المحاضرة بعنوان مراحل يوم القيامة، والتي كانت بمسجد أبو بكر بن شيخ بالشحر 8 جمادى الأول 1444هـ الموافق 2 ديسمبر 2022م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول المقطع مراحل ما بعد الموت، بداية من نزع الروح حتى الحياة في القبر، مشيرًا إلى أهمية الأعمال الصالحة في نجاتنا وتيسير هذه المراحل. الفرق بين حال المؤمن والكافر في هذه المراحل كبير ويتوقف على صلاح الأعمال.
يوم القيامة يبدأ بالنفخ في الصور، حيث يموت جميع الخلائق، ثم يبعثون بعد فترة من الزمن، ويحشرون إلى أرض المحشر. يوم القيامة طويل وشديد، وقد ورد في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يستعيذ من ضيق المقام يوم القيامة.
يوم القيامة يوم عظيم فيه أهوال كثيرة، يدنو فيه الشمس من رؤوس العباد، ويبتلى الناس بالعرق على قدر أعمالهم. يشهد عرض الأعمال على العباد، ويختلف الحساب باختلاف الأعمال، وتبرز شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام لمن يستحق.
يختلف الناس يوم القيامة في أحوالهم، فمنهم من يحاسب حسابًا يسيرًا ومنهم من يناقش في حسابه. بينما يدخل بعض الناس الجنة بغير حساب لتميزهم بأربع صفات: عدم الاسترقاء، وعدم التطير، وعدم الكي، والتوكل على الله.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، عباد الله إخواني في الله، فإننا نحمد الله جل في علاه أن يسر لنا مثل هذا اللقاء في بيت من بيوت الله نتدارس وإياكم ما ينفعنا في ديننا ودنيانا وأخرانا. وشكرنا بعد شكر الله جل في علاه لأهل هذا المسجد الذي دائمًا وأبدًا يُتيحون الفرص لإخوانهم من الدعاة إلى الله جل في علاه في إلقاء الكلمات والمحاضرات، وأخص بالذكر ما كان من أخينا الفاضل أبي أنور عمر بامعيبد حفظه الله تعالى ورعاه وسدد ربي على الخير قطاه، وهو من أحرص الناس على عمارة هذا المسجد بما يعود نفعه للقاصي والداني، وذلك بمثل هذه المحاضرات وبمثل هذه الكلمات، وهذا من أعظم ما تُعمَّر به بيوت الله، وجزاه الله خيرًا، وجزى الله كل من أسهم من أهل هذا المسجد من رواده ولجنته بمثل هذه الفرص التي تلوح لنا بين الفينة والأخرى. إخواني في الله، إن الإنسان في هذه الدنيا إذا انقضى عمره وانتهى أجله، وما من أحد إلا وستأتيه منيته، كل نفس ذائقة الموت، لا فرق في هذا الباب بين صغير ولا كبير، ولا عظيم ولا حقير، ولا غني ولا فقير، ولا فرق بين نبي ولا ولي ولا كافر شقي، إنك ميت وإنهم ميتون. فإذا كان الأمر كذلك، فإذا جاءت منيتك يا عبد الله، أنزل الله عز وجل وأرسل إليك ملك الموت ومعه أعوانه، فيجلسون منك مد البصر، لا يراهم أحد إلا أنت، ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾، فتتم مسألة نزع الأرواح. لكن حنانيك، ليست الأرواح كلها متساوية، بل هي مختلفة باختلاف أعمالها في هذه الدنيا. فقد جاء عند أبي داود من حديث البراء بن عازب، في أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزلت عليه ملائكة من السماء بيض الوجوه، معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة، فيجلسون منه مد البصر، الله أعلم بعددهم. ثم يأتي ملك الموت ويجلس عند رأسه، ويقول: «يا أيتها النفس المطمئنة أخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان»، فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء. فإذا قبضها وأخذها، لم يدعه الملائكة بل يجعلون الروح في هذا الكفن، ثم يصعدون بها إلى السماء. هذا المؤمن العبد الصالح، ثم أخبر عليه الصلاة والسلام أن العبد الكافر أو الفاجر المنبعث على الفجور، إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزلت عليه ملائكة من السماء سود الوجوه، يجلسون منه مد البصر، معهم كفن من النار وحنوط من النار. ثم ينزل ملك الموت ويقول مخاطبًا الروح الذي ستنزع: «يا أيتها النفس الخبيثة أخرجي إلى سخط من الله وغضب». فما إن تسمع الروح هذا التهديد وما ينتظرها من الوعيد، حتى تضطرب داخل الجسد، فتختبئ تهرب هنا وهنا وهنا، حتى لا تخرج. قال عليه الصلاة والسلام: «فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول»، والصفود هي الحديدة ذات الرأس المدببة. إخواني في الله، هذا في مرحلة قبض الأرواح، ثم تأتي المرحلة الثانية ما يكون في القبر، الذي ما منا من أحد من صغير ولا كبير إلا وسيلج به في تلكم الحفرة التي لا أنيس فيها ولا جليس، ما ينفعك إلا عملك، كما جاء في الصحيحين من حديث أنس: «يتبع الميت ثلاث، فيرجع اثنان ويبقى واحد، يتبعه ماله وأهله وعمله، فيرجع ماله وأهله ويبقى عمله». عملك الذي يبقى معك في قبرك، هذا الذي يبقى معك، الذي لأجله كرست الأعمار وأنفقت الأموال. وأخبر نبينا عليه الصلاة والسلام عن حال العمل الصالح مع الميت، وهكذا العمل السيئ، فكل له حظ من صاحبه. قال عليه الصلاة والسلام كما في حديث البراء: «أن الرجل المؤمن إذا كان في قبره، خرج إليه رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح، فيستغرب الميت وهو في قبره، يقول: من أنت؟ من أنت؟ فوجهك الذي يأتي بخير». فيقول: «أنا عملك الصالح، أنا عملك الصالح». فوالله ما علمتك إلا سريعًا في طاعة الله، بطيئًا عن معصيته، فجزاك الله خيرًا. فحينها تفتح له نافذة وهو في قبره، نافذة تطل على الجنة وعلى محله في الجنة، فيرى من قصورها ومن دورها ومن حورها، فينادي بأعلى صوته: «ربي أقم الساعة، ربي أقم الساعة». هذا الذي نفعه أعمالك، تجمع لك، تجمع، تجمع، بقدرة الله، فيجعلها على هذا الرجل، ألا ليبشرك أنت في أول مرحلة من مراحل الآخرة، أنا عملك الصالح. ومن صفته: ما علمتك إلا سريعًا في طاعة الله، في باب الطاعة، حي على الصلاة، سريعًا للصلاة، سريعًا لصلة الأرحام، سريعًا في بر الوالدين، سريعًا في الإحسان، سريعًا في طاعة الله، وفي كل مضمار. ثم أخبر عليه الصلاة والسلام عن حال الكافر أو الفاجر وهو في قبره، فخرج يخرج عليه رجل قبيح المنظر قبيح الثياب منتن الريح، فيقول الكافر والفاجر لهذا الغريب: من أنت؟ من أنت؟ فوجهك الذي يأتي بشر. فيقول: «أنا عملك السيئ، أنا ما لا بعيد عنك، ولست بغريب عنك، أنا أنت، أنا عملك». كل ما تفعله من العظائم والفواحش ومن الكبائر والزواجر، كل ما تفعله يشكل لك أمامك، أمام ناظريك. فيقول: «أنا عملك السيئ، فوالله ما علمتك إلا سريعًا في معصية الله، بطيئًا عن طاعته، فجزاك الله شرًا». فتفتح له نافذة وهو في قبره تطل على مقعده من النار، فيرى من سمومها وحرها وسقومها، فيقول بأعلى صوته: «ربي لا تقم الساعة، ربي لا تقم الساعة». هذا