الدرس في كتاب الصيام 13، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول هذا الفصل موضوع صوم التطوع، حيث يشرح الأيام المستحبة للصيام مثل أيام البيض والإثنين والخميس وست من شوال. كما يبين استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر والأفضلية في صيام أيام البيض.
يتناول هذا الفصل أحكام صيام التطوع مثل صيام ست من شوال، واستحباب صيام شهر المحرم وشعبان، وأحكام صيام عاشوراء، حيث كان واجبا ثم نسخ وأصبح مستحبا مع استحباب صيام التاسع معه.
يستحب صيام يوم عرفة لغير الحاج لما له من أجر كبير، بينما لا يستحب للحاج كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم أثناء حجه. هناك حديث ضعيف يفصل بين الحاج وغيره في هذا الصيام.
يشير هذا الفصل إلى انتهاء الحديث في هذا اليوم، مع التأكيد على أن الله تعالى أعلم بكل شيء. يُنهي المتحدث كلامه بالتأكيد على الاكتفاء بما تم ذكره.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فإن تقصد المسألة الأخيرة قضاء الولي. قضاء الولي مستحب، لكن قضاء نفسه واجب. قضاء رمضان، قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب صوم التطوع. قال: يسن صيام أيام البيض، والإثنين، والخميس، وست من شوال، وشهر المحرم، وآكده العاشر، ثم التاسع، وتسع ذي الحجة، ويوم عرفة لغير حاج بها. طيب، الآن دخل في صوم التطوع، أي الذي ليس بفريضة. فقال: يسن صيام أيام البيض. أيام البيض سميت أيام بيض لأنها أيام مقمرة، الثالث عشر، والرابع عشر، وخمس عشر من الشهر. والأصل أن المستحب هو صيام ثلاثة أيام من كل شهر، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في الصحيحين: «صم ثلاثة أيام من كل شهر». وفي السنن، سنن النسائي، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «صيام رمضان وثلاثة أيام من كل شهر تذهب بوحر الصدر». معنى ضيقه. فصيام ثلاثة أيام مستحب، ولو كانت متفرقة. لهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن حسين: «أصمت من سرار الشهر؟» وسرار الشهر هو آخره. فلهذا فصيام ثلاثة أيام هي من كل شهر، ولا يلزم أن تكون متتابعة. لكن الأفضل أن تكون أيام البيض. قد جاء في حديث أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال له فيما أوصاه به: «وصيام أيام البيض». فصيام ثلاثة أيام من كل شهر مستحب، والأفضل أن تكون من أيام البيض. هذه الثلاثة أيام وهي في كل شهر، إلا في شهر ذي الحجة، فالثالث عشر لا يجوز صيام؛ لأنه يعتبر من أيام التشريق. لكن يصام يوم بدله. قال: «والإثنين والخميس». الإثنين والخميس جاء حديث في صحيح مسلم في صيام الإثنين والخميس، منها حديث أبي هريرة: «كان النبي عليه الصلاة والسلام يتحرى صيام الإثنين والخميس». وهذا قول جمهور العلماء. وبعض العلماء يقول: كما ذكر البخاري أن النبي عليه الصلاة والسلام ما كان يصوم يوما معينا. وذكر حديث عائشة رضي الله عنها: «ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصوم يوما بعينه». فكان يصوم حتى نقول: إنه لا يفطر، ويفطر حتى نقول: إنه لا يصوم. والبخاري كأنه يضعف حديث الإثنين والخميس. لكن جاء أيضا في حديث أبي قتادة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن صيام يوم الإثنين، قال: «ذاك يوم ولدت فيه». والحديث صحيح، مسلم. وإن كان البخاري يقول: إنه لا أعلم لأبي معبد سماعا من أبي قتادة. لكن أكثر العلماء على أنه سمع. وكذلك أيضا الحديث صحيح. فدلت الأحاديث على استحباب صيام الإثنين والخميس. ولهذا جمهور العلماء يرون الاستحباب، استحباب تعيين الإثنين والخميس. ولا بأس أن الإنسان مثلا يعين الإثنين أو الخميس، فهو مستحب بذاته. معنى لا يلزم أن يكون أن يصوم الإثنين والخميس، ما يلزم. ممكن يصوم الإثنين، ممكن يصوم أيضا الخميس؛ لأنه ترفع فيه الأعمال. وما جاء في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم قالوا: «ست من شوال». ست من شوال هذا جاء في حديث أبي أيوب في صحيح مسلم أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من صام رمضان ثم أتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر». وجمهور العلماء يرون أن الست هذه لابد أن تكون من شوال. والأفضل أن تكون بعد الفطر، يعني بعد يوم الفطر؛ لأجل المسارعة. وأيضا كذلك تكون من شوال، بخلاف بعض المالكية يقولون: ما يلزم من شوال، أن يكون حتى في غير شوال. واستدلوا برواية جاءت في حديث ثوبان أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من صام رمضان ثم أتبعه بست فكأنما صام الدهر». وقالوا: إنه أن صيام رمضان بعشرة أشهر، فأن الحسنة بعشرة أمثالها، فصيام رمضان بعشرة أشهر، وصيام الست من شوال بشهرين، أن السنة بقية السنة، أن بستين يوما، ستة من شوال معنى كل يوم بعشر، ستين يوما معنى شهرين، ورمضان ثلاثين يوما كل يوم بعشر، أن ثلاثمائة، ثلاثمائة يوم بعشرة أشهر. فقالوا: لا فرق بين أن يصوم ستة أيام في شوال وستة أيام في غيره. لكن هذا الكلام غير صحيح؛ لأنه أولا النبي عليه الصلاة والسلام عين ست من شوال. حتى لو قلنا: إنه قد جاءت رواية بالإطلاق، فهي تحمل على التقييد؛ لأن أكثر الروايات التقييد، حتى رواية ثوبان نفسها جاءت بالتقييد. إنما جاء في بعض الروايات بالإطلاق. لكن الإطلاق هذا يحمل على التقييد، حتى ولو لم يأت في حديث ثوبان، فهو في حديث أبي قتادة. وذكر العلماء أن الميزة في شوال على غيره أن ست من شوال هذا على حساب الفريضة، وليس على حساب التطوع. كيف على حساب الفريضة؟ معنى أجرها أجر فريضة؛ لأنه قرن الست من شوال برمضان، قرن الست من شوال برمضان، فهو صيام كأنه صيام فريضة. وصيام الفريضة ليس كصيام التطوع، أن ليس فقط بعشر، بل قد تكون بسبعمائة ضعف، وبأضعاف كثيرة. فلهذا فصيام ست من شوال كصيام الدهر على الفريضة، وليس على النافلة. حتى ولو كان ليس كذلك، فالنبي عليه الصلاة والسلام عين هذه ست من شوال. فالتعيين أفضل. التعيين أفضل، أن يصوم ستة من شوال. ولا يلزم أن تكون الستة الأولى. لكن هذا استحبه كثير من العلماء؛ لأجل المسابقة في الخيرات. لكن تجد في بعض الأماكن أصبح مثل الفرض، هنا في بعض الأماكن القريبة عندنا، لابد معنى يصبح الناس أكثرهم صائمون، وكأنه لازال رمضان. وهذا ليس صحيحا. قالوا: «شهر المحرم». أن يستحب صيام شهر المحرم كله؛ لما جاء في حديث أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام سئل عن صيام شهر كامل، قال: «شهر الله المحرم». أن أصبح أفضل الصيام بعد رمضان، قال: «صيام شهر الله المحرم». واختلف العلماء كما ذكر حافظ ابن رجب في اللطائف: ما هو الأفضل؟ هل هو صيام شهر الله المحرم أم صيام شعبان؟ لأن النبي عليه الصلاة والسلام لم يثبت عنه أنه صام شهر المحرم، لكن ثبت ما بت عنه أنه كان يصوم شعبان، ويصوم أكثر. وما جاء في بعض الروايات: «يصوم كله» ليس المراد كله معنى كل يوم فيه، وإنما المراد كله أي مجمله، وأكثره. كما فسر ذلك ابن المبارك وغيره. وجاء أيضا في روايات عن عائشة أنها قالت: «كان يصوم أكثره». فلهذا فالاستحباب صحيح: أنه شهر شعبان، شهر المحرم يستحب صيامه كله. وأما شهر شعبان فيستحب صيام أكثره، كما كان النبي عليه الصلاة والسلام يفعل. قال: «وآكده العاشر ثم التاسع». أي آكد المحرم ما يستحب العاشر، فالعاشر من محرم هو عاشوراء. استحب النبي عليه الصلاة والسلام صيامه، بل كان واجبا. كما جاء في حديث الربيع بنت معوذ، وحديث سلمة بن الأكوع أن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا كان يوم عاشوراء أرسل إلى القرى من يخبرهم بصيام عاشوراء. ومن كان قد أصبح صائما فليمسك، ومن أصبح مفطرا فليتم صومه. وكان ثم الربيع تقول: «فكنا نصومه ونصوم صبياننا، ونذهب إلى المسجد». حتى إذا بكي الصبي أعطيناه لعبة من العهن. العهن معنى من الصوف. فكانوا يصومون عاشوراء. والصحيح أنه كان واجبا، كما ذكر الشافعي وغيره. ثم نسخ. كما جاء في حديث عائشة، وحديث ابن عمر: «فلما فرض رمضان، قال: من شاء أن يصومه فليصومه، ومن شاء أن يفطر فليفطر». لكن جاء في حديث ابن عباس الذي ذكرناه قبل في الصحيح مسلم أن النبي عليه الصلاة والسلام سئل عن صيامه وهو عاشوراء، قال: «أحتسب على الله أن يكفر سنة ماضية». أن يكفر سنة ماضية. فدل على استحبابه، فهو مستحب صيامه. قال: «وتسع، ثم التاسع». التاسع في حديث ابن عباس في الصحيحين، أو في صحيح مسلم، أقصد لما قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم عاشوراء». فقيل له: «إن اليهود تصومه». فقال: «لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع». فلم يأت الأجل عليه الصلاة والسلام ولم يصمه. لكن هذا الحديث يدل على استحباب صيامه. واختلف العلماء في مسألة ارتباط عاشوراء أو عاشر بالتاسع. فمنهم من قال: وهم قول الجمهور، يستحب قرن التاسع بالعاشر، معنى يستحب أن يصوم التاسع والعاشر، معنى يستحب أن يصوم كليهما. وجاءت رواية أو أقصد والقول الثاني: أنهم يقولون: إنه لا بد أن يقترن التاسع بالعاشر، ولا يصام العاشر وحده. وهذا قول الظاهرية. وكذا. لكن الصحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوجبه، وإنما أخبر أنه سيصوم، أخبر أنه سيصوم عليه الصلاة والسلام. وأيضا ما يدل على ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم قد عرف أن اليهود كانوا يصومونه. لما دخل إلى المدينة فرأى اليهود يصومون هذا اليوم، فقال: «ما لهم يصومون؟» قالوا: «هذا اليوم نجى الله موسى وقومه، وأغرق فرعون وقومه». فقال عليه الصلاة والسلام: «نحن أحق بموسى منهم». نحن أحق بموسى منهم. فصامه وأمر بالصيام. فدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم أن اليهود يصومونه. لكن من باب المخالفة، فأراد أن يصوم التاسع والعاشر. فلهذا يستحب صيام التاسع والعاشر. وهل يستحب صيام الحادي عشر؟ جاء حديث عند الترمذي، وعند أحمد، قال: «صوموا يوما قبله أو يوما بعده في صيام عاشوراء». قال: «صوموا يوما قبله أو بعده». لكن هذا الحديث لا يصح. هذا الحديث لا يصح. فلهذا فالمستحب هو صيام اليوم العاشر والتاسع. وأما صيام الحادي عشر فهو لم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام. لكن ممكن أن يصام إذا كان هناك شك في دخول الشهر، إذا كان هناك شك في دخول الشهر، فيصام الحادي عشر من باب الاحتياط، من باب الاحتياط. وأما ما ذكره الإمام ابن القيم رحمه الله عليه، فهو على تصحيح الحديث، فقال: «فإنه يستحب صيام ثلاثة أيام»، معنى قسم الصيام إلى ثلاثة أقسام. قال: «أول قسم صيام عاشوراء وحده، وأفضل منه صيام التاسع والعاشر، وأفضل منه وهو الكمال: الصيام ثلاثة أيام: التاسع والعاشر والحادي عشر». لكن هذا بناه على صحة ذلك الحديث. لكن الصحيح: أن الحديث لا يصح. ويستحب صيام التاسع والعاشر. قال: «وتسع ذي الحجة». التسع من ذي الحجة جاء فيه حديث هنيدة عن عائشة، أو أقصد لا، عن حفصة، أو عن بعض أزواج النبي عليه الصلاة والسلام: «أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصوم التسع من ذي الحجة». هل المراد التسعا أي التاسع، أو المراد التسع نفسها؟ فهذا الظاهر أنه التسع. لكن الحديث فيه هنيدة، وهي مجهولة. إمرأة يقال لها هنيدة، وهي مجهولة. فلهذا لا يصح هذا الحديث. وصح في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «ما رأيته رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم التسع من ذي الحجة قط»، أو «يصوم العشر من ذي الحجة قط». ولكن هي عمل صالح، هي من باب أنه عمل صالح، استحب وليس أن تعيينها عن النبي عليه الصلاة والسلام. لكن من باب العمل الصالح؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام كما في البخاري في حديث ابن عباس قال: «ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه العشر»، أي عشر الأول من ذي الحجة. قال: «ولا الجهاد في سبيل الله»، قال: «ولا الجهاد إلا رجل خرج بماله ونفسه ولم يرجع بشيء». ففيه استحباب هذه الأيام. قال: «ويوم عرفة لغير حاج بها». يوم عرفة، الصحيح أنه مستحب، وهو قول جمهور العلماء؛ لما جاء في صحيح مسلم في حديث أبي قتادة، أيضا نفس الحديث الذي ذكرناه: حديث أبي قتادة: أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن صيام يوم عرفة، قال: «أحتسب على الله أن يكفر سنة ماضية وسنة مقبلة». سنة ماضية وسنة مقبلة. صيام يوم عرفة. فلهذا فقال الجمهور: إنه يستحب. على هذا الحديث. وبعضهم كره؛ لأنه قد جاء في حديث عقبة بن عامر، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يوم عرفة ويوم الفطر ويوم الأضحى وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام». قال: «عيدنا أهل الإسلام». فذكره أنه من العيد، والعيد لا يصام. العيد لا يصام. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي موسى في صيام عاشوراء: «فكان اليهود يتخذونه عيدا». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فصوموه أنتم ولا تتخذوه عيدا». فالعيد الغالب أنها لا تصام، لا يصام العيد. ولهذا عيد الفطر وعيد الأضحى لا يصام، بل لا يجوز صيامهما. لكن عرفة قد يكون عيدهم من باب أنه يوم معظّم، يوم معظّم؛ لأنه فيه أنزل فيه القرآن، أو أقصد ختم فيه القرآن على النبي عليه الصلاة والسلام. وكان يوم عرفة ويوم الجمعة لما نزل. نزل قول الله جل وعلا: «اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا». طيب، فهذا فيه استحباب يوم عرفة. لكن للحاج لا يستحب؛ لماذا؟ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أفطر. وأما حديث: «صوم عرفة لغير من كان بعرفة أو لغير الحاج أو كذا»، فهذا لا يصح. لكن النبي عليه الصلاة والسلام ثبت عنه أنه أفطر؛ كما جاء في حديث لبيبة بنت الحارث رضي الله عنها أم الفضل: «أن الناس احتاروا في صيام النبي صلى الله عليه وسلم في يوم عرفة في الحج». فقالت: «فأرسلت إليه لبنا فشرب». أرسلت إليه لبنا فشرب. وجاء أيضا نحوه من حديث أم سلمة وغيرها. فصح على أن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أفطر في يوم عرفة لما كان حاجا. لكن لم يصح أن النبي صلى الله عليه وسلم صام يوم عرفة. هذا طيب. هذا ما يذكر في هذه الأيام إن شاء الله تعالى. نكتفي بهذا. والله تعالى أعلم.