تذكير المؤمنين بفضل التفقه في الدين

الخطبة بعنوان تذكير المؤمنين بفضل التفقه في الدين، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 22 شوال 1444هـ الموافق 12 مايو 2023م ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

فضل العلم ومكانته في الإسلام

تستعرض الخطبة مكانة العلم العظيمة في الإسلام مستندة إلى آيات قرآنية وأحاديث نبوية، مبينة أن العلم يرفع درجات أهله عند الله ويميزهم عن الجاهلين. كما يوضح أن الله أباح أكل الجوارح المعلمة تفضيلاً للعلم على الجهل.

فضل العلم وآثاره في الدنيا والآخرة

تبين الخطبة شرف العلم وكونه سبباً لصلاح الدنيا والآخرة مستدلاً بأحاديث نبوية وآيات قرآنية. وتذكر أن العالم وطالب العلم تستغفر لهما المخلوقات وأن العلم ميراث الأنبياء وحظ وافر لمن أخذه.

فضل طلب العلم والتحذير من ذهاب العلماء

يؤكد المقطع أن التفقه في الدين من أعظم علامات الخير التي يريدها الله للعبد مستدلاً بالحديث النبوي. ويحذر من أن الدنيا ملعونة إلا ذكر الله وعالماً أو متعلماً داعياً إلى اغتنام مجالس العلم قبل ذهاب العلماء.

