تنبيه البشر لمسائل وأحكام الحر

تنبيه البشر لمسائل وأحكام الحر

الخطبة بعنوان تنبيه البشر لمسائل وأحكام الحر، والتي كانت بمسجد السنة بدار الحديث بطيبة 19 ذو الحجة 1447هـ الموافق 5 يونيو 2026م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

الاعتبار بظواهر الكون والتغيرات المناخية

يُنبه الخطيب إلى أهمية الاعتبار بظواهر الكون والتغيرات المناخية مثل ارتفاع درجات الحرارة، ويبين أن هذه الظواهر تحمل حكمًا إلهية وتذكيرًا بعذاب جهنم ويوم القيامة.

أحكام شرعية في ظل التغيرات المناخية

يُناقش المقطع بعض الأحكام الشرعية المستفادة من ارتفاع درجات الحرارة، مثل أهمية التستر وعدم كشف العورات، والاعتناء بالتنظف والتطيب، وأحكام الصلاة في أوقات الحرارة الشديدة.

أحكام الصيام والصلاة وسقي الماء في الحر

يتحدث المقطع عن أحكام الصلاة في الحر، واستحباب صيام الأيام الحارة، ونعمة الماء البارد، وأهمية شكر الله عليها وإيصالها إلى الآخرين كصدقة جارية.

