كتاب الزكاة 6

كتاب الزكاة 6

الدرس في كتاب الزكاة 6، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

فضل صدقة التطوع وإخفاؤها وتكملة الفرائض

يستعرض فضائل صدقة التطوع مستدلاً بالقرآن والسنة، مبيناً أنها تكمل النقص في الفرائض كالزكاة، ويركز على حديث السبعة الذين يظلهم الله ومنهم من أخفى صدقته حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، مؤكداً أن إخفاء الصدقة وإخلاصها سبب للظفر بظل الله يوم لا ظل إلا ظله.

فضائل الجود والصدقة وإطعام الطعام في رمضان

يبرز كرم النبي صلى الله عليه وسلم خاصة في رمضان، ويوضح فضائل الصدقة وأنها تظل صاحبها يوم القيامة، مع بيان الأجر العظيم لمن كسا عارياً أو أطعم جائعاً أو سقى عطشاناً، والتأكيد على أن اليد العليا خير من اليد السفلى.

آداب الإنفاق وقصة تنافس أبي بكر وعمر في الصدقة

يشرح معنى اليد العليا خير من اليد السفلى مؤكداً فضيلة العطاء وذم المسألة، ويبين أولوية الإنفاق على الأهل ثم الأقربين، وأن خير الصدقة عن ظهر غنى، ويسرد قصة تنافس عمر وأبي بكر في الصدقة مبيناً جواز التصدق بالمال كله لمن قوي يقينه.

