الدرس في كتاب الزكاة 4، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
استعرض المحاضر ثلاثة أحاديث تدل على وجوب الزكاة في الحلي من الذهب والفضة، وبيّن أن جمهور العلماء (مالك، الشافعي، أحمد) ذهبوا إلى عدم وجوب الزكاة في الحلي المعد للاستعمال لانتفاء وصف النماء، بينما خالفهم غيرهم فأوجبوا الزكاة استدلالاً بالأحاديث الصحيحة.
ناقش المقطع أدلة القائلين بوجوب الزكاة في الحلي الملبوس والعارية، مستندين إلى قول الإمام أبي حنيفة وعدد من الصحابة والتابعين والعلماء المعاصرين، مع الاستدلال بآيات الكنز وأحاديث العموم، والرد على حجة عدم النماء بأنها غير مطلقة.
أوضح المحاضر أن قول أكثر أهل العلم هو وجوب الزكاة في الحلي، بينما ذهب الظاهرية إلى عدم الوجوب وهو قول مرجوح، ثم شرع في ذكر الحديث الثالث والخمسين بعد السبعمائة الوارد عن أبي هريرة رضي الله عنه.
شرح المقطع حكم زكاة عروض التجارة المعرفة بأنها ما أُعد للبيع والشراء بقصد الربح، واشترط لوجوبها ملكية الاختيار ونية التجارة، وتُقوّم عند تمام الحول بقيمتها السوقية وتزكى بربع العشر (2.5%) إذا بلغت نصاب الذهب أو الفضة، وهو قول الجمهور مع وجود خلاف.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال المصنف: فقهه الله، الحديث التاسع والأربعون بعد السبعين: عن عمر بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم ومعها ابنة لها، وفي يد ابنتها مسكتان من ذهب، فقال لها: «أ تعطين زكاة هذا؟» قالت: لا، قال: «أ يسرّك أن يسورك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار؟» فألقتهما. رواه الثلاثة، وإسناده قوي، وصحه الحاكم من حديث عائشة. نعم، هذا الحديث صحيح، وسلسلة عمر بن شعيب عن أبيه عن جده سلسلة حسنة، جاء بها البخاري وغيره من الحفاظ. وحديث عائشة: أنها دخلت على النبي عليه الصلاة والسلام وفي يدها فتخات من ورق من فضة، قال: «ما هذا يا عائشة؟» فقالت: تصنعتُهن، أتزين لك بها يا رسول الله، قال: «أ تؤدين زكاتهن؟» قالت: لا، أو ما شاء الله، قال: «هو حسبك من النار». رواه أيضاً أبو داود والدارقطني. قال: الحديث الخمسون بعد السبعمائة: عن أم سلمة رضي الله عنها أنها كانت تلبس أوضاحاً من ذهب، فقالت: يا رسول الله، أكنزنه؟ يعني: هل يدخل في قول الله: ﴿الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾؟ أكنزنه؟ فقال: «إذا أديت زكاته فليس بكنز». رواه أبو داود، وصحه الحاكم، والحديث حسن. فهذه ثلاثة أحاديث: حديث عمر بن شعيب عن أبيه عن جده، وإن كان عند الترمذي من رواية فيها شيء من الضعف: طريق المثنى بن الصباح، ومن ابن لهيعة، ولهذا بعضهم ضعف الحديث لأجل هذا، لكن الحديث عند أبي داود من طريق حسين المعلم عن عمر بن شعيب عن أبيه عن جده، وهو ثقة، والحديث صحيح. وحديث عائشة، وحديث أم سلمة، عندنا ثلاثة أحاديث فيها دلالة على وجوب الزكاة في الحلي المستعمل، الزكاة في الذهب والفضة. اتفق العلماء على وجوب الزكاة فيها إذا كانت أثماناً، وغير معد للاستعمال، وأما الحلي الذي يعد للاستعمال، وهكذا العارية أيضاً، وقع فيها خلاف بين أهل العلم: هل تجب فيها الزكاة أم لا؟ امرأة معها ذهب تتجمل به، تتزين به، تلبسه ك الأساور مثلاً، والسلاسل أيضاً، غير ذلك مما تلبسه المرأة. فذهب جماعة من أهل العلم، بل قول الجمهور: قول الجمهور أنه لا زكاة في الحلي المستعمل. جمهور أهل العلم: مالك، والشافعي، وأحمد، أنه لا زكاة في الحلي المستعمل. لماذا؟ قالوا: لأنه لم يعد، يعني هذا الحلي المستعمل لم يعد للنماء، وإنما هو ك المركب الذي يركبه الإنسان، ك المسكن الذي يسكنه، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة». فالمال الذي لم يعد للنماء فلا زكاة فيه، كذلك هذا الذهب والحلي لم يعد للنماء، وإنما للاستعمال، فلا زكاة فيه. وضعفوا الأحاديث الواردة في الباب، وادعوا أنها ضعيفة، فذهبوا إلى عدم وجوب الزكاة. وذهب الإمام أبو حنيفة رحمه الله، وهو قول جماعة من أهل العلم، ورجح هذا القول جماعة من علماء المعاصرين: الشيخ ابن باز، وابن عثيمين، وهكذا أيضاً الشيخ الألباني، وشيخنا مقبل رحمهم الله، إلى وجوب الزكاة في الحلي الملبوس والعارية. وروي هذا القول عن جماعة من الصحابة: كعبد الله بن مسعود، وعمر بن الخطاب، وعائشة. بل قال الزهري: مضت السنة أن في الحلي زكاة، مضت السنة أن في الحلي زكاة، وهذا هو الصحيح. فهذه الأحاديث تدل على وجوب الزكاة في الحلي المستعمل. في حديث عمر بن شعيب: امرأة تأتي النبي عليه الصلاة والسلام ومعها ابنة لها، وفي يد ابنتها مسكتان من ذهب، قال لها: «أ تعطين زكاة هذا؟» قالت: لا، يعني: ما أزكيه، قال: «أ يسرّك أن يسورك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار؟» فألقتهما. دل هذا على أن الزكاة تجب فيها. فإن قيل: كما قالوا، قال الجمهور: كيف يعني مسكتان تجب فيهما الزكاة وهو قليل؟ فيجاب عن هذا بأن هاتين المسكتين ربما كانتا غليظتين، ومثل ذلك يعني يبلغ النصاب، يبلغ النصاب، وهو الظاهر على ما في ظاهر هذا الحديث. وهكذا حديث عائشة: لما قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «أ تؤدين زكاته؟» قالت: لا، قال: «حسبك من النار». وهكذا حديث أم سلمة: قال: «إذا أديت زكاته»، ولما قالت: «أ أكنز؟» يعني: هذا الأوضاح، أكنز؟ قال: «إذا أديت زكاته فليس بكنز». هذا منطوق الحديث، ومفهومه: أنه إذا لم تؤد زكاته كان كنزاً، كان كنزاً، ودخل في عموم قول الله: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ الآية. فالصحيح: وجوب الزكاة، وجوب الزكاة في الحلي المعد للاستعمال. ومما يدل على وجوب الزكاة فيها أيضاً مع هذه الأدلة الخاصة: عموم الأدلة في وجوب الزكاة في الذهب والفضة. الآية عندنا: ﴿الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، هذا يشمل المعد للاستعمال وغير المعد للاستعمال، داخل في هذا العموم أيضاً. حديث أبي هريرة في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي زكاة إلا إذا كان يوم القيامة صُفِّحَت له صفائح من نار». الحديث: «ما من صاحب ذهب ولا فضة»، وهذا من باب العموم، النكرة في سياق النفي تفيد العموم، يشمل الذهب المستعمل وغير المستعمل. وأما قولهم: بأن هذا الذهب المستعمل لم يعد للنماء، والزكاة لا تجب إلا في ذلك، فيقال: هذا ليس على إطلاقه. فلو أن إنساناً جمع مالاً لأجل الزواج، أو لأجل الحج، أولا ما يعده للنماء، إنما يجمع ليحفظه حتى يبلغ به مقصوده، هل تجب فيه الزكاة؟ الجواب: سيقولون نعم. إذن هذا القول مردود. فلهذا القول الصحيح كما سمعتم: هو وجوب الزكاة في الحلي المعد للاستعمال. قال: الحديث الحادي والخمسون بعد السبعمائة: عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي نعده للبيع. رواه أبو داود، وإسناده ضعيف، نعم فيه حبيب بن سليمان، قال: «الذهب لا يعرف». قال: الحديث الثاني والخمسون بعد السبعمائة: عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «ليس في العروض زكاة إلا ما كان للتجارة». رواه البيهقي، وهذا الأثر صحيح عن ابن عمر. حديث سمرة بن جندب استدل به أهل العلم على وجوب الزكاة في عروض التجارة، وهو إن كان ضعيفاً، لكن قول أكثر أهل العلم، الجمهور، العلماء، وبعضهم بنقل الإجماع، كابن المنذر رحمه الله وغيره، على وجوب الزكاة في عروض التجارة. والمراد بعروض التجارة: هو كل ما أعد للبيع والشراء، كل ما أعد للبيع والشراء من الأمتعة، مثل: أواني، أو أراضي، أو سيارات، أو غير ذلك، فإنه تجب فيه الزكاة. ومما يدل على أن الزكاة تجب فيها: أن هذه العروض المقصود منها هو حصول المال، الحصول على المال. هذا الذي يعرض الأرض للبيع، ماذا يريد؟ يريد المال، يريد القيمة. الذي يعرض السيارة للبيع، الذي يعرض هذه الثياب مثلاً، أو الأطعمة، هو يريد قيمتها، يتحصل على القيمة. فكانت العروض في الحقيقة هي عبارة عن أموال، يعني: تباع وتشترى، هي عبارة عن بضاعة، لكن المقصود منها قيمتها. وإذا قيل بعدم وجوب الزكاة فيها، لكان في هذا ذهاب كثير من الأموال من غير أن تزكى، ذهاب كثير من الأموال من غير أن تزكى. ووجوب الزكاة في عروض التجارة، كما ذكر أهل العلم، لا بد من شرطين: الشرط الأول: أن يمتلك الإنسان هذا المال بنفسه، يعني: ببيع، أو شراء، أو هبة، ونحو ذلك، يعني: لا يدخل المال إليه قهراً ك الإرث مثلاً، الإرث يحصل عليه الإنسان بغير اختياره. والشرط الثاني: أن ينوي أنه للتجارة، أن ينوي أنه للتجارة. فلو ملك إنسان أراضي أو سيارات أو غير ذلك، وما نوى أنها للتجارة، لا تكون عروض تجارة إلا إذا نوى أنها للتجارة. فإذا اشترى مثلاً أراضي وعقاراً، ونوى أنه للتجارة، يريد أن يبيع ويشتري ويربح، فهذه فيها زكاة عروض التجارة. هكذا من عنده مثلاً محل يبيع قطع غيار مثلاً، أو مواد غذائية، أو ثياب، أو أواني، إلى آخره، فهذه عروض تجارة، والآن يعرضها للبيع والشراء. فكيف تزكى عروض التجارة؟ عروض التجارة تُقوَّم في آخر السنة إذا مر عليها حول، يجمع ما عنده من البضاعة ويخرج منها إذا بلغت النصاب، ينظر: هل تبلغ النصاب؟ يعني: نصاب الفضة لأنها الأقل، أو نصاب الذهب. إذا بلغت نصاب الذهب زكاها بنصاب الذهب، وإن لم تبلغ نصاب الذهب وبلغت نصاب الفضة زكاها بنصاب الفضة، ويخرج منها ربع العشر، يخرج منها ربع العشر. يحسب البضاعة التي عنده بقيمتها في اليوم، يوم الزكاة، لا بقيمة الشراء، يعني: بقيمة البيع، ينظر كم قيمتها، ثم يخرج منها ربع العشر، هذه زكاتها. طبعاً هذا قول، كما سمعتم، قول أكثر أهل العلم، والمسألة فيها خلاف، المسألة فيها خلاف في مسألة عروض التجارة. هذا قول جمهور العلماء، وذهب الظاهرية إلى عدم وجوب الزكاة فيها، وقول مرجوح، لكن كما سمعتم: قول أكثر أهل العلم على وجوب الزكاة فيها. قال: الحديث الثالث والخمسون بعد السبعمائة: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه