باب غزوة أحد من صحيح البخاري 6

الدرس في باب غزوة أحد من صحيح البخاري 6، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تفسير آية النعاس أمنة بعد الغم في غزوة أحد

يشرح المقطع نزول آية النعاس في غزوة أحد كأمينة وطمأنينة للمؤمنين بعد الغم والخوف، مستشهداً برواية أبي طلحة عن سقوط سيفه من النعاس. كما يشير إلى وجود المنافقين في هذه الغزوة على عكس بدر.

نزول آية ليس لك من الأمر شيء في غزوة أحد

يتناول المقطع سياق نزول آية ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ بعد إصابة النبي ﷺ ودعائه على المشركين، مبيناً أن الأمر كله لله تعالى. ويذكر دعاء النبي على رؤساء قريش وإسلامهم لاحقاً في فتح مكة.

فضل أم سليط وأم سليم وتوقير عمر لأهل السبق

يروي المقطع قصة عمر بن الخطاب في إيثار أم سليط بمرط لفضلها في سقي الجرحى يوم أحد، وشجاعة أم سليم بحملها الخنجر للدفاع عن النبي ﷺ. ويبرز اقتداء عمر بهدي النبي في تكريم ذوي السبق من الصحابة.

حق أهل الفضل ومعرفتهم وخاتمة الدرس

يشير المقطع إلى أن أهل الفضل يدركون حقوق نظرائهم ولا يقدر الفضل إلا أهله. ويختتم المتحدث الحديث مكتفياً بما ذُكر مستعيناً بالله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال البخاري رحمه الله تعالى: «باب: ﴿ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِّنكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الْأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُم لَّبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾». فقلنا: إن هذه الآية أنزلها الله عز وجل في هذه الغزوة، غزوة أحد، عندما أصابهم الغم؛ غم عدم أخذ الغنيمة، وغم أيضًا الفشل أو غلبت الكفار. فأولًا فرج الله عز وجل عليهم وسلاهم بأن النبي عليه الصلاة والسلام لا يزال حيًا، ثم بعد ذلك ألقى عليهم النعاس. ألقى على طائفة من أهل الإيمان في تلك الغزوة النعاس، وهو بداية النوم. حتى جاء في حديثه بالبخاري وغيره: حتى أن أحدنا لا يصل ذقنه إلى صدره، ينعس ذقنه إلى صدره من النعاس في ذلك الموقف الشديد، في ذلك الموقف العصيب، عندما تجمع الكفار خاصة عند النبي عليه الصلاة والسلام. فألقى الله عز وجل النعاس ليبين لهم أن الأمر له سبحانه وتعالى، وإلا فالأصل أن النعاس في ذلك الوقت لا يأتي. وأيضًا كذلك إذا حصل النعاس لشخص فهذه مهلك له، سيقتل، لكن لأن الأمر كله من الله والأمور بيده جل وعلا بتصريفه، لهذا ألقى عليهم النعاس. وأيضًا لم يقتل أحد منهم في ذلك النعاس، بل كان طمأنينة لقلوبهم، وانشراح لصدورهم، وثبات أيضًا لهم، ثبات في ذلك الوقت. ﴿ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِّنكُمْ﴾، فلهذا ثبت الله عز وجل هذه القلوب. ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾. قال: وقال لي خليفة، يقول البخاري: «وقال لي خليفة: حدثنا يزيد بن زريع» - وهو أبو معاوية البصري - «قال: حدثنا سعيد» - وهو ابن أبي عروبة، ويزيد بن زريع ممن روى عنه قبل الاختلاط. سعيد بن أبي عروبة اختلط سنة 145، ويزيد ممن روى عنه قبل - «قال: حدثنا سعيد عن قتادة». وسعيد من أحفظ الناس لحديث قتادة، حفاظ أصحاب قتادة: سعيد، وشعبة، وهشام. «قال: عن قتادة عن أنس عن أبي طلحة» رضي الله عنه، زيد بن سهل النجاري الأنصاري، أحفظ النجار من الخزرج، الخزرجي الأنصاري، وهو زوج أم سليم أم أنس. «قال: عن أبي طلحة: كنت فيمن يغشاه النعاس يوم أحد، حتى سقط سيفي من يدي مرارًا، يسقط وآخذه، ويسقط فآخذه». وقلنا: إن ذلك الوقت كانوا وهم محيطون بالنبي عليه