهل العلم: تذكره بالخير كما ذكرته بالسوء والشر، تثني عليه خيراً بما تعلم منه. إذا لا بد من رد الحقوق إلى أصحابها، لا بد من رد الحقوق إلى أصحابها حتى تكون التوبة كاملة الشروط. قال: وعلامة ابن القيم رحمه الله: "فما سلط على العبد من يؤذيه إلا بذنب يعلمه أو لا يعلمه، وما لا يعلمه العبد من ذنوبه أضعاف ما يعلمه منها، وما ينساه مما علمه وعمله أضعاف ما يذكره". والمعنى أن الإنسان ما يسلم من الوقوع في الذنوب والسيئات، سواء كان ذلك يتعلق باللسان أو يتعلق بالنظر أو يتعلق بالسمع أو باليد أو يتعلق بحقوق الناس في الأموال أو غير ذلك، فالإنسان معرض للزلل والخطأ، وقد يذكر شيئاً من الذنوب وقد ينسى البعض، وربما لا يعلمها ويجهلها، فهو بحاجة عظيمة إلى الإكثار من التوبة مما علم ومما لم يعلم. قال: فليس للعبد إذا بغي عليه أو أوذي وتسلط عليه خصومه شيء أنفع له من التوبة النصوح. يقول: إذا تسلط على الإنسان أعداؤه، حصل أن أناساً آذوه بلسان أو بيد أو بشيء من ذلك، فعليه أن يعلم أن سبب ذلك هي ذنوبه، هي ذنوبه التي سلطت هؤلاء عليه، فيرجع إلى الله سبحانه وتعالى ويتوب. وما أحسن ما ذكر في ترجمة الإمام وكيع بن الجراح رحمه الله: أن رجلاً أغلب عليه بالقول، أغلب عليه بالقول وعاتبه، فدخل وكيع إلى بيته، فمعّر وجهه في التراب، ثم رجع إليه فقال: "زد، فوالله لولا ذنوبي ما سلط علي، لولا ذنوبي ما سلط علي"، يعني: ما الذي جعلك تتكلم وتخاطبني بهذا الخطاب وتشد علي في القول إلا بسبب ذنوب حصلت مني؟ فقال: "لولا ذنوبي ما سلط علي". قال: ولهذا الأمر الذي ذكره العلامة ابن القيم يحتاج العبد إلى التوبة الصادقة من جميع الذنوب التي اقترفها سواء علمها أو لم يعلمها، ولعل تسلط العدو عليه تنبيه له وسبب لعودته إلى الله سبحانه وتعالى وتجديد إيمانه، وهذا واقع، بل هو الغالب بالنسبة لمن يصاب بالمس أو بشيء من العين أو ربما السحر، قد يكون بسبب تفريط من هذا الإنسان، تفريط من هذا الإنسان، ربما يكون عنده تفريط بترك الصلاة وتضييعها، أو كذلك تفريط بالمحافظة على الأذكار، أذكار الصباح وأذكار المساء والتحصن بذلك، أو قد يكون بسبب سماعه للغناء والمزامير وأصوات الشيطان، أو لعقوق لوالديه، أو قطيعة لأرحام، أو سوء لجوار، أو غير ذلك من الذنوب، وهذا واقع وحاصل، واقع وحاصل، فيسلط الله عز وجل عليه بعض الأعداء الذين يؤذونه، فينتبه بعد ذلك، فيكون إصابته بهذا المرض، المس أو العين أو غير ذلك، سبباً لتوبته وأن يحسن حاله، أن يحسن حاله، وأمثال هؤلاء كثر، الموفق منهم من وفقه الله جل وعلا بعد إصابته بهذا المرض أن يستقيم على دين الله ويرجع إلى الله جل وعلا ويحافظ على الصلوات ويترك الغناء والمزامير وما حرم الله جل وعلا، الموفق منهم من وفقه الله جل وعلا لذلك. وأعرف من أصيب بمثل ذلك، من أصيب بالمس والسبب هي الغفلة والبعد عن طاعة الله والاستماع للغناء والمزامير، وما يدري إلا وتلبس به الجن، لأن الجن شياطين، والذي هو بعيد عن ذكر الله وعن طاعة الله ويسمع الغناء هو من أتباع الشيطان، هو من أتباع الشيطان، فتلبس به هذا الشيطان، ولما قرئ عليه وعوفي بإذن الله جل وعلا ونبه على هذا الخطأ الذي حصل منه، انتبه وحسن حاله واستقام وحافظ على الصلاة وابتعد عن سماع هذا الغناء، فكانت إصابته بهذا المرض سبباً في عودته ورجوعه إلى ربه جل وعلا. قال: فكم من إنسان مضى في غفلته دهراً طويلاً، فتسلط عليه عدو بحسد أو سحر أو غيره، فكان هذا المصاب سبباً لتذكر ذنوبه الكثيرة وتفريطه في جنب الله عز وجل، فيرجع إلى ربه وينيب إليه ويتوب توبة نصوحة من ذلك كله، يعني مما هو واقع فيه إما من ترك واجب وإما من فعل معصية، فلما يصاب ويمرض ويصيبه السقم ينتبه ويفيق من غفلته، فيكون هذا المرض سبباً لعافيته وسبباً لصلاحه وتحسين العمل. قال: وهذا من الخير والتوفيق للمؤمن حيث انقلبت المصيبة والمحنة في حقه نعمة ومنحة، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء، وهذا كما سمعتم من وفقه الله جل وعلا لأن ينتبه ويفيق ويرجع إلى ربه جل وعلا، ولكن الشقي الذي يصاب بمثل هذه الأمراض ويستمر، يستمر على شقائه وعلى بعده عن الله جل وعلا وارتكابه للذنوب والمعاصي وعدم المبالاة بما ابتلي به، عدم المبالاة بما ابتلي به، فهذا محروم من الخير والتوفيق. إذا: من أسباب السلامة من العين والسحر، أو كذلك أيضاً أن يعافى الإنسان منها إذا ابتلي بها، التوبة إلى الله جل وعلا، التوبة الصادقة، فإذا علم الله عز وجل من عبده توبة صادقة وفقه وأعانه على الشفاء من هذا المرض وهذا السقم الذي ابتلاه الله سبحانه وتعالى به. إلى هنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.