يا عبد الله تنبيه على ضرورة حصد الأعمال، ليس أي عمل، العمل الصالح. وإن كان من شيء تريده أن ينفعك بحق في قبرك، الله الله بأركان الإسلام. فقد جاء عند مصنف ابن أبي شيبة وعند عبد الرزاق، يحسنه جماعة من أهل العلم، كما في صحيح الترغيب والترهيب: «أن الرجل إذا وضع في قبره، تجعل الصلاة عند رأسه، إذا كان من أهل الصلاة، ويجعل الصيام عن يمينه، والزكاة عن يساره، وفعل الخيرات من الصدقة والمعروف والإحسان إلى الناس عند رجليه». قال: «فيؤتى أن يأتيه العذاب، عذاب القبر، فيأتيه العذاب من جهة رأسه، فتقول الصلاة: ما قبل مدخل، يعني بلسان الحال: تدخلون، يدخل العذاب على صاحبي، وهو مصلي، لا والله ما قبل مدخل». فيؤتى من قبل اليمين، فيقول الصيام: ما قبل مدخل. فيؤتى من قبل اليسار، فتقول الزكاة: ما قبل مدخل. فيؤتى من عند رجليه، فيقول فعل الخيرات من الصدقة والإحسان إلى الناس والمعروف: ما قبل مدخل. فيحمي، يحمى من العذاب، تكون في مأمن يا عبد الله. هذه الأعمال التي ينبغي أن تحرص عليها حتى تقيك وأنت في قبرك وأنت في برزخك. فلا يزال الأمر كذلك، تستمر الوفيات، الأجيال تلو الأجيال، تتعاقب الحضارات، الله أعلم متى المنتهى. ما نحن إلا جيل، وبعدنا أجيال، الله أعلم كم تمر على هذه الدنيا من السنوات والأحقاب. لكن إذا جاء الوقت المحدود واليوم الموعود، وأذن الله بقيام الساعة، حينها يأمر ربنا بالنفخ في الصور، فإذا نفخ في الصور، صعق كل من في السماوات والأرض. وهذه النفخة الأولى هي التي يعبر عنها بنفخة الفزع وبنفخة الصعق، بنفخة الفزع باعتبار أولها، أول ما تظهر هذه النفخة، يصاب الناس بذعر شديد، ما ينتهي هذا الذعر إلا بصعق بموت، فهي نفخة الفزع لابتدائها، وهي بنفسها نفخة الصعق باعتبار نهايتها، كل من يسمعها يفزع، ثم يصعق. فحينها تموت الخلائق، فلا يبقى أحد، لا من الكائنات ولا من الموجودات، لا يبقى أحد من الكائنات، لا إنس ولا جان، كل من عليها فان، ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾. فحينها يقول الملك الديان جل في علاه: «لمن الملك اليوم؟ لمن الملك اليوم؟» فلا يجيب أحد؛ لأنه ما بقي أحد، فيجيب نفسه العليا لنفسه الشريف المقدسة: «لله الواحد القهار»، ما هناك ملك، لا للجبابرة ولا للطواغيت، لا لنمرود ولا لهامان ولا لفرعون، الملك الحقيقي لله جل في علاه، الملك ملكه والكون كونه والخلق عبيده جل في علاه. فحينها إخواني في الله، تباد كل من على الأرض إلا من شاء الله. ثم بعد ذلك تأتي النفخة الثانية، وإن مما يذكر في هذا المقام أن نعلم أن ما بين النفختين مقدار أربعين، كما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما بين النفختين أربعون»، إلا أن أبا هريرة أبا التحديد، قيل له يومًا: قال أربعين؟ قال: أربعين يومًا؟ قيل: شهرًا؟ قال: أربعين سنة، قال: أربعين. وقبل أن تأتي النفخة الثانية، الأجساد قد تآكلت بعد النفخة الأولى، إذا صعق الكائنات، من في القبر في قبره، ومن كان على سطح الأرض. لأن النفخة تأتي، وهناك أناس على سطح الأرض، فيبادون وهم على وجهها، هؤلاء وهؤلاء تتآكل الأجساد، ما يبقى شيء من أجسادهم، إلا من كتب الله لجسده البقاء، كالأنبياء، فإن الله جل وعلا حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء. فإذا تآكلت الأجساد، يرسل ربنا جل وعلا ماء من السماء، ماء من السماء، ووظيفة هذا الماء أن به ينمو الإنسان، كما قلنا الإنسان يتآكل، ما يبقى منه شيء، ما يبقى منه إلا عجب الذنب، كما جاء في الصحيح: عجب الذنب، هذا العظم الصغير النتي في آخر العمود الفقري، هذا الذي يبقى، هذا الذي يبقى. فتأتي السماء بماء، جاء خارج الصحيح: «أن هذا الماء شبيه بمني الرجال»، يحسنه جماعة من أهل العلم. فإذا لاقى المطر وأصاب هذا العظم الصغير النتي، فالإنسان ينمو، كما جاء في الصحيح: ينمو كما ينبت البقل، يقبر، يقبر، يقبر، حتى يعود الإنسان بشرًا سويا، يتهيأ حينها تأتي النفخة الثانية، وهي نفخة البعث، ووظيفتها أن تعاد الأرواح إلى الأجساد، وظيفتها إعادة الأرواح إلى الأجساد. فيبعث الله جل وعلا كل الخلائق، من كان في قبره يخرج من قبره، ومن كان على سطح الأرض، ظهر وقام، وقالوا: «يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا، هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون». فيقوم الناس من قبورهم، وهم على هذا الوصف، حفاة لا نعال لهم، عراة لا ثياب عليهم، غرلا غير مختونين، القطعة قطعة الجلد التي أخذت منك عبد الله عند ختانك تعاد، تعاد. قال العلماء: والحكمة في ذلك أن تعاد هذه القلفة تعاد إلى الإنسان، قالوا: لأن هذا اليوم هو يوم العدل، هو يوم العدل، فهذا الإنسان إذا عذب، إذا عذب، فإنه يعذب بكل عضو من أعضائه، وبالمقابل إذا نعم، فإن كل عضو من أعضائه ينعم، ومنها هذه الجلدة تعاد إليه، فاليوم لا ظلم، لا ظلم عند الله جل في علاه. فيقوم الإنسان كاملًا سويا عند ربه سبحانه وتعالى، بعد أن يتم النفخ في الصور النفخ الثانية. فإذا قام الناس من قبورهم، وهم يختلفون في قيامهم، فمنهم من يتخبط في قيامه، كآكل الربا، الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس، الذي يأكل الربا في هذه الدنيا إذا قام يوم القيامة في ساحة الحشر، تراك السكران، يتخبط في مشيه. قال العلماء: والحكمة في ذلك أنه في الدنيا عندما خبط في ماله، أخذ من حله ومن حرامه، من الربا ومن غير الربا، خبط في الأموال، فكان الجزاء من جنس عمله، أنه إذا قام يوم القيامة يتخبط، يتخبط. فإذا قام الناس من قبورهم، حينها يسمعون الداعي، والداعي هو نداء ينادي كل الخلائق، يأمرهم بالتوجه إلى أرض المحشر، يوم إذن يتبعون الداعي لا عوج له، الكل يسيرون إلى مكان الداعي، وأين مكان الداعي؟ إلى أرض الحشر، إلى أرض الحشر، أرض أرض الحشر. وفيها أرض يمهدها الله ويجعلها الله عز وجل ممهدة في استقبال كافة خلق الله، من لدن آدم عليه السلام إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، يحشرون جميعًا في أرض المحشر، ليس فقط في بني آدم، وكذلك الخلائق، الكل يحشر، ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾. وهذه الأرض المكان المعد يأمر ربنا جل وعلا بأن يمتد، ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ﴾، كما ذكر المفسرون عند هذه الآية: بأن الله يأمر الأرض بأن تمد مدًا، فتتسع وتتسع وتتسع، حتى تكون مهيئة لاستقبال كل الخلائق. فإذا اجتمع الناس، يا عبد الله، حينها تأتي هول من أهوال القيامة، ألا وهو