الدرس في شرح كتاب التوحيد للإمام محمد بن عبدالوهاب 45، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
التوكل على الله هو جماع الإيمان ويعني تفويض الأمر إلى الله مع الأخذ بالأسباب. إيمان العبد بقدر توكله على الله يجعل الإيمان أكمل.
التوكل عبادة عظيمة تتطلب الأخذ بالأسباب الشرعية والقدرية، وهو أمر قلبي يعتمد على الله وحده. يُعد التوكل على الله سبيلًا لتحقيق الإيمان الكامل.
التوكل عبادة قلبية خالصة لله عز وجل، ولا يجوز صرفها لغيره لأن الله هو الكافي وحده. غير الله لا يستطيع نفعًا ولا ضرًا إلا بإذن الله.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد: قال الإمام المجدد محمد بن عبدالوهاب رحمه الله تعالى: باب قول الله تعالى: ﴿وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين﴾، وقول: ﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم﴾، وقول: ﴿يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين﴾، وقول: ﴿من يتوكل على الله فهو حسبه﴾. فهذا الباب جعله المؤلف في التوكل على الله، توكل على الله عز وجل، كما جاء عن الحسن وغيره: أنه جماع الإيمان، التوكل على الله جماع الإيمان، معنى الذي يجمع الإيمان بالله عز وجل التوكل عليه، لهذا قال الله عز وجل: ﴿وتوكلوا على الله إن كنتم مؤمنين﴾، ﴿وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين﴾، فإيمان العبد بقدر توكله، كلما كثر التوكل على الله كلما كان إيمان العبد أكمل. التوكل المراد به تفويض الأمر إلى الله جل وعلا مع الأخذ بالأسباب، تفويض الأمر إلى الله جل وعلا مع الأخذ بالأسباب، فالتوكل هو الاعتماد على الله مع الأخذ بالأسباب، والأسباب هذه أسباب شرعية وأسباب قدرية، والغالب هنا هو الأخذ بالأسباب القدرية، وإن وجدت أسباب شرعية فالأخذ بها عبادة، فلهذا لا يكون هذا الاعتماد صحيحًا إلا إذا كان مع الأسباب الشرعية والقدرية، فإن أخلى بها كان هذا التوكل فيه شيء، فيه خلل. كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «الاعتماد على الأسباب شرك، وترك الأسباب خدش في الاعتقاد»، الاعتماد على الأسباب شرك، وترك الأسباب خدش في الاعتقاد، أن خطأ كبير في الاعتقاد أن الإنسان يعتقد أن الله عز وجل يقول مثلًا: أنه يتوكل على الله وهو لم يأخذ بالأسباب القدرية أو أسباب شرعية وجدت، فهذا التوكل غير صحيح. مثلًا قول الله عز وجل: ﴿وتزودوا فإن خير الزاد التقوى﴾، لما قال ابن عباس: إن أهل اليمن كانوا يحجون ولا يتزودون، وقالوا: نحن متوكلون، فأنزل الله عز وجل: ﴿وتزودوا فإن خير الزاد التقوى﴾، فلا بد من التزود لأن هذا أخذ بالأسباب. فلهذا عالج الإمام شيخ الإسلام وابن القيم وغيرهما القضية التي عندهم للتصوف في هذا الباب، يظنون أن الرزق يأتي هكذا، استدلوا بقول الله عز وجل: ﴿يا مريم إن لك هذا﴾، قالت: «هو من عند الله»، صحيح أن الله عز وجل يرزق من يشاء بغير حساب، ويرزق أيضًا ويعطي ويرزق الرزق من عند الله، لكن الله عز وجل جعل أسبابًا يسعى الإنسان إليها، فقال الله عز وجل: ﴿فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه﴾، فجعل قدم السبب قبل المسبب، فالسبب هو المشي والسعي، وهذا السعي بأنواعه. فلكن إنسان لم يتسبب وليس عنده أسباب للرزق ويريد الرزق أن يأتي إليه، فهذا غير صحيح، أيضًا ليس في الرزق فقط، أيضًا في أمور الطب، أمور معنى الاستعانة في الأمور كلها، الأمور كلها تحتاج إلى توكل على الله، فإذا وجدت توكل وجدت الأسباب، الأخذ بالأسباب التي هي أسباب شرعية وقدرية. لكن في بعض الأمور ممكن أن الإنسان يبتعد عن السبب إذا كانت هناك أسباب شرعية كذلك، مثلًا عندنا في الطب في التداوي، التداوي شرعي سبب شرعي وسبب قدري، لكن ممكن أنه يترك التداوي، لأن هناك أسباب أخرى وهي أن موت الإنسان وحياته بيد الله عز وجل، فلو ترك مثلًا الدواء توكلًا على الله ما في شيء، لأن الدواء سبب إلى أسباب التي قد تنفع وقد لا تنفع. فلهذا فتركه لا يضر في هذه المسألة، بل أحيانًا تركه يكون من التوكل على الله، مثل ما جاء في حديث ابن عباس قال: «لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون»، فقوله: «لا يسترقون» أي لا يطلبون الرقية، توكلًا على الله. فلهذا فالتوكل من العبادات العظيمة التي هي جماع