الدرس في كتاب فضائل القرآن من صحيح البخاري 33، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي شبه الأمم بعمال استؤجروا في أوقات مختلفة، مبيناً فضل هذه الأمة بمضاعفة الحسنات رغم قصر عمرها. كما يذكر فضل النية حيث تكتب الحسنة بالهم بها وتضاعف بعملها إلى سبعمائة ضعف.
يبين المتكلم أن الله فضل هذه الأمة بمضاعفة الأجر تعويضاً عن قصر الأعمار، مستدلاً بحديث الرجلين من بني ليث حيث فضل من عاش سنة زائدة بعمله. وتوضح المضاعفة أن السنة الواحدة من العمل الصالح تفوق أعمال من عاشوا أعماراً طويلة.
يختتم المتحدث الفيديو بتوجيه الشكر للمشاهدين على متابعتهم، مع تكرار عبارة الشكر للتأكيد على الامتنان. ويختتم اللقاء بالدعاء بالخير والبركة للجميع.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: حدثنا مسدد، وهو ابن مسرهد، أبو الحسن البصري. قال البخاري رحمه الله: مسدد هو كِسْمه، أو قال: مسدد كِسْمه. وقال يحيى بن سعيد القطان شيخه: لو أتينا مسددًا إلى بيته لكان يستاهل، معنىً لشدة اجتهاده وطلبه العلم. فكان العلماء يهتمون بمن يجتهد في العلم، يعينونه على ذلك الاجتهاد. قال: عن يحيى، وهو ابن سعيد القطان، الإمام، الجبل، عن سفيان، وهو ابن سعيد الثوري، قال: حدثني عبد الله بن دينار، وهو مولى عبد الله بن عمر، قال: سمعت ابن عمر رضي الله تعالى عنهما عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «إنما أجلكم في أجل من خلى من الأمم كما بين صلاة العصر ومغرب الشمس. ومثلكم ومثل اليهود والنصارى كمثل رجل استعمل عمالًا، فقال: من يعمل لي إلى نصف النهار على قيراط قيراط؟ فعملت اليهود. فقال: من يعمل لي من نصف النهار إلى العصر؟ فعملت النصارى. ثم أنتم تعملون من العصر إلى المغرب بقيراطين قيراطين». وهذا باب التوكيد: «قيراطين قيراطين». قالوا: نحن أكثر عملًا وأقل عطاءً، أي اليهود والنصارى احتجوا. قالوا: كيف نحن نكون أكثر عملًا وأقل عطاءً؟ قال: فيقول الله عز وجل: هل ظلمتكم من حقكم؟ قالوا: لا. قال: فذاك فضلي أوتيه من أشاء. وهذا الحديث، هذا الحديث حديث عظيم، يبين فيه النبي عليه الصلاة والسلام فضل هذه الأمة، وأن الله عز وجل فضلها على غيرها من الأمم، وأعطاها أجرًا عظيمًا وعملهم قليل. وإنما كان عملهم قليلًا لأن أعمارهم قليلة؛ أعمار أمتي ما بين ستين إلى سبعين، وأقلهم من يجاوز ذلك، فأعمارهم قصيرة. لكن أعطاهم الله عز وجل تعويضًا لهم، أن جعل أجرهم عظيمًا، جعل الأجر عظيمًا في العمل؛ فالحسنة بعشر أمثالها. وأيضًا قد يضاعف الله عز وجل هذا الأجر إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، وهذا من فضل الله عز وجل على هذه الأمة. جاء في حديث ابن عباس في الصحيحين: «من همّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة»؛ أنا ما أعملها لكن همّ بها وعزم عليها فتكتب له حسنة واحدة. قد يكون تركه لها إما لعجز، وإما لعدم توفر الأسباب، أو غير ذلك. «ومن همّ بحسنة فعملها كتبت له عشر حسنات. ومن همّ بسيئة فلم تعملها كتبت له حسنة»؛ قال: ليست سيئة، بل كتبت له حسنة. وليس معنى ذلك أيضًا أنه لم يكتب له شيء، لا، بل كتبت له حسنة. «ومن همّ بسيئة وعملها كتبت له سيئة واحدة». فقال الإمام النووي رحمه الله بعد هذا الحديث في رياض الصالحين، مع أنه قليلًا ما يعلق: «فانظروا إلى فضل الله عز وجل وعطائه». الله عز وجل أعطى هذه الأمة فضلًا عظيمًا، فهو أجر عظيم، عوضهم الله عز وجل بأعمارهم. ومن ذلك ليلة القدر؛ ليلة القدر أعطاها الله عز وجل لهذه الأمة، فيها العمل خير من ألف شهر. فعمْر عظيم، أربعة وثمانون سنة أو نحوها، يعمل العامل في هذه الليلة عملًا يتحصل على أجر عمر. وهذا فضل الله عز وجل يؤتيه من يشاء. فلذا احتجت اليهود