الختام بالصلاة على النبي وشكر الحضور

يختتم المتحدث الجلسة بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه، مع الشكر للحضور على حضورهم ومتابعتهم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال المصنف رحمه الله: باب صدقة التطوع. قال: الحديث الحادي والستون بعد السبع مئة، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله»، فذكر الحديث، وفيه: «ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه». متفق عليه. هذا الباب باب صدقة التطوع، بعد أن انتهى من ذكر باب الزكاة الواجبة، ذكر في هذا الباب ما يتعلق بصدقة التطوع، يعني صدقة النافلة المستحبة، وذكر بعض الأحاديث الواردة في فضل الصدقة وما جاء في الترغيب فيها. والله جل وعلا قد حث ورغب في باب الصدقة والإنفاق، ومن ذلك قوله جل وعلا: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾، وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾. وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه، أي يخلف الله جل وعلا للمنفق والمتصدق خيرا مما أنفق، ويفتح عليه أبواب الرزق، فهو خير الرازقين. ويقول سبحانه: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾، فيجعل الله سبحانه وتعالى الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف. وهكذا أيضا في قوله جل وعلا: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآَتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. فالمقصود من الآية أن الله يضاعف أجر المتصدق والمنفق. وهكذا في قوله جل وعلا: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾، يعني ينميها ويكثرها. نعم، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ما نقص مال من صدقة، ما نقص مال من صدقة». فالمال الذي تصدق منه صاحبه لا يظن أنه بهذا ينقص، بل يجعل الله عز وجل فيه البركة والخير، ويعوضه الله سبحانه وتعالى خيرا مما أنفق. وذكر في هذا الباب حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وقبل ذلك أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بأن نوافل العبادات، الصلاة والصدقة والحج إلى آخره، هي مكملة للفرائض، مكملة لها إن حصل فيها نقص أو حصل فيها شيء من الإخلال، كما في قوله عليه الصلاة والسلام حين ذكر أن العبد يحاسب على الصلاة، فإن كان فيها نقص قال الله: «انظروا لعبدي هل له من تطوع فيكمل به ما نقص من الفريضة». وهكذا في باب الزكاة، إذا حوسب عليها وكان هناك نقص أو خلل، قال الله: «انظروا لعبدي هل له من تطوع»، يعني من صدقة، فيكمل به ما نقص من الفريضة، ثم يكون سائر عمله على ذلك. إذن من فوائد الصدقة التطوع أنها تكمل النقص والخلل الذي قد يحصل في الزكاة الواجبة. ذكر حديث أبي هريرة في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله». سبعة، يعني ممن يظلهم الله سبعة، وليس هؤلاء السبعة هم فقط الذين يظلهم الله يوم لا ظل إلا ظله، ويدل على هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر ناسا آخرين غير هؤلاء السبعة ممن يظلهم الله، كما في حديث أبي اليسر في صحيح مسلم مرفوعا: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أنظر معسرا أو وضع له أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله». ولهذا فمفهوم العدد عند جمهور أهل الأصول أن العدد ليس له مفهوم، أن العدد ليس له مفهوم، يعني لما يذكر عدد معين ليس معناه أن غير هذا العدد لا يدخل في هذا الحكم، واضح، وإنما المراد أن هؤلاء من هؤلاء الذين يدخلون في هذا الحكم أو أكثرهم. فمن هؤلاء السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، هذا الظل ظل يخلقه الله سبحانه وتعالى يوم القيامة، أو يكون المراد ظل العرش، ظل عرش الرحمن جل وعلا، كما جاء في سنن سعيد بن منصور بسند حسن: «سبعة يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله». وذكر منهم: «رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه». ظاهره أن هذه الصدقة صدقة تطوع ونافلة تصدق بها، وسواء كان ما تصدق به كثيرا أو قليلا، لأنه قال: «تصدق بصدقة»، وصدقة نكرة في سياق الإثبات فتفيد الإطلاق، مطلق الصدقة، لكنه أخلص في هذه الصدقة وأخفاها حتى لا يعلم بها أحد، ولهذا قال: «حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه»، يعني لو قدر أنه عن شمال أحد وتصدق بيمينه لما رآه، من شدة إخفائه لهذه الصدقة وإخلاصه فيها، فكان من الأجر والثواب أن الله يظله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. إذن من فضائل صدقات التطوع أن صاحبها يظله الله سبحانه وتعالى يوم القيامة في ظله يوم لا ظل إلا ظله، في ذلك اليوم العظيم، يوم أن تدنو الشمس من الخلائق فوق رؤوسهم مقدار ميل، فيعرق الناس على قدر أعمالهم، منهم من يعرق يبلغ العرق إلى كعبيه، منهم من يبلغ إلى ركبتيه، منهم من يبلغ إلى حقويه، منهم من يبلغ إلى منكبيه، منهم من يلجمه العرق إلجاما، وهؤلاء السبعة في الظل