القيام، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، هذا القيام يا عبد الله، لا تظن أنه يستمر ساعات أو أيام، بل إن هذا المقام يطول، حتى ليستمر السنوات، قيل: عشرات السنوات، وقيل: مئات السنين، وقيل: آلاف السنين، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، مقام طويل، لا يعلم بعظمته ولا بطوله إلا الله جل في علاه. وقد جاء عند أبي داود من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعيذ من ضيق المقام يوم القيامة»، يستعيذ من ضيق المقام يوم القيامة، وذلك لشدة ازدحام الخلائق في هذا المقام. يا عبد الله، الناس في هول، الناس في خوف، يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى، في هذا اليوم تشخص فيه الأبصار، وتحدق فيه العيون، الكل ينظر إلى الأعلى، لا يدري ما الذي صار وما الذي سيصير، الخوف والوجل والرعب والذعر والفزع هو الذي يكون كاسحًا في ساحة المحشر. لا أحد يدري ما الذي سيفعل به في هذا المقام الطويل من الأمور الذي تقع فيه، دنو الشمس، نزول الشمس، حتى تكون فوق رؤوس العباد، كما جاء ذلك في الصحيحين. في هذا المقام تدنو وتنزل، فحينها الناس يبتلون بالعرق، لكن كل عرقه على قدر ذنبه، كما جاء في حديث المقداد بن الأسود: قال عليه الصلاة والسلام: «والناس بقدر أعمالهم في العرق»، الأعمال ستأتي معك عبد الله في كل مرحلة من مراحل القيامة. والناس كما قال عليه الصلاة والسلام: «بقدر أعمالهم في العرق»، تبتل بالعرق، عرقك لا على قوة الشمس، على قوة عملك، فإن كان لك من الأعمال السيئة الشيء الكثير، فإنك تزداد غرقًا في العرق. فأشد الناس عرقًا أهل الكفر، ثم أهل الكبائر، ثم من دونهم. فمن الناس من يأتيه العرق إلى قدمه، ومن الناس من يأتيه العرق إلى ركبته، ومن الناس من يأتيه العرق إلى وسطه، ومن الناس من يلجم ببحر من العرق، الناس في هم، الناس في غم، لكن كل الناس على هذا الجواب، لا، إذا كان هؤلاء إنما غرقوا بعرقهم على قدر أعمالهم السيئة، فالعكس بالعكس، من كانت له أعمال صالحة، انتفع بها في هذا المقام. قال عليه الصلاة والسلام: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله»، يوم لا ظل إلا ظله، يجعل ربنا جل وعلا ظلًا عظيمًا، لا يعلم به إلا الله جل في علاه، أضيف إليه تشريفًا وتكريمًا في هذا الظل يستظل به في آمن من الناس، سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: «إمام عادل، وشاب نشأ في طاعة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه»، أعمال صالحات، نفعت في هذا اليوم العصيب، يوم أن تدنو الشمس على رؤوس العباد. هي يا عبد الله لك الظل من الآن، بأن تتبع هذه الأعمال التي ستستظل بها يوم القيامة، يوم لا ظل إلا ظله جل في علاه. ومما يقع في هذا اليوم، وفي هذا الموقف، عند القيام، أن يبرز الحوض المورود، أن يبرز الحوض المورود، نعم، اختلف العلماء في محل الحوض، وهو حوض نبينا عليه الصلاة والسلام، وممن يرى ما ذهب إليه جماعة من العلماء: أنه في هذا الآن، وفي هذا المكان والزمان، يبرز الحوض، عندما يشتد الضمأ على الناس، فحينها يأتي هذا الحوض، حوض نبينا عليه الصلاة والسلام، حوضه أبيض من اللبن، وأحلى من العسل، كما جاء في مسلم من حديث أبي ذر: «له آنية، له آنية، يشرب بها، آنيته