الدرس في كتاب الصيام 16، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
الاعتكاف هو لزوم المسجد لطاعة الله تعالى، وهو سنة عند جمهور العلماء. اختلف العلماء في شروط صحته.
يشترط للاعتكاف أن يكون في مسجد تقام فيه الجماعة، مع اختلاف حول جواز الاعتكاف في مساجد الطرق. يُفضل الاعتكاف في المساجد الثلاثة.
إذا نذر شخص الاعتكاف في مسجد معين، يُحمل النذر على معناه الشرعي أولًا. له أن يعتكف في أحد المساجد الثلاثة إذا نذر في غيرها.
تمت مناقشة مسائل الاعتكاف الهامة، وسيتم استكمال بقية المسائل في الدرس التالي. خُتم الدرس بالدعاء والتوكل على الله.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب الاعتكاف. قال: لزوم مسجد لطاعة الله تعالى، أي الاعتكاف هو لزوم مسجد لطاعة الله، يعني طاعة لله عز وجل، وليس لزومًا هكذا من غير نية، أنه يريد أن يلزم المسجد لأجل طاعة لله، ليس مثلًا لأجل أنه سينام أو أن له مصلحة أخرى في المسجد. وهذا يدل على أنه مطلق، لكن قيده كثير من أهل العلم بأن يكون بيوم أو ليلة، فقالوا: لا يكون إلا بيوم أو ليلة. وعند الشافعية، وأيضًا ظاهر مذهب الحنابلة أنه مطلق المكث، المكث، يعني كلما مكث في المسجد فهو اعتكاف إذا نواه، لكن لم يدل عليه دليل عن النبي عليه الصلاة والسلام أن كل دخول مسجد يسمى اعتكاف أو جلوسه في المسجد. لكن الاعتكاف الذي ثبت، أقل ما ثبت هو أنه يوم أو ليلة، مثل ما جاء في حديث عمر رضي الله عنه في البخاري: نذرت في الجاهلية أن أعتكف يومًا في سبيل الله، وفي رواية: ليلة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أوف بنذرك. قال: مسنون، أنه سنة لإجماع العلماء على أنه سنة، إلا أن بعض العلماء كرهه، أو قال: لم يثبت عن أحد، مثل ما قال مالك رحمه الله، لكنه سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولو لم يثبت عن السلف أو عن أحد من التابعين مثلًا، لكن قد جاء عن الزهري، وعن غيره، أو عن الزهري قال: عجبت للمسلمين، أو اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو ما ترك النبي صلى الله عليه وسلم الاعتكاف، وهم يتركونه، أو كما قال رحمه الله. فإذا ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وتركه مثلًا بعض السلف أو كذا، لا يدل على أنه لا يشرع، ولهذا ذكر العلماء الإجماع على سنته، أو على استحبابه. لكن اختلفوا، فقالوا: يصح بلا صوم، ويصح بلا صوم، لحديث عمر: نظرت أن أعتكف ليلة، وهو أيضًا صحيح في البخاري، فقال: ليلة، والليل لا يكون فيه صوم. وأما ما جاء في حديث عائشة: لا اعتكاف إلا بصوم، وهو حديث موقوف على عائشة رضي الله عنها، أي من كلامها، ليس عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال: ويلزمني بالنذر، يلزمني بالنذر، أي إذا اعتكف أو نذر أن يعتكف وهو صائم، يُقصد يلزم عن الصوم والاعتكاف معًا، إذا اعتكف أو نذر أن يعتكف ويصوم، فيلزمه الاعتكاف، وبصوم يلزمه الاعتكاف بصوم. قالوا: لا يصح إلا في مسجد يجمع فيه، إلا المرأة، ففي كل مسجد سوى مسجد بيتها. ولا يصح إلا في مسجد يجمع فيه، أن يصلى جماعة فيه، حتى لا يترك الجماعة، حتى لا يكرر الخروج، فلهذا أكثر أهل العلم على أن الاعتكاف لا يكون في المساجد التي على الطرق، لأنها لا تقام فيها الجماعة دائمًا، فلهذا يحتاجون للخروج، أو يحتاج المعتكف للخروج، وهذا ليس من مضمون هذا الاعتكاف أنه يخرج دائمًا. وقول الله عز وجل: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ يدل على المساجد، أي مسجد، لكن قيده