الصلاة والسلام. فيقول أبي طلحة: «كنت فيمن يغشاه النعاس يوم أحد، حتى سقط سيفي من يدي مرارًا»، حتى السيف يسقط من أيديهم. «قال: وآخذه، ويسقط فآخذه». وهذا كما قلنا نعمة من الله جل وعلا عليهم، أزال عنهم الغم، أزال عنهم الغم الذي غمهم من تلك، أو من ذلك القتل الذي قتل به، أو الذي قتل فيه بعض أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام في تلك الغزوة. فأنزل الله عز وجل عليهم النعاس بعد الخوف وبعد الفزع الذي أصابهم، لأنه كما قلنا: لما جاء المشركون من خلفهم، صاروا في الوسط، فلم يتوقعوا أن الكفار يأتونهم من خلف، لهذا صاروا في فزع، حتى أنه كما وصفهم الله عز وجل: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾. ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ﴾ كما ذكرنا قبل: أي تهربون، وأيضًا تجدون لكم مكانًا حتى لا يدرككم هؤلاء أهل الشرك. فلهذا بعد هذه، بعد هذا الفزع وبعد هذا الغم، أنزل الله عز وجل نعاسًا عليهم. هذا النعاس يوطئ قلوبهم، وأيضًا يطمئن ويثبت قلوبهم. فقال: «كنت فيمن يغشاه النعاس يوم أحد، حتى سقط من يدي السيف، من يدي يسقط وآخذه، ويسقط فآخذه». ثم قال: «باب: ليس لك من الأمر شيء، أو يتوب عليهم، أو يعذبهم فإنهم ظالمون». معنا هذه الغزوة وجد فيها بعض المنافقين، ليس مثل بدر، غزوة بدر لم يوجد فيها أحد من المنافقين، وأما هذه الغزوة وجد فيها، وخرج أيضًا مجموعة منهم قبل أن يأتوا إلى أحد، خرج بهم أبي، أقصد عبدالله بن أبي، خرج بمجموعة من الجيش، فلم يقاتل، بل كاد كما قال الله عز وجل: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾، أي تفشل مثل ما فشل أولئك، وخرجوا من الجيش. فكانت أيضًا بعض القبائل من الأنصار همت أن تفشل، أن يخرجوا من الحرب، أي أنهم لا يحاربوا، وهم بنو سلمة وبنو حارثة، لكن الله عز وجل سلمهم من ذلك، وقال الله عز وجل: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ كما تقدم قبل. ثم أيضًا وجد من هؤلاء أيضًا من المنافقين أيضًا في الصفوف، وهم الذين زعزعوا بعض الصفوف، ونشروا أيضًا بعضهم، نشروا أن النبي عليه الصلاة والسلام قد قتل. وهؤلاء أيضًا الذين عناهم الله عز وجل في الآية التي ذكرناها: ﴿يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الْأَمْرِ مِن شَيْءٍ﴾، ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾، ليس لأحد شيء، بل نبينا عليه الصلاة والسلام يمشي بأمر ربه جل وعلا، وأيضًا يتلقى غامره من الله. ثم قال الله عز وجل، أو قال المؤلف: «باب: ليس لك، في قول الله جل وعلا: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾». قال: «هميد وثابت، قال: قال حميد وثابت عن أنس: شج النبي عليه الصلاة والسلام يوم أحد، فقال: كيف يفلح قوم شجوا نبيهم؟ فنزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾». هذا حصل في غزوة أحد، فالنبي عليه الصلاة والسلام لقى من الأذى في أحد، فشج رأسه، جاءت الشجة في وجهه صلى الله عليه وعلى وسلم، وكسرت أو هشمت بيضته، هشمت بيضته: أي الحديد الذي كان فيه، وأيضًا كسرت رباعيته، رباعية الضرس الذي بعد الثنية، كسرت رباعيته عليه الصلاة والسلام. قال: «كيف يفلح قوم شجوا نبيهم؟» قال: «فنزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾». أنا هذا الأمر لله عز وجل، وهذا الذي حصل لك إنما من الله سبحانه وتعالى. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام شاء عنه أيضًا في حديث عبد الله المسعود، أنه إما بعد نزول هذه الآية كما قال بعض العلم، أو أنها قبلها، لما شج في وجهه، فكان يمسح الدم عن وجهه ويقول، ويتذكر نبيًا من أنبياء الله أدماه قومه وهو يقول: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون، اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون». معنا: أصابه ما أصابه ثم يدعو لهم، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يتمثل أو يتذكر قول هذا النبي من أنبياء الله جل وعلا، إذ أدماه قومه، كما جاء في الصحيحين في حديث عبد الله المسعود. فحصل من النبي عليه الصلاة والسلام هذا، وهذا، إما أن يكون قال هذا أولًا ثم قال المقالة التي ذكرها المسعود، أو أنه قاله في وقت واحد، أو قالها قبل. فالأمر لم يأتِ ما يدل على أن هذا قبل أو بعد، لهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «هذا كيف يفلح قوم شجوا نبيهم؟» وهذا صحيح، لكن أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يبين له أن هذا الأمر لله عز وجل، ناحية فلاحهم هذا عند الله سبحانه وتعالى. قال: «وقال: حدثنا يحيى بن عبد الله السلمي، قال: أخبرنا عبد الله» - وهو ابن المبارك - «قال: أخبرنا معمر عن الزهري، قال: حدثني سالم» - عن أبيه سالم بن عبد الله بن عمر - «عن عبد الله بن عمر» رضي الله تعالى عنهما، «أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وعلى سلم، إذ رفع رأسه من الركوع، من الركعة الآخرة من الفجر، يقول: اللهم العن فلانًا وفلانًا وفلانًا، بعدما يقول: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد. فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾». وقال: «وقال: وعن حميد بن أبي سفيان، وعن هذا مرسل، قال: سمعت سالم بن عبد الله يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وعلى سلم... أم هذا معلق؟ والحديث مرسل. قال: يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وعلى سلم يدعو على صفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، والحارث بن هشام. فنزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾». وهؤلاء ثلاثتهم قد أسلموا: صفوان بن أمية أسلم في الفتح، وكذلك سهيل والحارث، كلهم من مسلمة الفتح. فكان النبي عليه الصلاة يدعو عليهم كما قال سالم. وجاء في حديث أبي هريرة أنه كان يدعو على كبار كفار قريش، ولكن ذاك الظاهر قبل بدر، لأنهم قد قتلوا في بدر. وأيضًا جاء في حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلعن قريشًا: «اللهم العن قريشًا، اللهم عليك بهم، اللهم اجعلها عليهم سنين كسنين يوسف». وهنا سمى هؤلاء كما جاء في حديث سالم، لكنه كما قلنا مرسل، وجاء موصولًا من طريق أخرى. قال: «قال: كان رسول الله صلى الله عليه وعليه وسلم يدعو على صفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، والحارث بن هشام، فنزلت هذه الآية». وأيضًا في حديث عبد الله بن عمر أنها نزلت في هذا، وفي حديث أنس أنها نزلت في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «كيف يفلح قوم شجوا نبيهم؟». وهذا عند العلماء أنها كلها صحيحة، وقد يكون سبب النزول هذا تكرر، سبب نزول هذه الآية تكرر، فنزلت بهذه الأسباب، أو هذه الأسباب كلها سبب نزول هذه الآية. وهذا إما أن يكون تلقوه عن النبي عليه الصلاة والسلام، أي الصحابة، أو أنه عرفوه من الحال، عرفوه من الحال أنه حصل كذا وكذا فنزلت هذه الآية، كما قد بيّن ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مقدمة أصول التفسير. قال رحمه الله: «باب ذكر أم سليط». قال: «حدثنا يحيى بن معين، قال: حدثنا الليث عن يونس عن ابن شهاب، وقال: فعلبة