كعدد نجوم السماء»، كعدد نجوم السماء، ترد عليه الأمة والأمم جميعًا، يصد عنه الكافر والمنافق، كما جاء في مسلم: «يرد علي الحوض من أمتي»، أي من كان من أمة الاستجابة، أما من لم يكن من أمته من الكفار وأهل النفاق، يمنعون. وأسعد الناس أسعد الناس شربًا من هذا الحوض، من كان من أهل الاتباع، من كان من أهل الاتباع. قال عليه الصلاة والسلام كما جاء في صحيح مسلم: «ألا ليُذَادَنَّ أقوامٌ عن حوضي، فأقول: أمتي، أمتي، أمتي، أمتي، فيقال لي: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، إنهم غيروا وبدلوا»، قال: «فأقول: سحقًا سحقًا سحقًا لمن بدل وغير». نزل العلماء هذه العبارات من رسول الله عليه الصلاة والسلام، إما أن تحمل على المرتدين من غير أمة محمد، أو على أهل النفاق، أو على من كان من أهل البدع والأهواء من غير أمة محمد، وبدل في سنته عليه الصلاة والسلام. فأرجى الناس ممن يشرب من حوضه، من كان على هديه وسنته. وهذا الحوض يا عبد الله، من صفته: لا تذهب الأذهان إلى صغر حجمه، لا، طوله مسيرة شهر، وعرضه مسيرة شهر، فما ظنك بمساحته؟ لا يعلم بها إلا الله. وهذا الحوض يا عبد الله، إذا بُرز عند المقام، فإن يسر الله لك أن تشرب منه، فاعلم أن هذا أول أمان لك، أول أمان، أول أمان، أول أمان، به تأمن بما سيأتيك من أهوال القيامة. قال عليه الصلاة والسلام: «من شرب منه لم يظمأ بعدها أبدًا»، ما يعتريك ضمأ، ولا تشعر بعطش، كما جاء ذلك في الصحيحين، وعند ابن حبان: «من شرب منه لم يسود وجهه أبدًا»، ما هناك من قرح في باطنك، لا ضمأ ولا عطش، ولا من قرح في ظاهرك، لسوداد لوجهك، لسوداد لوجهك. هذا إن وفقت يا عبد الله بالشرب من الحوض، ثم بعد ذلك يرجع الناس إلى المقام، ويستمر بهم المقام إلى أن يشاء الله جل في علاه. فإذا طال المقام، فتعبت الأجساد، وكلت الأقدام، فحينها يطلبون، يطلبون أن الله جل وعلا يعجل بفصل القضاء، فتتهامس الأمم والشعوب على البحث على من الذي يستطيع من خلاله أن يوصل طلبهم إلى الله: بأن الله يفصل القضاء عنا، فما هناك إلا الأنبياء والرسل. فيذهبون إلى آدم، وإلى نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، يطلبون منهم، تجتمع الأمم والخلائق، يأتون إلى الأنبياء والرسل، في أنهم يسألون الله جل وعلا فصل القضاء، إلا أن كل واحد منهم ينأى بنفسه، ويقول: «اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى غيري»، فإن الله قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب مثله قبله ولا بعده، حتى ينتهي الأمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقول: «أنا لها، أنا لها»، ثم يذهب نبينا عليه الصلاة والسلام، فيخر تحت عرش الرحمن، فيسجد لله سجودًا طويلًا، فيحمد الله، ويفتح الله عليه من المحامد، فلا زال يثني على ربه، ويشكر ربه، ويطلب من ربه عز وجل، حتى يقول الله له: «يا محمد، ارفع رأسك، وسل تعطى، واشفع تشفع». فحينها يطلب نبينا من ربه في فصل القضاء بين العباد، فحينها يأذن ربنا جل وعلا إلى فصل القضاء بين خلقه، وهذا هو المقام المحمود، عسى أن يبعثك ربك مقامًا محمودًا، الشفاعة العظمى، الشفاعة الكبرى، والتي اتفقت عليها الأمة جميعًا أنها تقول وتصير إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام. فحينها