الإيمان، تجمع الإيمان، التوكل على الله جل وعلا، قالوا: قول الله جل وعلا: ﴿وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين﴾، وقوله: ﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم﴾، فذكر هذه الآية في هذا الباب، ليس فيها التوكل واضح، لكن الظاهر كأن المؤلف يريد أن يبين أن وجل القلوب هذا سبب من الأسباب التي يؤديها. وقوله: ﴿يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين﴾، فسّرها كثير من العلماء بأنه: ﴿يا أيها النبي يكفيك الله﴾، وقال شيخ الإسلام: ومن فسّرها بأنها: «﴿يا أيها النبي حسبك الله ويكفيك أتباعك﴾»، فهذا خطأ عظيم، أن يقول: أن من فسّرها بهذا التفسير فقد غلط غلطًا عظيمًا، وإنما المراد: فإن حسبك الله، أو ﴿يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك﴾ أي: حسبك يكفيك الله، كافيك الله وكافي من اتبعك. وبهذه الآية أيضًا ذكر شيخ الإسلام وابن القيم وغيرهم: أن التوكل على الله هو أمر قلبي، هذا أمر أن التوكل على الله أمر قلبي، والأمر الثاني: أن التوكل على الله لا يكون إلا عليه سبحانه وتعالى، وتوكلوا على الله، فهنا جاءت على طريق الحصر، فالتوكل إنما يكون على الله لا على غيره. وقول العلماء: أن التوكل من الأعمال القلبية حتى يخرجوا التوكل العملي، كيف التوكل العملي الذي يكون فيه اعتماد غير الله، مثلًا يقول شخص لآخر: أنا أعتمد عليك في عمل كذا، هذا الاعتماد جائز، لكنه لا يدخل في التوكل الشرعي، لأن التوكل الشرعي هو اعتماد القلب، ليس الفعل. فلهذا لم يجز العلماء قول القائل: توكلت على الله ثم عليك، ما شاء الله ثم شئت، هذا ما في شيء، لو قلت: لولا فلان ثم كذا، ممكن، لكن تقول مثلًا: اعتمدت عليك أو توكلت عليك، أو توكلت على الله ثم عليك، لا، التوكل ما يكون على البشر، التوكل لا يكون على المخلوق، التوكل الخاص بالله جل وعلا، لأن الله عز وجل هو الذي يكفي عبده، هو الذي يكفي عبده حقيقة. أليس الله بكاف عبده؟ وأما غيره فهو لا يستطيع لنفسه نفعًا ولا ضرًا، كيف ينفع غيره؟ لكن إن نفعه فهو بإذن الله، إن نفع فهو بإذن الله جل وعلا، وإلا الأصل أن النفع والضر من الله جل وعلا لا يملكه أحد، فلهذا المتوكل على الله لأن الله عز وجل كافية. فلهذا كانت كما قلنا عبادة قلبية محضة، عبادة قلبية محضة، فلهذا فسّرت هذه الآية: ﴿يا أيها النبي حسبك الله﴾ أي: كافيك الله، قوله: ﴿ومن يتوكل على الله فهو حسبه﴾ أي: يكفيه، ومن يتوكل على الله فهو حسبه، يكفيك الله عز وجل ما يهمك وما يقلقك وما يحزنك. فلهذا يقول المرء: حسبي الله ونعم الوكيل، الذين قال لهم الناس: «إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم»، فزادهم إيمانًا وقالوا: «حسبنا الله ونعم الوكيل»، وفي آية التوبة، فقال الله عز وجل: «سيعطيهم الله من فضله ورسوله»، قالوا: «حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله»، لما ذكر الحسب قالوا: «حسبنا الله»، ولما ذكر الفضل قالوا: «ورسوله»، فلم يقل: «وقالوا حسبنا الله ورسوله»، لا، قالوا: «حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله»، ففرق بين الحسب وهو التوكل، وبين الفضل، الفضل يكون من الله ومن رسوله، لكن الحسب والكفاية ما تكون إلا من الله. فلهذا أن التوكل عبادة قلبية خالصة لله، لا يجوز أن يصرفها العبد لغير الله جل وعلا، فاعتماد القلب على غير الله عز وجل يعتبر من الشرك، اعتماد القلب في النفع والضر على غير الله يعتبر شرك، ممكن أن يعتمد الإنسان عمليًا فقط، أما اعتماد القلب، لأن اعتماد القلب لا يستطيع أحد أن يضمن أن هذا الفعل سيتم إلا إذا كان من الله. فلهذا فالتوكل عبادة قلبية محضة، ما معنى محضة؟ خالصة، عبادة قلبية محضة، قال: ﴿ومن يتوكل على الله فهو حسبه﴾، وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: «حسبنا الله ونعم الوكيل»، قال إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار، قالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا له: «إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم»، فزادهم إيمانًا وقالوا: «حسبنا الله ونعم الوكيل». فخلاصة الأمر أن يقال: أن التوكل على الله عز وجل هو جماع الإيمان، وهو عبادة قلبية لا يجوز صرفها أو اعتماد القلب على غير الله جل وعلا.