الدرس في تنوير البرية بالدروس والفتاوى الرمضانية 9، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول المقطع الأول مسائل حول النية في الصيام وتأثير تبييتها لمن بلغه خبر رؤية هلال رمضان، ويشرح آراء العلماء في هذه المسألة.
إذا قطع الصائم نيته في نهار رمضان، يبطل صومه عند أكثر العلماء، مع اختلاف في الإثم بين المعذور وغيره.
نية الصيام محلها القلب وليست بالجهر، ويُستحب ذكرها لتعزيز الوعي وتجنب النسيان.
يشرح المقطع الصيغة الصحيحة للرد على من يسب أو يشتم الصائم بقول "إني صائم" دون إضافة "اللهم إني صائم".
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. بعد، هنا مسائل ذكرها مؤلف عن بعض العلماء في مسألة النية. قال من فتاوى العلماء: سئل العلامة الألباني: ما حكم تبييت النية من النهار في رمضان؟ من بلغه الخبر بأن هلال رمضان رُؤية بارحة؟ قال رحمه الله: إن من وجب عليه الصوم نهارًا، كالمجنون يفيق والصبي يحتلم والكافر يسلم، وكمن بلغه الخبر بأن هلال رمضان رُؤية بارحة، فهؤلاء يجزئهم النية من النهار عين الوجوب، ولو بعد أن أكل أو شرب. تكون هذه الحالة مستثناة من قوله صلى الله عليه وسلم: «من لم يجمع الصيام من الفجر فلا صيام له». وإلى هذا ذهب ابن حزم وغيره من المحققين. فالذي الصبي إذا احتلم، والكافر إذا أسلم، والمجنون إذا أفاق، وكذلك من بلغه الخبر في نهار رمضان، فهذا يصوم، وصيامه صحيح، يصوم، وصيامه صحيح، ولو أكل أو شرب، ولو أكل أو شرب. فإنه يصوم كما قال الشيخ. وسئل الشيخ لتيمين النية الجازمة الفطر دون أكل أو شرب، هل يفطر بها الصائم؟ فأجاب بقوله: من المعلوم أن الصوم جامع بين النية والترك، فينوي الإنسان بصومه التقرب إلى الله عز وجل بترك المفطرات. وإذا عزم على أنه قطعه فعلًا، فإن الصوم يبطل. ولكنه إذا كان في رمضان يجب عليه الإمساك حتى تغيب الشمس؛ لأن كل من أفطر في رمضان لغير عذر، لزمه الإمساك والقضاء. وأما إذا لم يعزم، ولكن تردد، فهناك خلاف بين العلماء. منهم من قال: إن صومه يبطل؛ لأن التردد ينافي العزم. ومنهم من قال: إنه لا يبطل؛ لأن الأصل بقاء النية حتى يعزم على قطعها وإزالتها. وهذا هو الراجح عندي لقوته. هناك مسألتان في مسألة النية، وهما مصاحبة النية وذكر النية. فمصاحبة النية شرط من شروط الصيام، لابد أن يصاحب النية معه في اليوم كله. فإن قطعها فإنه يبطل الصيام عند أكثر العلماء. بل بعضهم يذكر جزمًا، إذا قطعها جزمًا. قال: سأفطر، مثل إنسان مريض، فعزم على أنه يفطر خلاص، نوى الإفطار. ثم لما أراد أن يأكل قال: سأتم صومي. هنا النية قد انقطعت. انقطعت بماذا؟ بجزمه النية قطعت بجزمه بالإفطار. وهو معذور لأنه مريض. لهذا إذا عزم وجزم بالنية لقطع الصيام فإنه يفطر بذلك. كذلك أيضًا إذا كان مسافرًا فهو معذور. كذلك إذا أراد أن يفطر وعزم على الإفطار فيعتبر يفطر، وإن لم يأكل شيئًا. لكن من فعل ذلك في نهار رمضان وهو ليس معذورًا، فأيضًا صومه باطل، لكنه آثم. سئل رجل مسافر قاطع في رمضان، نوى الفطر ثم لم يجد ما يفطر به، ثم عدل عن نيته وأكمل الصوم إلى المغرب. فما حكم صومه؟ فأجاب بقول: صومه غير صحيح، يجب عليه القضاء؛ لأنه لما نوى الفطر أفطر. والصحيح كما قلنا: أنه إن كان مسافرًا معذورًا، والمسافر إذا أفطر يقضي كما قال الله عز وجل: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. لكن إذا لم يكن مسافرًا وليس عنده عذر للإفطار، فهذا آثم، وليس عليه قضاء، بل عليه التوبة. أما لو قال: إن وجدت ماءً شربته، وإلا فأنا على صومي، ولم يجد الماء، فهذا صومه صحيح؛ لأنه لم يقطع النية، ولكنه علق الفطر على وجود الشيء، ولم يوجد الشيء، فيبقى على نيته الأولى. فإن كان نيته على التعليق، فهذا ليس جزمًا. لكن من جزم ثم لم يجد ما يأكله، فهذا نيته قد انقطعت. أنا قلت خلاص سأفطر، لكن بحث عن طعام فلم يجد شيئًا، فهذا يعتبر مفطرًا. بخلاف من علق فطره على وجود الطعام، يقول مثلًا: يجد نفسه مريضًا يحتاج إلى طعام، يقول: إن وجدت طعامًا أكلت أفطرت، وإلا سأبقى صائمًا. فهذا علق نيته وتردد، والصحيح أن صيامه صحيح. وسئل الشيخ مقبل رحمه الله: هل هناك فضل لنية الصيام؟ وهل يجوز الجهر بها؟ وهل هناك أدعية عند الإفطار؟ وهل يجوز الجهر بها؟ قال: ليس هناك فضل لنية الصيام؛ لأن النية محلها القلب. والصحيح أنه لا يجهر بها في شيء من العبادات، حتى في الحج فرق بين الإهلال والنية في الحج. يرفع صوته بالإهلال، يقول: لبيك اللهم عمرة، هذا إهلال وليس نية. النية تكون في القلب. ولهذا العلماء يفرقون بين الإحرام وبين النية، فالنية شرط، والإحرام واجب، أو الإهلال بالإحرام واجب، والنية شرط من شروط الحج. قال: القائلون بأنه يجهر في الحج لم يأتوا بدليل. لما جاء أن الذي قال: لبيك عن شبرمة، فعن شبرمة يحتمل أنه أحج عن شبرمة، والحج معنى القصد، يحتمل أنه نوى عن شبرمة. فيقال كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. وأما الأدعية، فمنها ما ثبت حديث: «ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله». والذي يظهر أنه لا يكره حديث في الدعاء بخصوصه بخصوص الفطر. وإلا فقد ثبت أن دعوة الصائم مستجابة عند فطره. فأنت تدعو الله بالمغفرة، وأن يشفيك، وإلى ما تحتاج إليه من الأمور. فخلاصة الأمر أن النية محلها القلب، والنية لابد أن تكون مصاحبة للعبادة، يعني الصيام لابد أن يصاحبه النية من الفجر إلى المغرب. وأيضًا كذلك أما ذكر النية، ذكر النية مستحب، ليس واجب. ذكر النية مستحب عندما تذكر أنك صائم. ولهذا حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أن الإنسان إذا رأى أنه سيخدع بصومه، يذكر نفسه أنه صائم. وما جاء في الحديث الصحيح: «فإن شاتم فإن سابه أحد أو شاتمه فليقل إني صائم، إني صائم». وجاء في رواية مسلم: «إني امرؤ صائم». ولم يأت: «اللهم إني صائم»، وإنما «إني صائم»، «إني صائم»، أو «إني امرؤ صائم».