يبدأ الحساب، وفصل القضاء، وأول ما يكون من مراحل القيامة في فصل القضاء: عرض الأعمال على العباد، كما قال سبحانه: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾، وقال عليه الصلاة والسلام: «ما منكم من أحد إلا وسيكلمه ربه، ليس بينه وبينه ترجمان»، وقال عليه الصلاة والسلام: «لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أثنى، عن شبابه فيما أبلاه، وعن علمه ماذا عمل به، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه»، هذا مما يكون من العرض، حين يعرض العباد على الله جل في علاه. ألا فاعلموا عباد الله أن عرض العباد على الله يتفاوت بما يكون من تفاوتهم من أعمال، فالحساب يختلف، فمن حساب الله للعباد ما يكون عبارة عن عرض، والعرض هو: تجد أن الله عز وجل إذا حاسب العبد يقرره بذنوبه: «فعلت كذا وفعلت كذا»، والعبد لا يزيد عن كونه يقر: «فعلت يا رب، فعلت يا رب»، هذا العبد إذا وجد أن حسابه عند الله عبارة عن عرضه لأعماله، فليبشر بخير، فليبشر بخير؛ لأن نهاية هذا العرض أن يختم بالمغفرة. فما زال العبد يقر على نفسه بما فعل وبما اقترف، فالله جل وعلا يقول له يوم القيامة: «قد سترتها عليك في الدنيا، وأغفرها لك اليوم، وأغفرها لك اليوم»، وهذا هو الحساب اليسير، ولهذا كان من دعائه عليه الصلاة والسلام: «اللهم حاسبني حسابًا يسيرًا»، وهو أن يكون الحساب عبارة عن عرض للأعمال، وأنت تقر. الحساب الثاني: وهو إذا وجد العبد أنه في حساب عسير عند ربه، فتح له مقام النقاش والجدال، يجادل على كل عمل يذكر له: «أنا ما فعلت، أنا كذا»، إذا وجد نفسه أن المجال قد فتح له في استرجاع القول، في الإنكار، فليعلم أنه هالك، هالك. قال عليه الصلاة والسلام: «من نوقش الحساب عذب، من نوقش الحساب عذب»، هذا هو العذاب والهلاك. إذن عندي عرض، وعندي نقاش، وهناك صنف ثالث من الناس، وهم لا هذا ولا ذاك، إذن كيف مصيرهم؟ كيف حسابهم؟ هؤلاء لا يحاسبون، لا يحاسبون. قال عليه الصلاة والسلام: «يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا من غير حساب ولا عذاب»، صنف يمشي يوم القيامة مباشرة إلى الجنة، مباشرة إلى الجنة، لا يحاسب، لا يحاسبون، حتى على تفسير بعض العلماء: حتى أنهم لا يحاسبون حتى في قبورهم، لعظم شأنهم وعلو مقدرتهم ورتبتهم. تميزوا بأربع صفات: «هم الذين لا يستركون، ولا يتطيرون، ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون». الخلص من عباد الله في مقام التوحيد، لم يلتفتوا إلى الأسباب، بإمكانه أن يسأل الرقية، بإمكانه: «يا فلان ارقي لي»، بإمكانه، لكن ترك، وعلق قلبه بالله، ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾، ما علق قلبه بأحد إلا بربه، ولا يتطيرون، ما يتشاءم، ما يتشاءم بشهر الصفر، ولا يتشاءم بيوم الأربعاء، ولا يتشاءم في الصباح إذا رأى أعمى أو أعرج، ولا يتشاءم إذا سمع غرابًا أو سمع بومة، ما يتشاءم، ما يتشاءمون، يعلمون أن الأقدار بيد الله، ولا يتشاءمون. بإمكانه الكي، لكن يترك الكي، يبقي جسمه كما أمره الله، مع أن الكي جائز، لكن يترك السبب لله، وعلى ربهم يتوكلون، هؤلاء يدخلون الجنة يوم القيامة من غير حساب. بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد، في