كتاب الحج 3

الدرس في كتاب الحج 3، ألقاها

أحكام السفر للحج ووجود المحرم للمرأة

يشترط للمرأة وجود محرم عند سفرها للحج، والمحرم هو الزوج أو من يحرم عليها على التأبيد. هذا الشرط مستمد من حديث النبي صلى الله عليه وسلم.

شروط صحة الحج والإجزاء

يشترط الإسلام لصحة الحج، ولا يصح من كافر أو مجنون، ويصح من الصبي والعبد لكن لا يُجزئهما عن حجة الإسلام.

حكم حج المرأة بدون محرم والنيابة في الحج

حج المرأة بدون محرم صحيح لكنها آثمة، والنيابة في الحج جائزة بعد حجة الإسلام، وتكون عن الميت أو الحي العاجز.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام موافق الدين أبو محمد بن قدامة رحمه الله تعالى في كتابه "عمدة الفقه" في كتاب الحج منه، وهو في صدد ذكر شروط الحج. وقد تقدم معنا في الدرس الماضي أن ذكر رحمه الله تعالى أن الحج والعمرة تجب مرة واحدة على المسلم العاقل البالغ الحر إذا استطاع إليه سبيلًا. ثم قال رحمه الله تعالى: "ويعتبر للمرأة وجود محرمها"، وهو زوجها، ومن تحرم عليه على التأبيد بنسب أو سبب مباح. قوله رحمه الله تعالى: "ويعتبر للمرأة وجود محرمها"، أي إلى جانب الشروط المتقدمة المذكورة، فإن المرأة لها أو عليها شرط زائد، وهو وجود المحرم، سواء كان زوجًا أو كان محرمًا من محارمها، وسواء كان ذلك المحرم بنسب أو سبب كأب أو أخ أو ولد وهكذا، أو بسبب كأن يكون مثلًا ابن الزوج، وما شابه ذلك من الأسباب التي تثبت بها المحرمية، ومنها كذلك الرضاع. هذا الشرط مأخوذ من قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، كما في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر إلا ومعها محرم". وهذا على الصحيح من أقوال العلماء رحمهم الله تعالى، أن المحرم بالنسبة للمرأة هو من جملة الاستطاعة، بمعنى أن المرأة إذا كانت ذات مال وكانت عندها قوة بدنية على السفر وأمنت الطريق، وليس معها ذو محرم، فإنها بهذا الاعتبار لا تكون مستطيعة، ولا يجب عليها الحج. قال رحمه الله تعالى: "ومن فرط حتى مات أخرج عنه من ماله حجة وعمرة". ومن فرط حتى مات، أي كان مستطيعًا قادرًا على الحج، ولكنه فرط حتى مات، أخرج عنه من ماله حجة وعمرة. ومعنى أخرج: مما تكون فيكون المال مال الحج والعمرة من الحقوق المتعلقة بعين التركة، فتقدم على القسمة على الورثة؛ لأنه حق تعلق بالذمة في حال الحياة، فتعلق بعين التركة كذلك بعد الوفاة. قال رحمه الله تعالى: "ولا يصح الحج من كافر ولا مجنون". لا يصح الحج من كافر ولا مجنون؛ لما تقدم من أن من شرطه الحج الإسلام، فإذا حج الكافر فإن حجه ليس بصحيح لانتفاء شرط الصحة وهو الإسلام. قال رحمه الله تعالى: "ويصح من الصبي والعبد ولا يُجزئهما". أي لا يُجزئهما عن حجة الإسلام؛ لما تقدم معنا في الدرس الماضي. فإذا حج الصبي فحجه صحيح، لكن لا يُجزئه عن حجة الإسلام. كذلك إذا حج العبد، فإن تلك الحجة لا تُجزئه عن حجة الإسلام؛ بمعنى أنه إذا أُعتق واستطاع على الحج وجب عليه أن يأتي بحجة الإسلام، وحجة الأولى في حالة الرق لا تُسقط عنه حجة الإسلام. قال رحمه الله تعالى: "ويصح من غير المستطيع والمرأة بغير محرم". المرأة إذا حجت من غير محرم، تقدم أن من شرط المرأة وجود المحرم، فلو أن امرأة حجت من غير محرم، ما حكم حجها؟ الجواب أن حجها صحيح. لذا قال: "ويصح من غير المستطيع والمرأة بغير محرم"، ويُجزئهما، أي يُجزئهما ذلك الحج، وإن كانت المرأة آثمة؛ لأنها مخالفة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر إلا مع ذي محرم". قال رحمه الله تعالى: "ومن حج عن غيره ولم يكن حج عن نفسه أو نذره أو نفله وفعله قبل حجة الإسلام وقع حجه عن فرض نفسه دون غيره". هذه المسألة يسميها الفقهاء النيابة في الحج. أولًا: هل تصح النيابة في الحج أم لا؟ الصحيح من أقوال العلماء أن الحج تدخله النيابة، وإن كان من العبادات. الدليل على هذا ما جاء في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن امرأة من جهينة قالت: "يا رسول الله، إن فريضة الحج على الله أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يستوي على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: نعم، حجي عن أبيك". ففي هذا الحديث دلالة على جواز النيابة في الحج، وفيه دلالة كذلك على أن المرأة لها أن تحج عن أبيها. ذهب الجماهير من فقهاء المذاهب رحمهم الله تعالى إلى أن الحج عن الغير لا يصح إلا بعد أن يحج ذلك الإنسان عن نفسه حجة الإسلام. فأما إذا لم يحج عن نفسه حجة الإسلام، فإن الحج عن غيره لا يصح. بقي أن ينبأ هنا على أمر وهو أن النيابة في الحج تكون عن الغير إذا كان الغير ذلك ميتًا على الإسلام، أو يكون حيا عاجزًا عجزًا لا يستطيع معه الحج أبدًا. أما إنسان يمرض أحيانًا ويرجى له الشفاء، فإن هذا ليس بعاجز. والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على