بن أبي مالك» - ما نقول الزهري - «قال: فعلبة بن أبي مالك: إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قسم مروطًا بين نساء من نساء أهل المدينة. المروط: اللحاف الذي تلبسه النساء وتلتحف به النساء. قال: فبقي منها مرط جيد، فقال له بعض من عنده: يا أمير المؤمنين، أعطِ هذا بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم التي عندك. يريدون أم كلثوم بنت علي، والنبي عليه الصلاة والسلام. فأوقأ عمر، أقصد: تزوج أم كلثوم، وهي بنت علي، وليست من فاطمة، أقصد أنها من فاطمة. أم كلثوم بنت علي، وهي أصغر من الحسن والحسين، فكانت عند عمر، خطبها عمر رضي الله عنه من علي، فزوجه إياها، وكانت صغيرة، لكن عمر رضي الله عنه كان أراد أن يتزوج في بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فرضي بذلك علي رضي الله عنه وزوجه». فقال له من عنده: أي قال لعمر: «أعطِ هذا المرد بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم التي عنده». يريدون أم كلثوم بنت علي. فقال عمر: «أم سليط أحق به، أم سليط أحق به». قال: «وأم سليط من نساء الأنصار ممن بايع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم». قال عمر: «فإنها كانت تزفر لنا القرب يوم أحد». تقدم في حديث أبي طلحة: أن عائشة بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنها، وأم سليم رضي الله تعالى عنهن، كنا نحمل القرب إلى المرضى ويشربونهم الماء. وكانت التي تزفر القرب هي أم سليط. تزفر: معنى تأخذ من البئر الماء ثم تأخذه عائشة وأم سليم وتشرب الجرحة الذين جرحوا في أحد. وهذا يدل على شجاعة هؤلاء النساء رضي الله تعالى عنهن، وكذلك تفانيهن رضي الله تعالى عنهن. فخرجنا في أحد: عائشة رضي الله عنها، وأم سليم، وكانت معها خنجر، كانت أم سليم معها خنجر، فرآها النبي عليه الصلاة والسلام وقال: «يا أم سليم، ما هذا الخنجر؟» قالت: «يا رسول الله، إذا قرب مني المشرك بقرت بطنه، وأنا طعنته في بطنه، إذا قرب مني المشرك بقرت بطنه». فكنا... فكنا نساء صدق، فكنا يعاون أيضًا أهل الرجال في تلك الغزوة. فحضر بعض النساء كعائشة وأم سليم وأم سليم وغيرهم، فكانت أم سليم تزفر القرب. فذكر ذلك لها عمر رضي الله عنه، ذكر هذا الأمر وهذه الفضيلة لها، فقال: «هذا إنها كانت تزفر لنا القرب يوم أحد»، فأعطاها ذلك المرد، فأعطاها ذلك المرد. وعمر رضي الله عنه يذكر مثل هذه الأشياء للناس، مثل ما كان يفعل النبي عليه الصلاة والسلام. فكان النبي عليه الصلاة والسلام يرحم أم سليم وأختها أم حرام. فلما قيل له قال: «إن أخاهم قد مات معي وأنا أرحمه». ما أنا يريد بأخاهم: حرام بن ملحان رضي الله تعالى عنه، وكان من القراء، من حفاظ القرآن، وقتل في بئر معونة، قتل رضي الله تعالى عنه في بئر معونة، وهو الذي قال لما طعنه ذلك المشرك: «فزت ورب، ورب الكعبة»، قال: «فزت ورب الكعبة». فكان أخوهم، أي أخا أم سليم وأم حرام، قتل في تلك الغزوة، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يرحم، يرحم، يرحمهما. وهكذا كان يفعل عمر رضي الله عنه، فكان يقرب مثل هؤلاء الذين لهم سبق. حتى أنه جاءته امرأة فقالت له: إني بنت فلان بن فلان، وكان هذا الرجل صحابي، وهو الذي فتح للناس في خيبر، فذكر له النبي عليه الصلاة ذلك، أو ذكر عمر له ذلك، فأكرمها عمر رضي الله عنه إكرامًا لأبيها، إكرامًا لأبيها. وهكذا أهل الفضل يعرف لهم حقهم، أهل الفضل مثلهم، فلا يعرف الفضل لأهل الفضل إلا ذوه. هذا ما يذكر في هذا المقام، إن شاء الله نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.