العلماء بالجماعة، حتى لا يترك الجماعة، خاصة من يقول بأنها واجبة. قال: إلا واستثنى العلماء، إذا كان فبعض العلم جاء عن حذيفة، وجاء كذلك عن بعض السلف أنهم يقولون: إن الاعتكاف لا يكون إلا في المساجد الثلاثة: في المسجد الحرام، ومسجد النبوي، والمسجد الأقصى. ورجح ذلك الشيخ الألباني رحمه الله عليه، وألف في ذلك رسالة، واستدل بحذيفة: الاعتكاف إلا في ثلاثة مساجد. ورد العلماء على هذا الحديث أن الحديث ليس فيه صراحة أنه مرفوع إلى النبي عليه الصلاة والسلام. قال: إلا المرأة، ففي كل مسجد سوى مسجد بيتها، معنى المرأة يجوز لها؛ لأنها ليس عليها واجب الجماعة، وكذلك العبد، بعض من يضيف العبد أيضًا، فالمرأة لها أن تعتكف في أي مسجد، ولو في مسجد طريق. قال: سوى مسجد بيتها، مسجد بيتها، أي المكان الذي تصلي فيه دائمًا، المكان الذي تصلي فيه دائمًا يسمى مسجد، مسجد البيت. فهنا يقول: أنها لا تعتكف في مسجد بيتها، خلافًا للحنفية، الحنفية يرون جواز اعتكاف المرأة في مسجد بيتها، والجمهور يقولون: لا، لا يكون اعتكاف إلا في المساجد التي فيها صلاة الناس. وهذا الظاهر بإطلاق المساجد، وإن سمي هذا مسجدًا، إنما لأجل أنه يسجد فيه، وإلا ليس مسجدًا على المفهوم الشرعي. لأن الإطلاقات كما قد ذكرنا قبل، الإطلاقات إذا أطلقت شيء في الشرع، أولًا يحمل على معناه الشرعي، يحمل على معناه الشرعي، فإن لم يكن فعلى معناه العرفي، ثم اللغوي. قال: ومن نذره أو الصلاة في مسجد غير الثلاثة، وأفضلها طيب. ومن نذر، أو الصلاة في مسجد غير الثلاثة، أنا من نذر، يريد أنه عين مسجدًا بعينه، إذا عين مسجدًا بعينه، أنه نذر أن يصوم أو أن يعتكف فيه، يلزمه الاعتكاف فيه، لكن الأفضل إذا كان نذر في مسجد غير هذه الثلاثة، أو غير هذه الثلاثة المساجد المفضلة، فله أن يعتكف في المسجد المفضل، له أن يعتكف في المسجد المفضل، ما يلزمه أنه يعتكف في هذا المسجد الذي عينه. لما جاء في الصحيح أن رجلًا جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وقال: يا رسول الله، إني نذرت أن أعتكف في بيت المقدس، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: اعتكف هنا في هذا المسجد، فقال: يا رسول الله، إني نذرت أن أعتكف في المسجد الأقصى، فقال: اعتكف هنا، فرد أيضًا السؤال مرة ثالثة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: شأنك إذن، شأنك إذن. فدل على أنه إذا عين مسجدًا، فيجوز أن يكون في مسجد أفضل منه. ولم يأت فضيلة لمساجد إلا ثلاثة، يعني لم يصح فضيلة لمساجد معينة إلا لهذه الثلاثة، أقصد فضلت على المساجد الأخرى إلا هذه الثلاثة المساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجد النبوي. فلهذا في هذه الثلاثة المساجد هي فضلت على غيرها، فيجوز أن يعتكف في أحد هذه المساجد، ولو نذر غيرها. وإن نذر إلى بيت المقدس، يجوز أن يعتكف في البيت الحرام، والمسجد النبوي. ولو نذر مثلًا أن يعتكف في المسجد النبوي، يجوز أن يعتكف في المسجد الحرام. لهذا قال: وأفضلها الحرام، أي المسجد الكعبة، فمسجد المدينة، فالأقصى. لم يلزموا فيه، وإن عين الأفضل لم يجز فيما دونه، وعكسه بعكسه، يعني إذا نذر أن يعتكف في مسجد المدينة مثلًا، لا يجوز له أن يعتكف مثلًا في المسجد الذي في بلدي؛ لأنه نذر أن يعتكف في مسجد المدينة. أو نذر أن يعتكف في مسجد الكعبة، مسجد الحرام، أيضًا لا يجزئه أن يعتكف في المسجد النبوي، لكن العكس يجوز. طيب، هذه بعض المسائل، إن شاء الله تعالى، نكمل بقية المسائل في الدرس اللاحق. والله تعالى أعلم.