الدرس في كتاب الأطعمة 4، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يشرح هذا المحور قاعدة إباحة المحرمات للضرورة بإجماع العلماء مع تفصيل الخلاف في مقدار الأكل المسموح به، وينتقل إلى جواز التزود من المحرمات للمضطر ومسألة الأكل من بستان الغير والفرق بين الضرورة والحاجة عند الجمهور والإمام أحمد مستدلاً بالأحاديث الواردة في شروط الإباحة.
يبين المحور خلاف العلماء في جواز الأكل والشرب من ملك الغير للحاجة مع الاستئذان، ويرجح تقديم طعام الغير على الميتة عند الاضطرار، كما يستعرض سنة لعق الأصابع والصحفة بعد الأكل وينقل ذم من يستقبح ذلك بدعوى الترف.
يستعرض المحور آداب الأكل النبوية مثل لعق الأصابع والصحفة لطلب البركة، وحكم التسمية قبل الأكل، والأكل باليمين ومن جهة واحدة، والجلوس أثناء الأكل، والحمد بعد الفراغ، مبيناً أن هذه الآداب تحمل مصالح دينية ودنيوية وتكمل مكارم الأخلاق.
يتناول المحور ثلاثة آداب مهمة: النهي عن الأكل متكئاً اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم، والتحذير من الإسراف في الطعام لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾، وآداب عدم عيب الطعام مهما كان نوعه كما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم مع أمثلة عملية.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فمر معنا في الدرس الماضي الكلام حول بعض القواعد والأصول المتعلقة بكتاب الأطعمة، وآخر ما مضى معنا الكلام حول مسألة مهمة، ألا وهي إباحة كل ما حرم عند الاضطرار. وذكرنا ما نقله الإمام ابن قدامة المقدسي رحمه الله تعالى إذ يقول: «أجمع العلماء على تحريم الميتة حال الاختيار، وعلى إباحة الأكل منها في الاضطرار، وكذلك سائر المحرمات؛ أي عند الاختيار فيحرم أكلها، وعند الاضطرار يحل ويباح أكلها». قال: والأصل في هذا قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. أي: في حال الاختيار حرم عليكم، والآن في حال الاضطرار قال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، أي: غفور له ورحيم به، فلا يعاقبه على ما فعل. وذكرنا أيضًا فيما نقله الإمام ابن قدامة أنه يباح بالإجماع أن يأكل ما يسد الرمق ويأمن معه الموت، يعني ما تزول به الضرورة ويزول الخطر، فهذا تناوله جائز مباح بإجماع العلماء. وما زاد على الشبع فهذا يحرم بالإجماع. واختلفوا: هل يجوز له أن يأكل حتى يشبع أو لا يجوز له ذلك؟ قال ابن قدامة: «وفي الشبع روايتان، أظهرهما لا يباح»، أي: فقط يأكل ما يدفع به الضرر ويزول به الخطر. أما الزيادة على ذلك حتى يصل إلى حد الإشباع، قال: لا يباح. قال: وهو قول أبي حنيفة، وإحدى الروايتين عن مالك، وأحد القولين للشافعي، رحم الله الجميع. وذهب بعضهم إلى أنه يباح له أن يأكل حتى يشبع، قال: لأنه إذا أخذ ما يسد الرمق فقط، فإن الضرر والضرورة سرعان ما ستعاوده، وهكذا أيضًا يجد المشقة عن قرب، ممكن بعد ساعات تعود الضرورة مرة أخرى، خلاف ما لو أكل حتى شبع، فعندها ممكن يستمر معه هذا الطعام مدة أطول ووقت أكثر. لكن الأقرب والله تعالى أعلم هو ما ذكره ابن قدامة آنفًا: أنه لا يباح أن يأكل إلا بقدر الضرورة، أما الزيادة حتى يصل إلى الشبع فهذا لا يجوز. فالضرورات يا إخوان إنما تقدر بقدرها. وذكروا مسألة أخرى تتبع هذه، ألا وهو أنه يجوز التزود من الميتة أو غيرها من المحرمات، يجوز بعد أن يأكل ما يدفع الضرورة يأخذ معه من الميتة، أو يأخذ معه بعض الأطعمة التي سبق معنا تحريمها، يتزود بها. فإذا وجد غيرها تركها، وإذا لم يجد إلا هذه وكان حاله حال المضطر، فيجوز أن يأكل منها للضرورة مرة أخرى. وقد نص العلماء على هذا على أنه يجوز أن يتزود، يجوز للمضطر أن يتزود. وذكر العلماء أيضًا من مسائل الاضطرار: مسألة الأكل من بستان الغير. الآن هو مضطر لا يجد ما يأكل، طيب وجد بستانًا لكنه يملكه شخص، فهل بسبب الضرورة يجوز له أن يأكل منه؟ فالجمهور من أهل العلم على عدم جوازه إلا للضرورة، قالوا: مثله مثل الميتة ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾. وأجازه الإمام أحمد رحمه الله تعالى للحاجة، قال: إذا احتاج له أن يأكل من بستان الغير ولو بغير إذنه. طيب، ما هو الفارق بين الضرورة والحاجة؟ الجمهور يقولون: لا يجوز أن يأكل إلا للضرورة. الإمام أحمد رحمه الله تعالى قال: يجوز ولو للحاجة. نعم، يعني يشعر بجوع لكن هذا الجوع جوع معتاد، لم يصل إلى حد الضرورة وخوف الهلاك والموت. طيب، والضرورة؟ نعم، الضرورة التي إذا لم يأكل فإنه قد يموت، فإنه يهلك، يموت. وجاء في هذا حديث عبد الله بن عمرو بن العاص في مسند أحمد وغيره، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «مَنْ أَصَابَ غَبِيَّةً مِنْ ذِي حَاجَةٍ غَيْرَ مُتَّخِذٍ خِبْنَةٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ». والحديث أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وغيرهم. وهذا أقرب يا إخوان: شخص جوعان لكنه لم يصل إلى حد الاضطرار، ووجد شجرة أو وجد بستانًا، فقالوا: يجوز أن يأكل. وجواز الأكل ذكروا له شروطًا ثلاثة: أولها: الحاجة، أن يكون محتاجًا إلى هذا الطعام بسبب الجوع ونحوه. الشرط الثاني: قالوا: ألا يتخذ خبنة. قلنا: إيش معنى الخبنة يا محمد؟ يحمل معه شيء أكل، قال: يبدو أن طعمه لذيذ، فرصة آخذ معي كيس أو يأخذ في ثوبه منه ويحمله معه. لا، لا يجوز. قالوا: ألا يتخذ خبنة. الشرط الثالث: قالوا: أن ينادي يا صاحب البستان، وقف على البستان ينادي: يا صاحب البستان، يا صاحب البستان، ثلاثة مرات قبل أن يأكل. فإن أجابه، يعني كان موجودًا عامل مالك للبستان، فإن أجابه أحد استأذن منه: لو تكرمت، لو سمحت، أنا أشعر بجوع شديد، ممكن آكل آخذ. فإن وجد أحدًا استأذن منه، وإن لم يجد أحدًا فإنه يأكل. إذن يجوز لي من كان محتاجًا إلى الطعام ولو لم يصل إلى حد الاضطرار أن يأكل من بستان غيره، شجرة غيره، إذا كان محتاجًا لذلك، بشروط ثلاثة. من يأتي بها يا أبا جعفر؟ بسم الله: واحد: عند الحاجة. اثنين: نعم، أن لا يحمل معه شيئًا من هذا الطعام، يعني أن لا يتخذ خبنة. الثالث: أن ينادي صاحب البستان: يا صاحب البستان ثلاثًا، فإن أجابه وإلا أكل. إن أجابه استأذن منه، وإلا أكل، وإلا أكل. وقد جاء في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه في مسند أحمد وعند ابن ماجه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ حَائِطًا...». ما هو الحائط؟ يعني المكان الذي فيه زرع، نخل، عنب وغيرها. حائط. قال: «فَأَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ فَلْيُنَادِ صَاحِبَ الْحَائِطِ ثَلَاثًا»، ينادي صاحب الحائط ثلاثًا، يعني يقول: يا صاحب الحائط، يا صاحب الحائط، يا صاحب الحائط. قال: «فَإِنْ أَجَابَهُ وَإِلَّا فَلْيَأْكُلْ، وَإِلَّا فَلْيَأْكُلْ». قال: «وَإِذَا مَرَّ أَحَدُكُمْ بِإِبِلٍ، مَرَّ بِإِبِلٍ، قَالَ: فَأَرَادَ أَنْ يَشْرَبَ مِنْ أَلْبَانِهَا فَلْيُنَادِ: يَا صَاحِبَ الْإِبِلِ أَوْ يَا رَاعِيَ الْإِبِلِ، قَالَ: فَإِنْ أَجَابَهُ وَإِلَّا فَلْيَشْرَبْ، وَإِلَّا فَلْيَشْرَبْ». قال: «وَالضِّيَافَةُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَمَا زَادَ فَهُوَ صَدَقَةٌ، وَالضِّيَافَةُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَمَا زَادَ فَهُوَ صَدَقَةٌ». نعم، إذن حديث أبي سعيد قلنا: قال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا أتى أحدكم حائطًا، قلنا ما هو الحائط؟ المكان الذي فيه زرع، نخل أو عنب أو غيرها، رمان، برتقال إلى غيره. قال: فأراد أن يأكل فلينادِ يا صاحب الحائط ثلاثًا، أي ثلاثة مرات. قال: فإن أجابه وإلا فليأكل. وإذا مر أحدكم بإبل، وهذا يا إخوان يكثر في الصحاري والبراري وغيرها، يمر الواحد وهو جوعان أو عطشان فيجد إبلًا ترعى في الصحراء أو في مفازات بعيدة، فماذا يفعل؟ هو محتاج يريد أن يشرب، يريد أن يشرب. قال: فأراد أن يشرب من ألبانها، قال: فلينادِ يا صاحب الإبل أو يا راعي الإبل. قال: فإن أجابه، يعني استأذن منه، فإن أجابه وإلا فليشرب. قال: والضيافة ثلاثة أيام فما زاد فهو صدقة، فما زاد فهو صدقة. فآه، ماذا؟ فهذا يجوز عند الحاجة بهذه الشروط السابقة. ونحو هذا يا إخوان ما إذا أراد أن يشرب من ماشية الغير، وجد شاة، وجد بقرة، وأراد أن يشرب. كما سبق الخلاف في الأكل من البستان، والأكل من... أو ماذا؟ الشرب من حليب الناقة، كذلك أيضًا يقال فيه: الشرب من لبن الماشية. الجمهور على المنع من ذلك، واستدلوا بحديث ابن عمر في الصحيحين: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يَحْلِبَنَّ أَحَدُكُمْ مَاشِيَةَ غَيْرِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ، إِلَّا بِإِذْنِهِ، إِلَّا بِإِذْنِهِ». ومذهب أحمد وإسحاق ومن قال بقولهم: أن ذلك يجوز للحاجة، للحاجة، كما سبق، بعد أن ينادي صاحبها أو راعيها ثلاثًا كما مر معنا في حديث أبي سعيد المتقدم، حديث أبي سعيد المتقدم. فهذا مما يجوز. وذكر العلماء أيضًا من المسائل التي تتبع ما يتعلق بهذا: ما إذا وجد ميتة، ميتة، وأيضًا وجد بستانًا للغير، أيهما يقدم؟ عنده ميتة، مثلاً كلب ميت أو بعير ميت أو غير ذلك، بينما هناك بستان للغير، فأيهما يقدم؟ يقدم الميتة أو البستان الذي يملكه الغير؟ يا أبا صالح؟ البستان، فيأكل من البستان ويترك الميتة. أحسنت، نعم، يا أبا محمد، اختيار صحيح، حتى لو كان ناقة سمينة. طيب، أحسنت، خلاص، نمشي والله. فيه مخالف يا أبا محمد؟ الجماعة يحب الخضرة، أنت معهم. طيب، فذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه يقدم الميتة، وسبب ذلك قالوا: لأن الله أباحها للمضطر، الله عز وجل أباحها للمضطر، ولأنها كذلك أيضًا تتعلق بحق الله عز وجل الذي هو مبني على المسامحة، على المسامحة، بخلاف حق الآخرين فإنه مبني على المشاحة، والمشاحة أي عدم المسامحة. وذهب إلى هذا جماعة من أهل العلم منهم ابن المسيب، وهكذا أيضًا زيد بن أسلم، وهكذا أحمد والشافعي وأبو حنيفة، وأبو حنيفة. بينما ذهب الإمام مالك، وهو قول آخر للإمام الشافعي رحمه الله تعالى أيضًا، هو وجه عند الحنابلة، قالوا: يقدم طعام الغير، يقدم طعام الغير على الميتة، على الميتة، ما لم يكن مضطرًا إليه كاضطرار الآخر، ما لم يكن مضطرًا إليه ماذا؟ كاضطرار الآخر. وهذه من المسائل التي فيها سعة، وإن كان الأكل من طعام الغير هو الأقرب من ناحية ماذا؟ أن أصله مباح لولا أنه في ملك الآخرين. فمتى ما احتاج إلى ذلك واستأذن صاحب البستان، نادى، فإن أجابه استأذن منه، وإن لم يجبه أحد أكل، ولا يأخذ معه خبنة، ولا يأخذ معه خبنة. فهذا أقرب والله تعالى أعلم. ومن ترخص برخصة الله عز وجل في ما يتعلق بأكل الميتة فهذا مما يجوز والله تعالى أعلم. قال رحمه الله تعالى: قال عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا فَلَا يَمْسَحْ يَدَهُ حَتَّى يَلْعَقَهَا، أَوْ يُلْعَقَهَا». طيب، ما هو الفرق يا إخوان يا أبا ناظم؟ «حَتَّى يَلْعَقَهَا» يعني هو، «أَوْ يُلْعَقَهَا» كيف؟ يعطيها غيره فيلعقها. هذا ممكن، ممكن هذا بعد ما تأكل تعطي أصابعك شخصًا. قد يقع يا إخوان في ماذا؟ فيما إذا كان رجل مع زوجته أو أب مع أبنائه، ممكن أخ مع إخوانه، هذا يحصل، هذا يحصل. أما في غيرها فيقل يا إخوان، يقل، إلا إذا كانت الحاجة شديدة. العرب قديما كانوا يا إخوان يعيشون أحوالًا شديدة، يعني تخيل في بعض الأسفار والغزوات كان الصحابة يأكلون في اليوم ماذا؟ تمرة واحدة، تمرة واحدة. هذا الذي يأكل تمرة في اليوم لو وجد يدًا مليئة رز سيلعقها وهو يتلذذ بهذا الرز المتبقي على هذه اليد. أما في حال الشبع فتلاحظون اليوم نحن ماذا نفعل في حال الشبع؟ اليوم الواحد لا يلعق أصابع نفسه فضلًا عن أن يلعق أصابع غيره. فهذا الحديث يتعلق باستحباب لعق الأصابع ومصها، ومصها. وهذا متى؟ بعد الانتهاء من الطعام. ماذا؟ إذا أكل لقمة يمص، أكل لقمة ثانية، العقل... بعد الانتهاء من الطعام فيفعل هذا، وهذا يعتبر من السنن الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، من السنن الثابتة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قبل أن يغسل يده أو أن يمسح يديه، فيلعق أصابعه أو يلحس أصابعه ويمص أصابعه، فهذا من الأمور الجائزة، هذا من الأمور الجائزة، وهي تعتبر من آداب الأكل، تعتبر من آداب الأكل. والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في حديث أنس قال: «أَمَرَنَا» يعني النبي صلى الله عليه وسلم «أَنْ نَلْتَقِطَ الْقَصْعَةَ»، القصعة أي التي يوضع فيها الطعام ويؤكل منها، فماذا؟ «يَمْسَحُوهَا بِأَصَابِعِهِمْ»، قال: «وَنَتَتَبَّعَ مَا بَقِيَ فِيهَا مِنْ طَعَامٍ». وفي رواية: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِلَعْقِ الْأَصَابِعِ وَالصَّحْفَةِ»، الصحفة الوعاء الذي يوضع فيه الرز، يوضع فيه الإدام، اللحم إلى غير ذلك. قال: «أَمَرَ بِلَعْقِ الْأَصَابِعِ وَالصَّحْفَةِ، وَقَالَ: إِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ فِي أَيِّهِ الْبَرَكَةُ، لَا تَدْرُونَ فِي أَيِّهِ الْبَرَكَةُ».كذا قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهذا من الأمور التي لربما استقذرها من استقذرها من الناس اليوم بسبب ماذا؟ التنعم والزيادة في ماذا؟ في الترف. وقد ذكر الإمام أبو سليمان الخطابي رحمه الله تعالى في كتابه «معالم السنن»، معالم السنن، وهو يعتبر من دواوين الإسلام المفيدة، قال الخطابي: «وَلَقَدِ عَابَهُ» أي لعق الأصابع، «قَوْمٌ أَفْسَدَ عُقُولَهُمُ التَّرَفُ، أَفْسَدَ عُقُولَهُمُ التَّرَفُ، وَغَيَّرَ طِبَاعَهُمُ الشَّبَعُ وَالتُّخْمَةُ». الشبع معروف، والتخمة ما هي التخمة؟ نعم، يعني الزيادة في الأكل، يأكل حتى لا يجد للأكل مسلكًا وموضعًا. قال: «وَغَيْرَ... قَوْمٌ أَفْسَدَ عُقُولَهُمُ التَّرَفُ وَغَيَّرَ طِبَاعَهُمُ الشَّبَعُ وَالتُّخْمَةُ، وَزَعَمُوا أَنَّ لَعْقَ الْأَصَابِعِ مُسْتَقْبَحٌ أَوْ مُسْتَقْذَرٌ، كَأَنَّهُمْ لَمْ يَعْلَمُوا». لاحظ: قال: «كَأَنَّهُمْ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ الَّذِي عَلِقَ بِالْأَصَابِعِ أَوْ بِالصَّحْفَةِ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ الطَّعَامِ الَّذِي أَكَلُوهُ». هذا الذي في الأصابع والذي بقي في الصحفة من أين جاء؟ نفسه من الطعام الذي دخل إلى البطن قريبًا. قال: «جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ الطَّعَامِ الَّذِي أَكَلُوهُ وَازْدَرَوْهُ». قال: «فَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَائِرُ أَجْزَائِهِ الْمَأْكُولَةِ مُسْتَقْذَرًا لَمْ يَكُنْ هَذَا الْجُزْءُ الْبَاقِي مِنْهُ فِي الصَّحْفَةِ وَاللَّاصِقُ بِالْإِصْبِعِ مُسْتَقْذَرًا كَذَلِكَ، مُسْتَقْذَرًا كَذَلِكَ». قال: «وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، قَالَ: فَلَيْسَ بَعْدَهُ شَيْءٌ أَكْثَرُ مِنْ مَسِّ إِصْبِعِهِ بِبَاطِنِ شَفَتَيْهِ، لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ إِلَّا أَنْ يَمَسَّ مَا بَقِيَ فِي الْإِصْبِعِ بِبَاطِنِ الشَّفَةِ، بِبَاطِنِ الشَّفَةِ، قَالَ: وَهُوَ مَا لَا يَعْلَمُ عَاقِلٌ بِهِ عَاقِلٌ بِهِ بَأْسًا، إِذِ الْمَاسُّ وَهُوَ الشَّفَتَانِ وَالْمَمْسُوسُ وَهُوَ الْأَصَابِعُ جَمِيعًا طَاهِرَانِ نَظِيفَانِ». قال: «وَالْكَلَامُ لِلْخَطَّابِيِّ». قال: «وَقَدْ يَتَمَضْمَضُ الْإِنْسَانُ، يَتَمَضْمَضُ الْإِنْسَانُ فَيُدْخِلُ إِصْبِعَهُ فِيهِ فَيُدَلِكُ أَسْنَانَهُ وَبَاطِنَ فَمِهِ وَبَاطِنَ فَمِهِ، فَلَمْ يَرَ أَحَدٌ مِمَّنْ يَعْقِلُ أَنَّهُ قَذَارَةٌ». هل قال أحد أن هذا قذر؟ حين أن يدخل إصبعه في فمه ويتمضمض وينظف أسنانه وباطن فمه، قال: «أَنَّهُ قَذَارَةٌ أَوْ سُوءَ أَدَبٍ». قال: «فَكَذَلِكَ هَذَا لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي مَنْظَرٍ حَسَنٍ وَلَا مَخْبَرِ عَقْلٍ، وَلَا مَخْبَرِ عَقْلٍ».كذا ذكر رحمه الله تعالى. ولاحظوا يا إخوان أن النبي صلى الله عليه وسلم حين أن حث ورغب بل وأمر، والأمر للاستحباب، بلعق الأصابع أو أن يلعق ما بقي في الصحفة، فماذا بين عليه الصلاة والسلام العلة في ذلك؟ فقال: «إِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ فِي أَيِّهِ الْبَرَكَةُ، فِي أَيِّهِ الْبَرَكَةُ». وما هي البركة يا إخوان؟ ما هي البركة؟ نعم، أحسنت، أحسنت. البركة هي كثرة الخير، كثرة الفائدة والنفع. وقد عرفها بعضهم بأنها ثبوت الخير الإلهي في الشيء: ﴿اجْعَلْنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتَ﴾، أينما كنت، فخير من الله عز وجل يجعله في هذا الشيء. فالعبرة يا إخوان بابتغاء البركة، والبركة من الله عز وجل، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: «الْبَرَكَةُ مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ». وكما سبق أن هذا الحديث يتضمن أدبًا من آداب الأكل، وديننا يا إخوان هو دين الآداب، اهتم بجانبي الأدب الحسن والخلق الحسن. وقال نبينا صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ، مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ». بل هو القدوة والأسوة الحسنة، قال الله فيه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ، وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ». تجد آدابًا عند الأكل، آدابًا عند الشرب، تجد آدابًا عند اللباس، آدابًا عند النوم، آدابًا عند الدخول، عند الخروج، إلى غيرها من الجوانب. وهذه الآداب يا إخوان فيها منافع وفيها مصالح للمسلم، متى ما قام بها، ومتى ما ابتعد عنها وتركها فمع ذهاب الأجر وفوات الكثير من الخير أيضًا قد يصاب بأنواع من الأضرار بسبب المخالفة. ولهذا في هذه العجالة نحب أن نأخذ شيئًا من هذه الآداب المتعلقة بالأكل. فمر معنا أنه بعد الانتهاء من الطعام يلعق الأصابع، وله أن يمصها أيضًا، يلعق الصحفة، يلعق الصحفة بعد الانتهاء منها. أيضًا من هذه الآداب، من يذكر يا إخوان من آداب الأكل؟ أنذك يا أبا حذيفة؟ نعم، التسمية، من آداب الأكل التسمية. وهذه التسمية تكون قبل البدء بالطعام، قبل البدء بالطعام. واختلف العلماء في التسمية، والصحيح أنها واجبة، أنها واجبة. ودل على ذلك حديث عمر بن أبي سلمة قال: «كُنْتُ غُلَامًا فِي حَجْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»، يعني النبي صلى الله عليه وسلم تزوج بأمه أم سلمة فهو ربيبه. قال: «كُنْتُ غُلَامًا فِي حَجْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ»، أي تذهب بعيدًا، يأكل من هنا ويأكل من هنا كما يفعل الكثير من الأطفال. فقال النبي صلى الله عليه وسلم له: «يَا غُلَامُ». لاحظ: سينتبه، سينتبه بهذا النداء، هو مشغول بالأكل. قال: «يَا غُلَامُ، سَمِّ اللَّهَ، سَمِّ اللَّهَ، سَمِّ اللَّهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ»، أي مما يقرب منك. وغالبًا يا إخوان الذي يفعل شراهة في الأكل قد يكون الدافع له هو الشيطان، قل لك هذا ما بسمى، يأكل بهذه الطريقة، يأكل بعنف بشدة بسرعة وعجلة، شراهة مفرطة، الشيطان يأكل معه، فيستحل الشيطان طعام أحدنا إذا لم يسم الله عز وجل. ومن نسي التسمية، من نسي التسمية ماذا يفعل؟ من نسي التسمية يا أبا مريم ماذا يفعل؟ أحسن. من نسي البسملة يسمي الله إذا ذكر، يقول: «بِسْمِ اللَّهِ فِي أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ، فِي أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ». أدب آخر من هذه الآداب؟ نعم، ها، أن يأكل جالسًا. وبالنسبة للأكل قائمًا، ذهب بعض العلماء إلى كراهته، واستدلوا بأثر أنس لما ذكر: «أَنَّهُ نَهَى عَنِ الشُّرْبِ قَائِمًا»، قيل له: والأكل؟ قال: «ذَاكَ شَرٌّ وَأَخْبَثُ، شَرٌّ وَأَخْبَثُ». لكن ذكر العلماء أنه موقوف عن أنس، موقوف عن أنس. وجاء عن الصحابة أنهم كانوا يأكلون وهم يمشون، يأكلون وهم يمشون. فصحيح أنه جائز أن يأكل وهو واقف، وإنما نهى عن الأكل أو عن الشرب قائمًا، لكن لا شك أن الأكمل والأفضل هو ما إذا جلس. أيضًا من هذه الآداب؟ نعم يا أبا إبراهيم، الأكل باليمين، الأكل باليمين، «وَكُلْ بِيَمِينِكَ». والنبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَأْكُلْ بِيَمِينِهِ، وَإِذَا شَرِبَ فَلْيَشْرَبْ بِيَمِينِهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ، بِشِمَالِهِ». لاحظوا يا إخوان ما تميز به أهل الإسلام، هناك في بعض البلاد الغربية ما يبالي أحدهم ولا يتورع، يشرب بشماله، يأكل بشماله، لكن ديننا ونبينا صلى الله عليه وسلم يؤدبنا بهذه الآداب العظيمة، إلا عند الضرورة، يده مكسورة ما يستطيع أن يأكل بيده فيجوز أن يأكل بشماله. أيضًا حديث عمر بن أبي سلمة تضمن حكمًا وهو الأكل مما يلي الشخص، مما يليه، أي مما يقرب منه، مما يقرب منه. وهذا يا إخوان فيما إذا كان الطعام نوعًا واحدًا، نوعًا واحدًا. عندنا أرز وسمك، نوع واحد، فيأكل مما