المحاضرة بعنوان البيان في أحكام أول ليلة من رمضان، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 30 شعبان 1444هـ الموافق 22 مارس 2023م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول المقطع مسائل متعلقة بأول ليلة من رمضان، حيث يبحث في حكم التهنئة بدخول الشهر الكريم وفضائل هذه الليلة المباركة. يرى بعض العلماء أن التهنئة بدخول رمضان جائزة أو مستحبة.
في أول ليلة من رمضان تسلسل الشياطين وتغل أبواب النار وتفتح أبواب الجنة، وينادي مناديا باغي الخير للإقبال على الطاعات. كما تشرع صلاة القيام في هذه الليلة ولا يتوقع أن تكون ليلة القدر.
ينبه الشيخ على أهمية قيام رمضان كاملا لتحصيل مغفرة الذنوب، ويجب على الجميع، رجالًا ونساءً، الحرص على أداء صلاة التراويح والقيام في رمضان لتحصيل الأجر والثواب.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، عباد الله، إخواني في الله، ونحن في هذه الأوقات ما هي إلا ساعات تفرقنا عن شهر الصيام، عن شهر رمضان، موسم من أعظم مواسم أهل الإسلام، بل هو زمن يعد من أشرف الزمان، شهر ميزه الله بالفضائل والأجور من بين الأيام والأسابيع والشهور. إخواني في الله، فإن مما يناسب ذكره أن نذكر بعض المسائل المتعلقة بأول ليلة من رمضان، وهي هذه الليلة، فمتى ما هلَّ علينا هلال رمضان إلا وتأتي لنا أحكام ومسائل من أولها. إخواني في الله، ما نجده من عامة الناس متى ما هلَّ عليهم رمضان بغروب شمس هذا اليوم إلا واشتعلت الرسائل والتبريكات من كل مكان هنا وهنا بالتهاني والتحايا بدخول شهر الصوم، ذاك يقول بالبركة، وذاك يقول مبارك عليكم الشهر، وذاك يقول جعله الله شهر بركة ويمن وإيمان ويمن، إلى غير ذلك من التعبيرات الدالة على فرح الناس بهذا الموسم. هل هذا فيه شيء؟ من العلماء من ذهب إلى أن ذلك من الأمور الجائزة، وأنها من العادات الجارية التي يُحمد عليها صاحبها لأنها مما يدل على فرحه بدين الله. ومن أهل العلم من يرى أن ذلك من الاستحباب، إذ أن ذلك مما أمر الله جل وعلا إليه وندب إليه، قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا، هو خير مما يجمعون. وقالوا إن للتهنئة في رمضان أصلًا، وما جاء في قوله عليه الصلاة والسلام، كما جاء في حديث أبي هريرة، وهو حسن بشواهده، أن النبي خرج على الناس قائلًا: يا أيها الناس، قد جاءكم شهر مبارك، شهر رمضان، افترض الله عليكم صيامه، الحديث. قالوا: ما هذا القول منه إلا كالمبشر والمهنئ لأصحابه، فاستفادوا على أن التبريكات والتهاني لحلول شهر الصيام من الأمور المستحبة. فالحاصل، إخواني في الله، على القول الأول أو على القول الثاني، كله يصب في مصب المشروعية، فهو مما يشرع. وعلى هذا فتاوى كبار العلماء، كسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، وهكذا ابن عثيمين، وهكذا الفوزان، وجماعات من علماء العصر، على جواز ذلك. هذا مما لربما يكون هذا وقتها في هذه الليلة الأولى من ليالي رمضان. ثانيًا، مما يذكر من مسائل أول ليلة من رمضان ما يتعلق بفضائل هذه الليلة المباركة الشريفة المنيفة لعظيم فضلها، فالله جل وعلا ميزها بالخير والبركة، فقد قال عليه الصلاة والسلام: إذا كانت أول ليلة من رمضان، سُفِّدت الشياطين ومردة الجن، وأغلقت النيران، فلا يفتح لها باب، وفتحت أبواب الجنة، فلا يغلق منها باب، ونادى منادٍ: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر. هذا متى؟ هذا في هذه الليلة، بإذن الله نؤمن بهذا، لا شك عندنا ولا ريب، المؤمن عنده عقيدة يعتقدها في خبر نبيه عليه الصلاة والسلام، ما عندنا أدنى شك ولا ريب في خبره وفي صدق ما قال. إذا كانت أول ليلة من رمضان، وهي هذه الليلة، سُفِّدت الشياطين، سُفِّدت بمعنى سُلسلت وغُلَّت وربطت، سُفِّدت الشياطين ومردة الجن، وأغلقت أبواب النيران، فما يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة، فما يغلق منها باب، ونادى منادٍ: يا باغي الخير أقبل، هذا موسمك، من كان من الأخيار الطيبين من المُقبلين على الطاعات من عباد الله الصالحين، هذا موسمك. إذا كنت تجد وتجتهد في سائر دهرك وفي كل عمرك، فما ظنك بهذا الموسم؟ أقبل، أقبل يا باغي الخير، أقصر يا باغي الشر، يا من أضعت عمرك في المعاصي والذنوب وفي الحرمات والجرائم والكبائر والموبقات، كفاك يا عبد الله عبثًا، وأنت في هذا الشهر أقصر، دع للجد محلًا إن كان هناك جد، هذا هو جده رمضان، شمّر يا عبد الله، ودع عنك إضاعة الأوقات، ودع عنك الملهيات وتسكع في الطرقات، ونهيك عن فعل الرذائل والمحرمات. يا باغي الشر، أقصر، كف هذا. إخواني في الله، قد يقول قائل: وهذا إشكال، نعم، يقذف في أذهان بعض الناس، يقول: إذا كانت الشياطين تسلسل، فماذا نقول في هذا الشر؟ هذا الشر لا زال كامنًا في المجتمع، نجد من أهل الخنا وأهل الزنى وأهل الربا وأهل الفجور وأهل المجون لا زالوا على طيشهم ولا زالوا على شيطانتهم. فكيف نقول إن الشياطين تربط؟ تربط، لكن ينبغي أن نعلم أن هذا الشر كامن، يكمن، من أين مصدره؟ إما من باقي الشياطين، لأن الحديث إنما ذكر المردة الكبراء العظماء الزعماء الرؤساء من الشياطين والجن، هؤلاء يصفدون، من يبقى يبقى الغلمان من الشياطين، يبقى الصغار، هؤلاء الذين يتلاعبون بنا في هذا الموسم، وهؤلاء مع صغرهم يفعلون بنا الأفاعيل، نسأل الله السلامة والعافية. هذا وجه، وجه آخر كذلك أن هناك مصادر للشرور ليست مختزلة في الشيطان، مثل الدنيا، هذا أمر آخر، الدنيا مغرية مفسدة على الإنسان، كذلك النفس الأمارة بالسوء التي بين جنوبنا تلعب بنا، ولهذا تبقى هناك مكامن للشرور، الإنسان يحتاج إلى بذل في كبحها وفي إمساك جماحها. زد على ذلك ما ذكره جماعة من العلماء: ما كان من فعل الشيطان قبل التصفيد في شعبان، شعبان زمن غفلة، شهر يغفل عنه الناس، قال علماء: إنما كان شهر غفلة لأن الشيطان قبل التصفيد في رمضان في هذه الليلة التي يحسب لها ألف حساب قد فعل بنا الأفاعيل، أنه خزن فينا الشهوات والملذات، ثم إذا صفد فالذي ترسب في قلوبنا وصدورنا هو الذي يمشي معنا من الشر. فالحاصل، فلا إشكال، إخواني في الله، في هذا الحديث. وبينما نواجه مسألة كذلك ثالثة وهي مهمة في هذا المقام في بيان مسائل أول ليلة من رمضان، وهي مسألة القيام، قيام الليل من العبادات الجليلة ومن العبادات العظيمة التي من خصائص رمضان أن تكون فيه، أي تؤدى جماعة باستمرار، هل يشرع أن تقام في أول ليلة من رمضان؟ الجواب: نعم تشرع. وإن كان بعض العلماء يلمح إلى وجود خلاف، لكن لا خلاف معتبر في هذا، فإن هذه الليلة الأولى من رمضان يشرع فيها القيام، ومما أعنيه بالقيام صلاة التراويح، فهي تصلى في المساجد من هذه الليلة. مسألة: هل من المتوقع أن تكون هذه الليلة موافقة لليلة القدر؟ الجواب: لا، ما يتوقع هذا. وإن نقل هذا عن بعض الناس، وإن نقل هذا عن بعض من ينتسب إلى الخير، لكن كما قال ابن عثيمين رحمه الله تعالى: ولم يقل أحد بقوله، ما هناك أحد قال بهذا أن أول ليلة تكون ليلة القدر، ما أحد قال بهذا، لأن النصوص الصريحة الواضحة البينة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه قال عن ليلة القدر: التمسوها في العشر الأواخر، التمسوها في العشر الأواخر، وخاصة ما يكون في أوتارها، هذا هو الصحيح. وأما هذه الليلة فلا يتوقع أن تكون موافقة لليلة القدر، لا في أوله ولا في وسطه، وإنما تكون في أواخر الشهر. مسألة أخيرة، إخواني في الله، أنبه عليها، وهي لابد أن تحتاج لتنبيه، متعلقة بهذه الليلة الأولى من رمضان في حق من أراد أن يصلي التراويح، ألا وهي قول النبي عليه الصلاة والسلام: من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه. من قام رمضان، من قام شهر رمضان، من قام شهر رمضان كاملًا، هكذا ينبغي أن يفهم الحديث، من قام شهر رمضان كاملًا غفر له ما تقدم من ذنبه، لأن فهم الحديث كما قال العلماء: أن فضل مغفرة الذنب في حق من قام التراويح وقيام الليل إنما منوط بشرط، ما هو شرطه؟ أن تقومه كله، بدءًا من هذه الليلة، من هذه الليلة. لذا من تحلف عن قيام الليل، عن صلاة التراويح، من غير عذر، بحيث ما استكمل القيام شهرًا كاملًا، يحرم من هذا الثواب. أعيد: من لم يستكمل قيام الليل من أوله إلى آخره، فإنه لن يدخل في هذا الثواب، لك ثواب آخر، قيام الليل له ثواب كثير وعظيم، لكن هذا أعظم، ثلاثين ليلة أو دون تسعة وعشرين، إن قمت تغفر ذنوبك جميعًا. هذا يحتاج منك إلى جد، جدك، احرص من أول ليلة إلى آخر ليلة، لا تنقطع. من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه. من خرج، خرج صاحب العذر، خرج صاحب العذر، رجل كان يقوم معنا ثم في الليالي تعب، جاءه مرض، سافر، ما استطاع أن يصلي، هذا عذره معه. ثم إذا رجع يستكمل، يدخل إن شاء الله في الأجر، لكن أما أن إنسانًا يصلي بعض الليالي، ثم يأتيه مشوار يمين أو كشتة عند أصحابه، أو يريد مباراة وقتها في الساعة الثامنة مع صلاة التراويح، يقدم هذا على هذا، ونحو ذلك، فأصبح صلاة التراويح فيها غياب، إذا كان هذا غياب، وكأن صح التعبير بلا عذر، قد أضعت على نفسك يا عبد الله فرصة العمر، فرصة العمر. وقد صرح بهذا العلامة ابن عثيمين رحمه الله: لابد من توفر شروط الاستمرار والاستدامة. فأنت يا عبد الله، من الآن، هذه أول ليلة من ليالي رمضان، احسب حسابك أنك بإذن الله ما تنقطع يوميًا. وهذا الحكم ليس في الرجال بل حتى النساء، المرأة إذا أرادت أن تدخل في هذا الأجر، الباب واسع، النساء شقائق الرجال. إذا أرادت المرأة أن تخلص على هذا الفضل أن يغفر لها الذنب بقيام رمضان، لها ذلك، لكن تصلي مع الناس، إما أن تصلي في بيتها إن أحبت ذلك، وصلاة المرأة في بيتها خير لها، أو أن تصلي في المسجد، فهذا كذا مما يشرع لها. أهلًا، المهم أن تصلي المرأة مثل الرجل، الكل يحاسب على أنه يحرص على صلاة التراويح والقيام والتهجد، أيًا كانت صلاته في الليل من بداية رمضان إلى الختام، إن وفق فليحمد الله على فضله وعلى إكرامه وعلى إعانته لما أدى إليه من نعمة الصحة والاستمرار. هذا، إخواني في الله، ما أحب أن أذكره في هذا المقام، ونحن إذا بساعات بإذن الله من حلول أول ليلة من ليالي رمضان، نسأل الله جل وعلا أن يطيل بنا الأعمار لحضور الشهر بكماله وتمامه، وأن يعيننا على ذكره وشكره وعلى صيامه وقيامه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.