وفي الراحة، منهم هذا الذي تصدق بصدقة أخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه. قال: الحديث الثاني والستون بعد السبعمئة، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة. متفق عليه. نعم، هذا الحديث يخبر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أجود الناس، يعني في سائر الأوقات وفي سائر الأيام، كان من أجود الناس في البذل والعطاء والتصدق والمسارعة في فعل الخير، فكان النبي عليه الصلاة والسلام جوادا كريما، ربما كان يعطي الرجل غنما بين جبلين، فيرغبه في الإسلام، يرجع إلى قومه يقول: يا قوم أسلموا، فإن محمدا يعطي عطاء من لا يخشى الفقر. قال أنس: إن كان الرجل ليسلم لا يريد إلا الدنيا، فما هي إلا أيام حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما فيها. ولما لقيته الأعراب وهو قافل من غزوة، جعلوا يسألونه حتى اضطروه إلى سمرة، إلى شجرة سمرة، وأخذوا رداءه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو كان عندي مثل هذه العضاة - هذا الشجر - شيئا، لقسمته بينكم، ولم تجدوني بخيلا ولا كذابا ولا جبانا». فكان النبي صلى الله عليه وسلم جوادا كريما، ويزداد جوده في رمضان، قال: «وكان أجود ما يكون في رمضان»، لأنه شهر الخير والجود والكرم، حين يلقاه جبريل عليه السلام فيدارسه القرآن كل ليلة، يعني يعرض عليه القرآن ويقرئه عليه، فالنبي صلى الله عليه وسلم يزداد جوده ويزداد بذله وعطاؤه في هذا الشهر. وهذا فيه استحباب الصدقة والإنفاق، وأن يكون الإنسان جوادا كريما، وكذلك استحباب الصدقة في رمضان، ويعظم أجرها لعظم الزمان، فضل الشهر. لهذا النبي صلى الله عليه وسلم كان يزداد جوده في رمضان أكثر من غيره من الشهور والأيام. قال: الحديث الثالث والستون بعد السبعمئة، وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كل امرئ في ظل صدقته حتى يفصل بين الناس». رواه ابن خزيمة وابن حبان. كل امرئ في ظل صدقته، يعني الصدقة تكون يوم القيامة عينا، تكون عينا وذاتا تظل صاحبها، تظل صاحبها والناس في الشمس وهو متظلل بصدقته، تظله من الشمس حتى يفصل بين الناس، يعني في أرض المحشر، في أرض المحشر. هذا من فوائد وفضائل الصدقة أنها تظل صاحبها يوم القيامة. ولهذا كان عقبة بن عامر راوي هذا الحديث لا يمر عليه يوم إلا ويتصدق، فإن لم يجد شيئا تصدق ببصلة، يأخذ بصلة من البيت، وإذا مر على أحد تصدق بها عليه. والإنسان لا يستحقر المعروف، «لا تحقرن من المعروف شيئا»، وفي حديث عدي بن حاتم: «فاتقوا النار ولو بشق تمرة، نصف تمرة تتصدق بها، فمن لم يجد فبكلمة طيبة». قال: الحديث الرابع والستون بعد السبع مئة، وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أيما مسلم كسا مسلما ثوبا على عري، على عري، يعني كان عاريا يحتاج إلى كسوة، كساه الله من خضر الجنة، وأيما مسلم أطعم مسلما على جوع، أطعمه الله من ثمار الجنة، وأيما مسلم سقى مسلما على ظمأ، سقاه الله من الرحيق المختوم». رواه أبو داود، في إسناده لين. نعم، فيه خالد بن عبد الرحمن المعروف بالدلاني، وهو صدوق يخطئ كثيرا، إلا أن الحديث معناه صحيح، ويشهد له كما قال العلامة ابن باز رحمه الله الآيات الكثيرة في الحث على طعام الطعام: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ إلى آخر الآيات. وهكذا أيضا حديث عائشة بقصة المرأة التي جاءت إليها ومعها ابنتاها، فأعطتهن ثلاث تمرات، فأكلت كل واحدة من ابنتيها تمرتها، فلما أرادت أن تأخذ تمرتها استطعمتها ابنتها، كل واحدة تقول: أعطيني، فشقت تمرتها بين ابنتيها، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم: «من ابتلي من شيء من هؤلاء البنات فأحسن إليهن كن له حجابا من النار». فيعني معنى هذا الحديث استحباب التصدق وإطعام الجائع وسقي العطشان، وأن ذلك فيه أجر عظيم، قد يكون إطعامه إياه سببا لأن يدخل الجنة، ويطعمه الله سبحانه وتعالى من طعام الجنة. وهكذا إذا سقى عطشانا فإنه يسقى بإذن الله من أنهار الجنة. وانظر إلى حديث أبي هريرة في قصة ذلك الرجل الذي سقى كلبا، سقى كلبا كان عطشان، نزل إلى البئر فشرب، فلما رأى الكلب يأكل الثرى من العطش نزع خفه وملأه ماء ثم سقاه، قال: «فشكر الله له فغفر له»، قالوا: يا رسول الله، إن لنا في البهائم أجرا؟ قال: «في كل ذات كبد رطبة أجر». رواه البخاري. إذا كان هذا في سقي كلب، حيوان، يشكر الله له هذا الفعل ويغفر له، فكيف بالإنسان؟ كيف بالإنسان؟ هذا بأولى أن يؤجر الساقي والمطعم أجرا عظيما. قال: الحديث الخامس والستون بعد سبعمئة، عن حكيم بن حزام رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، وخير الصدقة عن ظهر غنى، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغني يغنه الله». متفق عليه، واللفظ للبخاري. نعم، اليد العليا خير من اليد السفلى. قيل: اليد العليا هي اليد المتعففة عن السؤال، واليد السفلى السائلة. وقيل: اليد العليا هي اليد المعطية المتصدقة الباذلة، والسفلى هي الممسكة المانعة. وقيل: اليد العليا هي يد المعطي المتصدق، والسفلى يد السائل، وهذا هو قول جمهور أهل العلم، كما ذكر الحافظ رحمه الله، أن اليد العليا هي يد المتصدق، واليد السفلى هي يد السائل. فـ «اليد العليا خير من اليد السفلى»، فيه فضيلة الصدقة والإنفاق، وأن المتصدق والمنفق والباذل والمعطي يده على خير وعمله حسن، وفيه كذلك ذم المسألة، ذم المسألة، فـ «خير من اليد السفلى» وهي يد السائلة، والمسألة مذمومة، والأحاديث في ذلك كثيرة. نعم، إلا إذا اضطر الإنسان، يعني وصل إلى حد يخشى على نفسه الهلاك، فسأل، فالضرورات تبيح المحظورات. وأما من غير ضرورة، فلا شك أن هذا الأمر محرم، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من سأل الناس تكثرا فإنما يسأل جمرا، فليستقل أو ليستكثر». قال: «وابدأ بمن تعول»، يعني ابدأ بالصدقة بمن تعول، أي بمن تنفق عليهم، كالزوجة والأولاد والوالدين، ثم الأقرب فالأقرب، ابدأ أولا بزوجتك ثم بأولادك ثم بوالديك ثم الأقرب من الأقرب من أقاربك، هؤلاء أولى بالبذل والإعطاء. «وخير الصدقة عن ظهر غنى»، يعني خير الصدقة ما كان المتصدق يتصدق بشيء زائد عن ما يحتاج إليه، من تحت يده، قد أغنى أولاده وأغنى زوجته وأغنى أهله، فلا يتصدق بما يتيسر من مال الله سبحانه وتعالى. أما كون يتصدق مثلا ويحرم أولاده ما يحتاجون إليه من الأمور الضرورية، لا، هذا قطع، فالأولاد أولى، ومن تحت يدك أولى بذاك وإعطائك والإنفاق عليهم. «ومن يستعفف يعفه الله»، أي من يستعفف عن المسألة، ولو يحتاج، وتعفف، هذا خير له، يعفه الله، يعني يسد الله حاجته، ويقضي الله سبحانه وتعالى ما طلبه. «ومن يستغني يغنه الله»، يعني من يستغني بما أتاه الله ويقنع بذلك، يجعل الله عز وجل في قلبه القناعة والغنى، وهذا حقيقة الغنى، ليس الغنى كما قال الرسول عن كثرة العرض، لكن الغنى غنى النفس، أن يكون قانعا بما كتب الله جل وعلا له. قال: الحديث السادس والستون بعد سبعمئة، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما أن نتصدق، فوافق ذلك مالا عندي، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر، إن سبقته يوما، فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أبقيت لأهلك؟» قلت: مثله، يعني النصف. قال: وأتى أبو بكر بكل ما عنده، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أبقيت لأهلك؟» قال: أبقيت لهم الله ورسوله. قلت: لا أسابقك إلى شيء أبدا. رواه أبو داود وصححه الترمذي. هذا الحديث فيه أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يأمر الصحابة أحيانا بالصدقة، إذا سمع بقوم مثلا أتوا فقراء ومساكين وأراد أن يعينهم، حث الصحابة على الصدقة. فحث النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة على الصدقة في يوم من الأيام. قال عمر: فوافق ذلك مالا عندي، كان عندي مال، والصحابة رضي الله عنهم كانوا يتنافسون على الخير وعلى البر والطاعة، وأبو بكر رضي الله عنه كان سباقا إلى الخيرات، فقال عمر: اليوم أسبق أبا بكر، اليوم أسبق أبا بكر، على حسب ظنه رضي الله عنه، فأتى عمر بنصف ماله إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أبقيت لأهلك؟» قال: مثله، النصف. جاء أبو بكر رضي الله عنه بماله، فقال له عليه الصلاة والسلام: «ما أبقيت لأهلك؟» قال: أبقيت لهم الله ورسوله، ما ترك لهم شيئا، أتى بجميع ماله وتصدق به، فقال عمر: لا أسابقك إلى شيء أبدا، يعني ما كان يستطيع رضي الله عنه أن يسبق أبا بكر. وهذا الحديث فيه: أولا، جواز حث الناس على الصدقة، إن كان هناك حاجة للتصدق، مثلا على مسكين أو إعانة فقير أو مريض يحتاج إلى علاج، فلا بأس أن يحث الناس على الصدقة لإعانته، فهذا فعله النبي عليه الصلاة والسلام. وفيه كذلك حرص الصحابة رضوان الله عليهم على المسابقة في باب الخير والبر والطاعة والتنافس على ذلك، وهذا من التنافس المحمود، وتسابق المحمود، أن يتسابق المسلمون إلى الخيرات وفعل الطاعات، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، والله يقول: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾. وفيه أيضا جواز أن يتصدق الإنسان بماله كله، أن يتصدق الإنسان بماله كله، وتصدق بجميع المال، نقل القاضي عياض رحمه الله جوازه عن العلماء وأئمة الأمصار، أنهم أجازوا التصدق بالمال كله. وهذا كما قال بعض أهل العلم: إذا كان هذا المتصدق عنده صبر والتحمل للفقر، وليس له عيال، أو عنده عيال لكنهم كذلك يصبرون، وعنده من الثقة بالله سبحانه وتعالى وحسن الظن بالله ما يحمله على ذلك، فلا بأس أن يتصدق بماله كله، مثل أبي بكر، من كان حاله كحال أبي بكر رضي الله عنه، فلا بأس أن يتصدق بماله كله. وأما إذا كان ليس كذلك، ما عنده من الصبر على التحمل، ولا أولاده كذلك يصبرون، فهذا لا يتصدق بماله كله، يصدق بشيء ويترك لهم شيئا يسدون به حاجتهم، هذا أفضل في حقه، ويكره له في هذه الحال أن يتصدق بماله كله. طيب، نكتفي بهذا القدر. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. شكرا.