يليه. عندنا خبز وإدام، فاصوليا، خضرة إلى غيرها، فيأكل مما يليه، ولا يذهب ويأكل مما يلي غيره، مما يلي غيره، فهذا قد نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم. أيضًا أيضًا فيما لو كان يأكل لوحده، فيجوز أن يأكل هنا وهنا، وليس في ذلك إشكال، ليس في ذلك إشكال. أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه ذكر كما في قصة ذلكم الخياط الذي دعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى طعام، قال أنس: «قَالَ فَرَأَيْتُهُ» يعني النبي صلى الله عليه وسلم «يَتَّبِعُ الدُّبَّاءَ»، يتتبع الدباء من حوالي القصعة، الدباء القرع، هذا الذي يوضع في ماذا؟ في الإدام. فكان النبي صلى الله عليه وسلم يتتبعه، قال أنس: «فَمَا زِلْتُ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ مُنْذُ رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَّبِعُهُ، يَتَّبِعُهُ». فهذا يحمل على ما إذا كان الطعام ليس نوعًا واحدًا، ليس نوعًا واحدًا. وهكذا من هذه الآداب، أحسنت، أن يحمد الله عز وجل بعد الانتهاء من الطعام. قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما في صحيح مسلم عن أنس: «قَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا، وَيَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا». وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم عدد من الأحاديث التي فيها بيان ما يقال بعد الأكل من الحمد والثناء على الله عز وجل. فمن ذلك ما جاء في صحيح مسلم عن أبي أمامة قال: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا رُفِعَتِ الْمَائِدَةُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ يَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، غَيْرَ مَوْدُوعٍ وَلَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ رَبَّنَا، يَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، غَيْرَ مَوْدُوعٍ وَلَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ رَبَّنَا». ولاحظوا يا إخوان أن الأدعية التي يؤتى بها بعد الفراغ من الطعام فيها إظهار للنعمة وحاجة العبد إلى هذا الخير من الله تبارك وتعالى، وتعالى من الله تبارك وتعالى. أيضًا من هذه الآداب: ألا يأكل متكئًا، والاتكاء ذكر العلماء له صورًا، يعني مضمونها أن يكون مائلًا إلى جانب من الجوانب، قد يتكئ على يد، وقد يضطجع ويتكئ على يده، إلى غيرها. فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يقول: «إِنِّي لَا آكُلُ مُتَّكِئًا»، كما في البخاري من حديث أبي جحيفة قال: «إِنِّي لَا آكُلُ مُتَّكِئًا». وهذا يتضمن كراهة الأكل حال الاتكاء، حال الاتكاء. أيضًا جاء في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كُلْ جَعَلَنِي اللَّهُ فِي ذَاكَ مُتَّكِئًا، كُلْ جَعَلَنِي اللَّهُ فِي ذَاكَ مُتَّكِئًا، فَإِنَّهُ أَهْوَنُ عَلَيْكَ، أَهْوَنُ عَلَيْكَ». فأصغى برأسه، قالت: «حَتَّى كَادَ أَنْ تُصِيبَ جَبْهَتُهُ الْأَرْضَ، جَبْهَتُهُ الْأَرْضَ، ثُمَّ قَالَ: لَا بَلْ آكُلُ كَمَا يَأْكُلُ الْعَبْدُ وَأَجْلِسُ كَمَا يَجْلِسُ الْعَبْدُ»، أي تواضعًا لله عز وجل. ونبينا صلى الله عليه وسلم نال العبودية التي هي خاصة الخاصة كما يذكر العلماء، «فَآكُلُ كَمَا يَأْكُلُ الْعَبْدُ وَأَجْلِسُ كَمَا يَجْلِسُ الْعَبْدُ»، يعني بتواضع وعدم تكبر. وهذا الحديث أخرجه أحمد، وهكذا أيضًا البغوي وغيره. أيضًا من هذه الآداب؟ نعم، عدم الإسراف. قال ربنا عز وجل: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ، إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾. شخص أراد أن يتعشى فاشترى رأسًا من الغنم، خروف، ماذا سيأكل من الخروف؟ أكل جزءًا يسيرًا ثم ألقاه في القمامة، هذا إسراف لا يجوز، وربنا عز وجل لا يحب المسرفين. ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا، إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ، وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾. أكل كفايته، لا بأس أن يتصدق بما بقي على غيره، فغيره يحتاجه ويشتهيه. ويا إخوان الإسراف قد يكون سببًا في زوال النعم، زوال النعم، والإسراف مما ابتلي به البعض في زماننا. لكن نذكر الآباء والأجداد الذين عاشوا حياةً آه، ماذا؟ حياة تقشف، ولربما عانوا شيئًا من الحاجة والفقر، تجده يغضب إذا ألقي شيء من الطعام في القمامة، ويعتبر ذلك من الإسراف الذي لا يجوز، الذي لا يجوز. أيضًا من هذه الآداب؟ نعم يا بلال فاروق، أه، ألا... نعم، أحسنت، ألا يعيب الطعام. «مَا عَابَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَعَامًا قَطُّ، إِنِ اشْتَهَاهُ أَكَلَهُ، وَإِنْ كَرِهَهُ تَرَكَهُ». ومر معنا قريبًا ما يدل على هذا، فمن يذكر؟ نعم، قصة الضب الذي قدم للنبي صلى الله عليه وسلم، فلما مد يده يريد أن يأكل، قالت بعض النسوة: «أَخْبِرُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا يُرِيدُ أَنْ يَأْكُلَ»، فرفع يده، فرفع يده، فلما علم أنه ضب، قيل له: حرام؟ قال: «لَا، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ، أَجِدُنِي أَعَافُهُ». وهذا أدب يا إخوان، أدب، وإلا لو أن النبي صلى الله عليه وسلم ذمه لما أكله خالد ولا غيره، ولا غيره. وأخذه خالد فاجتره وقطعه وأكله، والنبي صلى الله عليه وسلم يراه، فهذا إقرار بعد قوله: «لَيْسَ بِحَرَامٍ»، بعد قوله: «لَيْسَ بِحَرَامٍ». والبعض قد يقدم له شيء، مثلاً اللخم، اللخم معروف، نحن في حضرموت وغيرها يعتبر من الوجبات الشهية، لكن بعض إخواننا من المناطق الأخرى يستقبحون ذلك، لماذا؟ لم يكن بأرضهم فهم يعافونه، فهم يعافونه. طيب، إذا قدم لخم أو مثلاً لحم سلحفاة أو غيرها، فلا يجوز يا إخوان أن يعاب الطعام، تشتهيه، كل ما تشتهيه لا تأكل، ما تشتهيه لا تأكل، ولا يعاب الطعام، ولا يعاب الطعام. وهذا يا إخوان أدب يحتاجه الزوج في بيته، والأب في بيته، والأخ والابن في بيته، يحتاج إلى هذا الأدب. المرأة تتعب وتجتهد في صناعة الطعام وطبخه، فتأتي المسكينة فرحة مسرورة بهذا الإنجاز، فلما يوضع قال: إيش؟ قالت: والله معنا الليلة عشاء فاصوليا وخبز. إيش هذا؟ كل يوم فاصوليا، غيروا. لا، «مَا عَابَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَعَامًا قَطُّ». النبي صلى الله عليه وسلم قدم له خل، فماذا قال؟ «نِعْمَ الْإِدَامُ الْخَلُّ»، ما قال: إيش؟ خل، لا، قال: «نِعْمَ الْإِدَامُ الْخَلُّ». وكان يقول: «بَيْتٌ لَا تَمْرُ فِيهِ جِيَاعُ أَهْلِهِ»، يعني التمر وجبة، ممكن يفطر عليها، يتغذى بها، يتعشى إلى غير ذلك. فمن آداب الطعام ألا يعيب طعامًا قط. ولا بأس بالتوجيه، مثلاً زاد ملح، ممكن يوجه، ليس عيبًا في الطعام، لكن توجيهًا، لكن يأتي بها ماذا؟ يأتي بها بعبارة طيبة وبأسلوب حسن، يقول: ما شاء الله، نحن معنا ملح كثير، الظاهرة ستسأل المرأة: ليش؟ آه، ليش الطعام فيه ملح زائد؟ كأنه يعني بأ