الدرس في باب غزوة أحد من صحيح البخاري 5، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول المقطع تفسير الإمام البخاري للآية الكريمة حول تولي بعض الصحابة يوم أحد، ويبرز قصة عثمان بن عفان كدليل على عفو الله عنهم. كما يشير إلى أسباب تغيب عثمان عن بعض الأحداث الهامة مثل غزوة بدر وبيعة الرضوان.
يفسر المقطع الآية الكريمة التي تتحدث عن نزول النعاس على المسلمين بعد الغم في غزوة أحد، ويظهر رحمته تعالى بعباده بتقديم الطمأنينة لقلوبهم بعد المحنة. كما يشير إلى انشغال بعض المسلمين بمصالحهم الشخصية في ذلك الوقت.
يختتم المتحدث الدرس بالإشارة إلى أنه سيذكر الأحاديث ذات الصلة في درس لاحق، ويعبر عن اكتفائه بالمحتوى الحالي، مع التأكيد على أن الله تعالى أعلى وأعلم. كما يشير إلى بعض النقاط الهامة التي سيتم تناولها في الدروس القادمة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾. قال: حدثنا عبدان، وهو عبد الله بن عثمان بن جبلة، قال: أخبرنا أبو حمزة، وهو أبو حمزة السكري محمد بن ميمون السكري -وقيل له سكري؛ لأنه قيل: إن كلامه مثل السكر؛ لأن كلامه حلو وطيب-، قال: عن عثمان بن موهب، قال: جاء رجل حج البيت فرأى قومًا جلوسًا، فقال: من هؤلاء القعود؟ قالوا: هؤلاء قريش، قال: من الشيخ؟ قالوا: ابن عمر، قال: فعاتبه، فقال: إني سائلك عن شيء، أتحدثني؟ قال: أنشدك بحرمة هذا البيت، أتعلم أن عثمان بن عفان فر يوم أحد؟ قال: نعم، قال: فتعلم أنه تغيب عن بدر فلم يشهدها؟ قال: نعم، قال: فتعلم أنه تخلف عن بيعة الرضوان فلم يشهدها؟ قال: نعم، قال: فكبر -أي قال: الله أكبر-، قال ابن عمر: تعال لأخبرك ولأبين لك عما سألتني عنه، أنا لا تذهب وتفرح بهذا الكلام، تعال أخبرك ما هذا الذي حصل وما هي الحقيقة. قال: أما فراره يوم أحد، فأشهد أن الله عفا عنه، الله عز وجل قد عفا عنهم، فلماذا أنت تعيب عثمان وقد عفا الله عز وجل عنهم؟ وهذا خير عظيم، أن الله عز وجل قد عفا عنهم، كيف تعيب عليهم وربنا جل وعلا قد عفا عنهم؟ والعفو كما قلنا هو المحو، كأنه لم يحصل منهم شيء. قال: وأما تغيبه عن بدر، فإنه كان تحته بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت مريضة -أي رقية بنت النبي عليه الصلاة والسلام كانت مريضة-، فلهذا لم يخرج مع النبي صلى الله عليه وسلم، وأيضًا زد على ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يخرج للحرب في بدر، وإنما خرج لأن يعترض العير، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «إن لك أجر رجل ممن شهد بدر وسهمه». قال: وأما تغيبه عن بيعة الرضوان، فإنه لو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان بن عفان لبعثه مكانه، فبعث عثمان، وكانت بيعة الرضوان بعدما ذهب عثمان إلى مكة. وسبحان الله، انظر إلى أهل البدع كيف يتصيدون الأمور، وإن كانت ليست غلطًا، وليس خطأ عثمان، لما تغيب عن بيعة الرضوان لم يتغيب إلا لأنه معنى ما قامت بيعة الرضوان إلا لأجل عثمان، بيعة الرضوان كلها ما قامت إلا لأجل عثمان. قال ابن عمر رضي الله عنه: فلو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان بن عفان لبعثه مكانه، فبعث عثمان، وكانت بيعة الرضوان بعدما ذهب عثمان إلى مكة، فقال النبي عليه الصلاة والسلام بيده اليمنى: «هذه يد عثمان»، معنى جعلها اليمنى عن باب التشريف لعثمان، قال: «هذه يد عثمان»، فضرب بها على يده، فقال: «هذه يد عثمان». قال: باب ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. سبحان الله، ربنا جل وعلا لطيف بعباده ورحيم بهم، مع أنه سبحانه وتعالى كما ذكرنا قبل يؤنبهم على ما فعلوا، إلا أنه يتلطف بهم، وأيضًا يعزيهم على ما أصابهم. قال: حدثني عمر بن خالد -وهو العسكري-، قال: حدثنا زهير -وهو ابن معاوية-، قال: حدثنا حصين -وهو ابن عبد الرحمن السلمي-، قال: سمعت البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه، قال: جعل النبي صلى الله عليه وسلم على الرجالة يوم أحد عبد الله بن جبير. قال: باب ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. فهذه البشارة الأخرى والطمانينة الأخرى التي أعطاهم إياها ربنا جل وعلا، وهو رحيم بعباده، بعدما أعلمهم أن النبي صلى الله عليه وسلم حي، وعلموا أن النبي صلى الله عليه وسلم لا زال في الحياة، وتنشطوا وقاتلوا، ونسوا ما حصل من قتل بعضهم والفشل الذي حصل لهم، جاء الله عز وجل لهم بشيء أيضًا حتى تطمئن قلوبهم. قال: ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة النعاس، أمنة أي نعاس، أمان على قلوبكم، وطمانينة، هذا النعاس يكون أمنة لقلوبكم. فقال جل وعلا: ﴿يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ﴾، ليس كلهم هذا النعاس لم يغشى كل من كان في جيش الإسلام وجيش النبي عليه الصلاة والسلام، إنما طائفة، ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾، هؤلاء كما سيأتي في حديث أنس أنهم بعض المنافقين الذين ما همهم إلا أنفسهم. فإن شاء الله تعالى نذكر الأحاديث في درس لاحق، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلى وأعلم.