هذه المحاضرة إخواني في الله، لعل من كان معكم في بدئها يعلم أننا في ذكر مراحل يوم القيامة، وهذا اليوم هو قادم لا محالة، بدءًا بنزع الأرواح من الأجساد، ثم ما يكون من مرحلة البرزخ والمكث في القبور، إلى أن تأتي النفخة الأولى فيصعق من في السماء ومن في الأرض. ثم النفخة الثانية، فإذا هم قيام ينظرون، ثم بعد ذلك حشر الناس إلى أرض المحشر، وما يكون من القيام الطويل، ومن دنو الشمس فوق رؤوس العباد، ومن بروز الحوض المورود، ثم ما يكون من أمر الشفاعة، وبعد ذلك يأذن ربنا جل وعلا بشفاعة نبينا عليه الصلاة والسلام بفصل القضاء، بدءًا بعرض الأعمال على الله. ثم بعد ذلك يكون تطاير الصحف ونشر الدواوين، تطاير الصحف ونشر الدواوين، فمنهم آخذ كتابه بالشمال، ومنهم آخذ كتابه باليمين، ومرحلة تطاير الصحف وأخذها، إنما هي لقطع الحجة على الإنسان، بعد أن عُرِضَت عليه الأعمال، هنا يرى أعماله بنفسه: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾، راجع هذه أعمالك كلها. ومن أعجوبة هذا الكتاب: أن كل شيء، كل شيء، كل بما تحمله من عموم، ستجده قد سطر، حتى تتمالك العجب، أهل الخلق والبشر: «ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها»، ووجدوا ما عملوا حاضرًا، ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾، كل شيء تقطع الحجة، حتى لا تظن أن أحدًا قد أدخل عليك بما ليس منك: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ﴾. وإن أخذ الكتب إخواني في الله، تختلف باختلاف أصحابها، باختلاف أصحابها، فمن كان من أهل الإيمان، فالله جل وعلا لا يميزه عند تطاير الصحف أن يأخذ كتابه بيمينه من أمامه، بيمينه من أمامه، هذا أهل الإيمان وأهل التقى والسعادة، وهذا الذي يفرح فرحًا عظيمًا، ويقول: «ها أنا اقرأ كتابي، إني ظننت أني ملاق حسابي»، فهو في عيشة راضية. يفرح فقط عند الاستلام؛ لأن استلامه الكتاب بيمينه من أمامه دلالة على فوزه ونجاحه. وأما الصنف الثاني، من كان من أهل الكفر وأهل النفاق، فيكون أخذ الكتب بالشمال، ويكون أخذ الكتب خلف الظهر، يرى العلماء أن هاتين الصفتين هي صفة واحدة، صفة واحدة. كيف؟ قالوا: يكون هذا الآخذ يأخذ كتابه بشمال خلف ظهره، بخلاف المؤمن من أمامه عن يمينه. وهذا الذي يأخذ كتابه بشمال خلف ظهره على صورتين اثنتين: إما أن اليد تكسر، نسأل الله السلامة والعافية، تكسر وتلوى لى غصبًا عنه، فيرى أن الكتاب يتنزل عليه بهذه الصورة، نسأل الله السلامة والعافية. أو أن اليد اليسرى تخلع، ثم تزرع خلف ظهره، والله قادر على هذا، تنزع، تخلع، ثم توضع خلف ظهره، فيأخذ كتابه خلف ظهره بشماله، وهذا هم أهل الشقاء، فنسأل الله جل وعلا أن يمكننا من أخذ كتبنا بأيماننا من أمامنا. فإذا أخذ الكتاب، كل يقرأ بما فيه، وإذا أردت يا عبد الله من الآن أن تمعن ناظريك بعمل فاضل ينفعك عند قراءتك لصحيفة أعمالك، أكثر من الاستغفار. قال عليه الصلاة والسلام: «طوبى لمن وجد في صحيفته استغفارًا كثيرًا»، طوبى مدح، ثناء، لمن وجد في صحيفته استغفارًا كثيرًا، هذا مما يؤهلك ويبشرك من أن تفرح فرحًا عظيمًا بصحيفته. أكثر من الاستغفار، استغفار الله في ممشاك، في مدخلك، في مخرجك، في مضجعك، في بيتك، في منزلك، في مدرستك