والنصارى، وضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثالًا حتى يوضح الأمر. فقال: «مثلكم ومثل اليهود والنصارى كمثل رجل استعمل عماله»، يعني: يريد أن يضرب مثالًا أن الله عز وجل كأنه جعل هؤلاء عمالًا له، وحدد لهم وقت العمل. مثلًا ما يكون رجل تاجر عنده عمل، أو رجل عنده بيت يريد عمالًا، فجاءه عمال فقال: خلاص، أنتم تعملون. معنى جزائهم: أنتم تعملون من الصباح إلى الظهر، سأعطيكم مثلًا مئة ألف. وجاء الآخرون من الظهر إلى العصر، سأعطيكم مئة ألف. معنى: أعطاهم بالزائد، معنى بزيادة بحقهم وزيادة. وقال للآخرين: معنى باب تفضيلهم، قد يكون لأجل شيء فيهم. فقال لهم: تشتغلون من العصر إلى المغرب، لكن سأعطيكم ضعف ما أعطيته لأولئك، أعطاهم مئتين مثلًا ألف. فاحتج أولئك، قالوا: كيف عملنا كثير وأجرنا قليل؟ نعمل من الصباح إلى الظهر. اليهود قالوا: كيف عملنا كثير من الصباح إلى الظهر وأجرنا قليل؟ فيقول لهم هذا الشخص: هل ظلمتكم من حقكم؟ أنا هل أخذت من حقكم شيء؟ أن مثلًا ظلمتكم، هذا العمل ما يكفي هذه الأجرة؟ قالوا: لا. قال: فذلك فضلي أوتيه من يشاء. الإنسان مثلًا يريد أن يزيد أناسًا يرى أنهم عندهم اجتهاد في العمل، عندهم إخلاص في عملهم، عندهم كذا. حتى مثلًا صاحب شركة، صاحب شركة قد يزيد بعض العمال على بعض، ليس لأن هذا مثلًا وقته أكثر من هذا، لا، الوقت واحد، لكن يزيد في هذا لأجل مهارته، لأجل مثلًا إخلاصه في العمل، لأجل أمور أخرى، مواظبته على العمل. فهذا عمله يعطيه. لو مثلًا أعطى ذاك أكثر من هذا، ما فيه شيء، لأن ذاك قد أعطاه حقه، وهذا زاده لأجل أشياء أخرى. وهكذا فضل الله عز وجل هذه الأمة، إما بنبيها صلى الله عليه وسلم، أو بنزول القرآن، أو بغيره. فربنا جل وعلا له المشيئة، هو الذي يختار ويصطفي جل وعلا. ولهذا فضل ربنا جل وعلا هذه الأمة على سائر الأمم بالأجر. وكما قال العلماء: أن الله عز وجل إنما فضل هذه الأمة على سائر الأمم لأن عمرهم قليل. والأمم السابقة، قيل: عمرهم طويل. معنى: لو مثلًا كان الإنسان يعمر أكثر من مئة وخمسين سنة، بل بعضهم يصل إلى مئتي سنة، إلى أكثر. فهذا السن الكبير مثلًا سيعمل، ويكون عمله كثير. معنى: لو مثلًا قد يكون الإنسان في سنة واحدة يعمل أكثر من غيره سنة واحدة، فكيف مثلًا بمئة سنة؟ لا شك أن عمله سيكون كثير. ولهذا أعطى الله عز وجل مضاعفة لهذه الأمة. معلوم حديث طلحة بن عبيد - الذي أخرجه الطحاوي في المشكل، وأخرج أيضًا من حديث أبي هريرة، وجاء أيضًا عند القبراني وغيره، والحاكم من حديث أبي هريرة - أن طلحة بن عبيد الله، أو جاء اثنان من بني ليث، والمهم أن كان أحدهما مجتهدًا والآخر أقل منه. فمات هذا المجتهد، ومات الذي بعده بسنة. فلما صلوا على الذي مات بعده، قال النبي صلى الله عليه وسلم لهم: ماذا قلتم؟ قالوا: قلنا: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، اللهم ألحقه بصاحبه. قال: فأنكر النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأمر. فأين صلاته من صلاته، وأين صيامه من صيامه؟ فلا ما بينهما ما بين السماء والأرض. وجاء في حديث أبي هريرة قال: فإنه صلى كذا وكذا ركعة، وصام رمضان معنا. أنه فضله بهذه الأعمال، كيف يكون ذاك أحسن منه؟ هذا قد فضله بهذه الأعمال، سنة واحدة. النبي صلى الله عليه وسلم أثبت أن السنة هذه تكفي أن يكون هذا أفضل من ذلك في العمل. فكيف بسنوات؟ معنا بمئة سنة. فلذا فضل الله عز وجل على هذه الأمة أن أعطاها هذه المضاعفة في الأجر، حتى يجعل ذلك في مقام، في مقام أنقص من أعمارهم، لكن أعطاهم مضاعفة في الأجر. وهذا من فضل الله عز وجل على هذه الأمة. إن شاء الله نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. شكرًا للمشاهدة، شكرًا للمشاهدة.