دعاء ختامي للمغفرة والصلاة على النبي

دعاء يطلب المغفرة للمسلمين والمسلمات الأحياء والأموات، ويجدد الصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، اعلموا حفظكم الله أن من صفات المؤمنين النجباء ومن صفات المسلمين العقلاء أنهم يعتبروا بكل ما يجري حولهم في الأكوان والأرجاء، إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب. وإن مما ينبغي على المسلم والمسلمة أن يعمل فكره وعقله فيما يحصل في هذه الظواهر الكونية، وخاصة ما نسمعه ونجده من ارتفاع درجات الحرارة إلى أرقام قياسية كما جاء ذلك في الأخبار والأرصاد المحلية والدولية، نسأل الله السلامة والعافية. فمن هنا على المرء المسلم أن يعتبر بمثل هذه الظواهر الكونية، وإن مما نعتبره جميعًا أن نعلم أولًا أن ما يجري في الكون إنما هو بيد الله جل وعلا، فلا يقع شيء إلا بأمره، فالكل تحت قهره وقوته وسلطانه جل في علاه. فهذه الشمس وهو الجرم السماوي الضخم الناري، فما يسير إلا بأمر من العلي القدير، قال سبحانه: ﴿والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم﴾، وأخبر عليه الصلاة والسلام عن ذهاب الشمس إلى غروبها، قال: «إنها تذهب فتخر تحت عرش الرحمن»، فالشمس ما هو إلا مخلوق مملوك مربوب لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، فاعتبروا يا أولي الأبصار. وثانيًا مما نعتبره من ارتفاع درجات الحرارة وشدة الحر أن ذلك لحكمة علمها من علمها وجهلها من جهلها، وينبغي أن نعلم أن في أفعال الله دائمًا وأبدًا حكمة، يقول علامة بن القيم رحمه الله مبينًا فضيلة الشمس وما يكون من حرارتها، إذ أنها بسببها يستكمل العباد في مصالح معايشهم ومكاسبهم. قال رحمه الله: «تأملوا أحوال هذه الشمس في انخفاضها وارتفاعها لإقامة الأزمنة والفصول وما فيها من مصالح وحكم، فلو كان صيفًا كله لفات مصالح الشتاء، ولو كان شتاءً كله لفات مصالح الصيف»، انتهى كلامه رحمه الله. وبهذا نعلم أن ما في من تغيرات لهذه الظواهر الكونية إنما أرادها الله منفعة للعباد، علم ذلك من علم، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. ومما نعتبره أيضًا من ارتفاع درجات الحرارة أن يكون فيه التذكير لنا بعذاب جهنم والعياذ بالله، ففي الصحيح قال عليه الصلاة والسلام: «اشتكت النار إلى ربها فقالت: يا رب يا رب أكل بعضي بعضًا، فأذن لي، فأذن الله لها بنفسين: بنفس في الشتاء فهو شد ما تجدونه من الزمهرير، ونفس جعله الله لها في الصيف فهو شر وأشد ما تجدونه من الحر»، ما تجدونه من الحر هو نفس من أنفاس جهنم. وقد قال عليه الصلاة والسلام: «إن شدة الحر من فيح جهنم»، إن شدة الحر من فيح جهنم، ولهذا يا عبد الله كلما رأيت أن الجو اشتد احترارًا وحرارة فتذكر جهنم، فاستعذ بالله جل وعلا من حرها. ومما نعتبره أيضًا من ارتفاع درجات الحرارة أن فيه التذكير لنا أيضًا بيوم عصيب، يوم أن يقوم الناس لرب العالمين، في ذلكم المشهد العظيم الرهيب، حين أن تدنو الشمس فوق رؤوس العباد على قدر ميل، فحينها يبتل الناس بعرقهم، وكل عرقه على قدر ذنبه، فمن الناس من يأتيه العرق إلى ركبته، ومن الناس من يأتيه العرق إلى وسطه، ومن الناس من يأتيه العرق إلى رأسه. وها نحن في هذه الدنيا أن الشمس تبعد عنا ملايين الأميال، ولازلنا نتخفى عنها بالظلال، ولكن ما سلمنا من حرها، فما ظنك يا عبد الله يوم القيامة أن تدنو الشمس فوق رؤوس العباد على قدر ميل؟ فهناك الاستضلال يا عبد الله لا يكون إلا بالأعمال، الاستضلال يكون بالأعمال. قال عليه الصلاة والسلام: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمع عليه وتفرق عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه»، هذه الأعمال يا عبد الله فاستكثر من هذه الظلال يوم القيامة. عباد الله، ومن العبر المستفاد من ارتفاع درجات الحرارة ما يعود علينا مباشرة إلى حياتنا الشخصية وإلى أحوالنا التعبُّدية في كيفية التعامل مع هذه الظاهرة، ومن ذلك ما ينبغي علينا من ضرورة التستر والابتعاد عن التكشف، إذ أن الحرارة مظنة لتخفيف الثياب طلبًا لبرودة الجو، لكن لا يكون ذلك على حساب كشف العورات. وقد صرح جماهير العلماء أن عورة الرجل من سرته إلى ركبته، فينبغي يا عبد الله الالتزام بهذا الأدب الذي استدل به العلماء لبعض ما جاء في السنة والأثر، الالتزام به في كل الأوقات وفي كل الأزمان والأماكن، سواء كنت في خارج البيت كمن يكون في البحر أو في المسبح أو في المنتزهات أو حتى من كان في بيته، لا بد أن يعتني بالتستر وعدم الكشف للعورات ولو كنت في بيتك عند أهلك وأفراد أسرتك وأولادك إلا من زوجتك. قال عليه الصلاة والسلام: «احفظ عورتك إلا من زوجتك أو مما ملكت يمينك»، فقال رجل: يا رسول الله أرأيت إن كان أحدنا خاليًا؟ قال عليه الصلاة والسلام: «فالله أحق أن يستحيى منه»، فاحرص يا عبد الله على ضرورة حفظ العورات. وأيضًا مما أذكره من المسائل الشخصية التي ينبغي أن نراعيها في مثل هذه الظاهرة الكونية من ارتفاع درجات الحرارة ما يكون من ضرورة الاعتناء بمسألة التنظف والتطيب، إذ أن هذا الموسم هو مظنة لأن يفرز الجسم العرق دومًا، وهذا بسببه يؤدي إلى خروج الروائح المنبعثة من الأجساد ومن الثياب. ولهذا كان ينبغي على كل مسلم في مثل هذه الأوقات أن يعتني بثوبه وأن يعتني ببدنه بالغسل والاغتسال، وخاصة إذا خرج مع الناس، وأخص ذلك إذا خرج إلى بيوت الله، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم. قل لهذا يا عبد الله إن استطعت على استخدام العطور والمزيلات والمطيبات فافعلها في مدخلك ومخرجك، فإن الله جميل يحب الجمال، ومن التنظف أيضًا الحرص على إزالة خصال الفطرة التي تكون في شعر الإبط وغيرها من الشعور، فإنها نظافة ونزاهة وجمال وزينة. ومما أحب أن أنوه عليه في باب التنظف أن من قام بالاغتسال بنية التبرد فإن هذا لا يجزئه عن الوضوء، فلابد أن يتوضأ قبله أو بعده إن أراد أن يصلي، أما إن كان اغتسالك من جنابة أو من حدث أكبر فإن هذا يجزئ عن الوضوء. أقول قولي هذا واستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي لرضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه. أما بعد، فلازلنا عباد الله وإياكم نستعرض أهم المسائل والأحكام والعبر والعظات التي يستفيدها أهل الإسلام بمثل هذه الظاهرة الكونية من ارتفاع درجات الحرارة. وأيضًا مما يضاف من الأحكام الشرعية ما يتعلق بأمر الصلاة، إذ أنه يجوز أن تؤخر الصلاة عن أول وقتها وذلك طلبًا لبرودة الجو، وإذا احتاج الناس إلى ذلك كمن يكون في البراري وفي الصحاري، قال عليه الصلاة والسلام: «إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة»، إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة. وأيضًا من أحكام الصلاة في هذا المقام أن الحر يا عبد الله لا تجعله ذريعة في أنك تخل بالزينة التي ينبغي أن يكون عليها المصلي، قال عليه الصلاة والسلام: «لا يصلي أحدكم في ثوب واحد ليس على عاتقه منه شيء»، وهذا كحال من لربما صلى لله وهو عاري الصدر وعاري الظهر، ليس على منكبيه شيء، فالنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن هذه الهيئة التي تكون في حق المصلي، وجمهور العلماء على الكراهة، ومنهم من صرح بالمنع. وأيضًا عباد الله من الأحكام الشرعية المتعلقة بالحر وبشدة ما يكون من مشروعية الصيام فيه، فلا شك أن الصوم فيه أصعب وفيه أثقل، لكن الأجر فيه أكبر وأكثر وأعظم، ولهذا كان السلف الصالح يتنافسون على هذا الميدان. فقد جاء في الصحيح أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم خرجوا في يوم شديد حره حتى أنهم كانوا يضعون أيديهم على رؤوسهم من شدة الحر، قال الراوي: وما كان فينا صائم إلا رسول الله وعبد الله بن رواحة، إلا رسول الله وعبد الله بن رواحة. وقال أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه: «صوموا يومًا شديدًا حره لحر يوم النشور»، صوموا يومًا شديدًا حره لحر يوم النشور، وهذا معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه ما تحسر عند احتضاره على فراق صوم الهواجر، وهو الصوم الذي يكون في الأيام الحارة، فهكذا كان السلف يتنافسون على صيام مثل هذه الأيام، فافعلها يا عبد الله إن استطعت لذلك سبيلًا. وهكذا أخيرًا عباد الله مما نذكره من المسائل والعبر المستفادة في مثل هذه الأوقات أن نستذكر نعمة الماء البارد، هذه النعمة والتي يظهر قدرها ويظهر فضلها في مثل هذه الأوقات وفي مثل هذه الأزمان، إذ أنها نعمة لا يعادلها أي نعمة أن تتناول ماءً باردًا. ولعظيم هذه النعمة فإن الله عز وجل سيسألنا عنها يوم القيامة، قال عليه الصلاة والسلام: «أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة من النعيم ألم أصحح لك بدنك وأسقيك من الماء البارد؟»، ألم أصحح لك بدنك وأرويك من الماء البارد؟ وخرج نبينا صلى الله عليه وسلم يومًا على أصحابه فتناول معهم رطبًا وشرب ماءً باردًا، وقال: «هذا والله هو النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة»، فيا عباد الله يا معاشر المسلمين احمدوا الله حمدًا كثيرًا طيبًا على توفر هذه المياه الباردة في كل آن وفي كل حين. وبمثل هذا نشكر الله عز وجل على توفر مثل هذه الأجهزة من المراوح والمكيفات ومن البردات والثلاجات والتي تيسرت لنا في مثل هذه الأوقات ما لم تتيسر لمن كان من قبلنا، فاحمد الله يا عبد الله، ولئن شكرتم لأزيدنكم. واعلموا عباد الله أن من تمام هذه النعمة أنك تحرص إن كنت من أهل الاستطاعة على إيصال هذا الخير وهذا الماء إلى غيرك، فإن إيصال المياه إلى الغير يعد من أعظم الطاعات ومن أجل القربات، قال عليه الصلاة والسلام: «أفضل الصدقة سقي الماء»، أفضل الصدقة سقي الماء. فما ظنك ونحن في مثل هذه الأزمان؟ ويدخل في سقي الماء ما يكون من تركيب البرادات أو توزيع القارورات أو تعبئة الخزانات أو إيصال الأنابيب المياه إلى البيوت والمناطق والحارات، كل ذلك يدخل في أفضل الصدقات، فأبشر يا عبد الله يا من تسلك هذا المقام. عباد الله، إن أحكام الحر وما يتعلق بشدته أحكامه كثيرة وطويلة ومتشعبة، لكن حسبي ما كانت فيه الإشارة والإشادة إلى أهم مسائلها، فعلينا عباد الله أن نزن هذا الموضوع بالميزان الشرعي. وإياك يا عبد الله أن تتوجه إلى الشمس أو إلى حرارتها وشدتها بما يكون من سب وشتم ولعن، فإن هذا لا يجوز، فما هذه الأجواء وما هذه الأكوان وما هذه الأقمار إلا خلق من خلق الله، إنما يعمل بأمره جل في علاه. وفي الحديث الصحيح قال: «الله يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر»، أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأل جل في علاه أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، يا مجيب الدعوات، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.