دعاء ختامي للاستغفار والهداية

يتضمن المقطع دعاءً يطلب فيه العبد من الله أن يعلمه ما يجهل وينفعه بما علم ويجعل علمه حجة له لا عليه. كما يسأل الله الحسنة في الدنيا والآخرة والوقاية من عذاب النار ويختتم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. عباد الله، يقول الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾. فالله جل وعلا أمر نبيه عليه الصلاة والسلام أن يسأل الله جل وعلا الزيادة من العلم: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾. لم يقل: وقل ربي زدني مالا، أو زدني متاعًا من متاع الدنيا، مما يدلنا على فضل العلم وشرفه. ولذلك، عباد الله، كان من أوائل ما نزل من الوحي على النبي عليه الصلاة والسلام ما فيه الأمر بالعلم والقراءة. قال ربنا جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾. هكذا، عباد الله، مما أنزل الله عز وجل على نبيه عليه الصلاة والسلام من أوائل ما نزل من الوحي: الأمر بالعلم، والحث عليه، والترغيب فيه. ولذلك امتن الله جل وعلا على نبيه عليه الصلاة والسلام بهذه المنة العظيمة: أن علمه ما لم يكن يعلم من قبل. قال جل وعلا: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾. ويقول الله جل وعلا في بيان فضل العلم وأهله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. ففي هذه الآية شهد الله عز وجل على أعظم مشهود، وهو توحيده سبحانه وتعالى، أشهد على ذلك نفسه جل وعلا، والملائكة، وأهل العلم؛ لفضلهم ولعظيم منزلتهم عند الله سبحانه وتعالى. نعم، عباد الله، هكذا يقول ربنا جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾. وذلك أن أهل العلم هم أعرف الناس بالله، ومن أعلم الناس بالله جل وعلا لعلمهم بدين الله جل وعلا وشريعته وأوامره ونواهيه وأحكام دينه، فذلك مما يزيدهم خشية من الله وخوفًا من الله سبحانه وتعالى. ويقول الله جل وعلا: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. نعم، عباد الله، لا يستوي من كان على علم ممن وفقه الله لسلوك طريق العلم وتفقه في دين الله جل وعلا، فهو يعبد الله عز وجل على علم وعلى بصيرة، ممن هو في جهل يتخبط في ظلمات البدع والأهواء والمعاصي والذنوب. ﴿أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا﴾. نعم، عباد الله، فإن العلم نور يستضيء به صاحبه في الدنيا والآخرة. العلم نور يستضيء به أهل السعادة، والجهال في الظلمات. العلم، عباد الله، سبب عظيم لحياة هذه القلوب؛ فإن العلم يحيي القلوب كما تحيا البلاد إذا ما مسها المطر، والعلم يجلي العمى عن قلب صاحبه كما يجلي سواد الظلمة القمر. كما أن هذه الأرض تموت إن لم ينزل فيها الغيث، وإن لم ينزل فيها المطر الذي يحييها وينبت فيها الزرع، كذلك هذه القلوب؛ إنها تموت بالجهل والبعد عن دين الله سبحانه وتعالى، وتحيا بالعلم، بمعرفة الله جل وعلا، ومعرفة رسوله عليه الصلاة والسلام، ومعرفة هذا الدين بأدلته. نعم، عباد الله، العلم رفعة عظيمة لصاحبه في الدنيا والآخرة. قال الله عز وجل: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾. خص الله عز وجل أهل العلم بدرجات عالية ودرجات رفيعة على سائر أهل الإيمان، بمن منّ الله عز وجل عليهم من هذا العلم وتفقه في دين الله سبحانه وتعالى. نعم، عباد الله، العلم يرفع بيوتًا لا سقوف لها، والجهل يهدم بيت العز والشرف. العلم يرفع الوضيع ويجعله شريفًا، وإن كان ليس من ذوي النسب، كما أن الجهل يضع من ذوي الشرف والأنساب. هكذا ينبغي على العبد أن يقبل على العلم والتفقه في دين الله جل وعلا. وفي الصحيح أن عمر رضي الله عنه لقي نافعًا وهو مولاه على أهل مكة، فقال: «من وليت عليهم؟» قال: ابن أبزى. قال: «ومن ابن أبزى؟» قال: مولى من الموالي. قال: «أتولي عليهم مولى؟» قال: يا أمير المؤمنين، أما إنه حافظ لكتاب الله، عالم بالفرائض. قال: «أما إذ قلت ذلك، فقد سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله عز وجل ليرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين». بل إن الله عز وجل فضل بين الحيوانات المعلمة على غيرها من الجاهلة، فأباح الله عز وجل أكل الجوارح المعلمة، ولم يبح أكل الجوارح الجاهلة. قال الله عز وجل: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾. هكذا، عباد الله، يرفع العلم صاحبه حتى في البهائم، فضلًا عن بني آدم الذين شرفهم الله والذين كرمهم الله سبحانه وتعالى. عباد الله، إن العلم شرف عظيم لصاحبه، إن وفقه الله عز وجل لسلوكه، وكذلك أن يكون من أهله؛ فإن العلم يصلح لك دنياك ويصلح لك آخرتك. قال الإمام الشافعي رحمه الله: «من أراد الدنيا فعليه بالعلم، ومن أراد الآخرة فعليه بالعلم». نعم، عباد الله، ومن دلائل ذلك مما يصلح به الله عز وجل دنيا العبد بسلوكه طريق العلم، ما جاء عند الترمذي وغيره من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال... قال أنس: كان أخوان في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، فكان أحدهما يحترف، أن يعمل ويكتسب، وكان الآخر يأتي إلى النبي عليه الصلاة والسلام ويحضر مجالسه. فشكى المحترف أخاه إلى النبي عليه الصلاة والسلام، أي قال: يا رسول الله، أنا أحترف وأعمل، وهذا أخي يجلس عندك يتعلم. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لعلّك ترزق به، لعلّك ترزق به». أي: ما يفتح الله عز وجل عليك من أبواب الرزق، فلعله بسبب أخيك الذي سلك هذه الطريقة. ألا فيا أيها المسلم، ويا طالب العلم، يا من سلكت طريق العلم وتفقه في الدين، لا تظن أن الله عز وجل سيضيعك أو سيضيع مستقبلك، كما يقول كثير من الناس هداهم الله، الذين لم يعرفوا فضل العلم وما جعل الله عز وجل لأهله. وهكذا أنت أيها الأب، ويا أيها الولي، يا من دفعت بولدك لسلوك طريق العلم، فلا تظن أن الله عز وجل سيضيعك، بل ربما فتح الله عز وجل عليك من أبواب الرزق ما لم يكن في الحسبان. والله جل وعلا يقول: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾. وأما صلاح الآخرة، فمن دلائل ذلك ما جاء في صحيح الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا، سهل الله له به طريقًا إلى الجنة». «من سلك طريقًا» و«طريقًا» نكرة في سياق الشرط، فتفيد العموم؛ أي: أي طريق من الطرق الشرعية، ومن الطرق المباحة لسلوك العلم، سواء كان ذلك بعيدًا، كأن تسافر وأن ترحل لطلب العلم، أو كان الطريق قريبًا، كأن تخرج من بيتك، أو كذلك تخرج من متجرك ودكانك، تذهب إلى بيت من بيوت الله لحضور مجالس العلم، فإنك بهذا تسلك طريقًا من طرق العلم. «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا»، و«علمًا» نكرة في سياق الإطلاق، ونكرة في سياق الإثبات، فتفيد الإطلاق؛ أي: أي علم من العلوم الشرعية: تتعلم القرآن، أو تتعلم السنة، أو تتعلم الحديث، أو تتعلم الفقه، أو تتعلم المصطلح، أو تتعلم الأصول، أو غير ذلك من فنون العلم، سهل الله له به طريقًا إلى الجنة. فإذا أردت أيها المسلم أن تسلك طريقًا سهلًا يوصلك إلى جنة الله، ويوصلك إلى رضوان الله، وإلى الفوز بنعيم الله، فعليك بسلوك طريق العلم، والحرص على حضور مجالس العلم. نعم، عباد الله، هذا العلم يعتبر كنزًا عظيمًا، كنزًا عظيمًا يكنزه صاحبه في صدره، ويكنزه في فؤاده، يذهب معه حيث ذهب، وينتقل معه حيث ينتقل، وأينما يسير فهو معه. ورحم الله الإمام ابن حزم حين حرقوا كتبه، فقال: «إن تحرق القرطاس لا تحرق الذي تضمنه القرطاس، فهو في صدري، يسير معي حيث استقلت ركائبي، وينزل إن أنزل، ويدفن في قبري». العلم، عباد الله، هو السلاح الذي يقاتل به الأعداء من المنافقين، وكذلك من أهل الشر، ومن أهل الكفر الذين يشوهون، والذين يلقون الشبه على أهل الإسلام؛ فإن أهل العلم يتصدون لهم بما أتاهم الله جل وعلا من العلم. قال الله عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾، أي: بالقرآن، ﴿وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾. ورحم الله الإمام الألبيري حين قال في قصيدته: هو السيف المهند ليس ينبو ** تصيب به مقاتل من أردت وكنز لا تخاف عليه لصًا ** خفيف الحمل يوجد حيث كنت نعم، عباد الله، إن العلم شريف، ولهذا الله عز وجل وصف نفسه بالعلم، وصف نفسه بالعلم في آيات كثيرة: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾، وهو العليم الخبير، وهو العليم الحكيم، في آيات كثيرة في كتاب الله جل وعلا، مما يدل على فضل العلم وشرفه. لم يصف الله عز وجل نفسه بالعقل، ولو في آية واحدة، وإنما وصف نفسه بالعلم. ولهذا قال من قال من أهل العلم: علم العليم وعقل العاقل اختلفا ** من ذا الذي قد أحرز منهم الشرف فالعلم قال: أنا أحرزت غايته ** والعقل قال: بي الرحمن قد عرف فأفصح العلم إفصاحًا وقال له ** بأين الرحمن في قرآنه اتصف فبان للعقل أن العلم سيده ** فقبل العقل رأس العلم وانصرفا نعم، عباد الله، هكذا العلم يرفع صاحبه، فهو رفعة وشرف لصاحبه، إن وفقه الله لأن يكون من أهله. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. عباد الله، إن من فضل العلم أن الله عز وجل قد أخبر، بما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم في سنته، من أن العالم وطالب العلم تستغفر له جميع المخلوقات، من في السماوات والأرض، حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت في الماء، يستغفرون لصاحب العلم، كما جاء عند أهل السنن من حديث أبي أمامة رضي الله تعالى عنه. العلم، عباد الله، هو ميراث النبي عليه الصلاة والسلام، كما قال عليه الصلاة والسلام في حديث أبي الدرداء: «فإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، ولكن ورثوا العلم، فمن أخذ به فقد أخذ بحظ وافر». أي: من أقبل على العلم وأخذ من هذا العلم، وتفقه في دين الله جل وعلا، فقد أخذ من إرث النبي عليه الصلاة والسلام. ألا فعلم، أيها المسلم، إذا وفّقك الله جل وعلا لسلوك طريق العلم، فقد أراد الله عز وجل بك خيرًا. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيرًا يفقه في الدين». متفق عليه من حديث معاوية رضي الله عنه. «من يرد الله به خيرًا يفقه في الدين»: أن يفهمه أحكام هذا الدين، وأحكام هذه الشريعة، بأن يتفقه في دين الله، وأن يكون طالبًا للعلم حريصًا عليه. إن الدنيا بما فيها ملعونة، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: «الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها، إلا ذكر الله وما والاه، وعالمًا أو متعلما». رواه الترمذي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. هذه الدنيا كلها بما فيها مطرودة ومبعودة، ليس لها قيمة وليست لها منزلة عند الله عز وجل، إلا ما كان فيها من ذكر الله، وما والى ذلك من ذكر الله جل وعلا، ومن عبادته وطاعته. ثم خص النبي عليه الصلاة والسلام، على سبيل التخصيص والتفضيل، من ذكر الله: العلم، «إلا عالمًا أو متعلما». عالمًا يعلم الناس دين الله جل وعلا، ومتعلما يتعلم دين الله ويتفقه في دين الله جل وعلا. ألا فاحرص أيها المسلم أن تكون منهم، إما أن تكون عالمًا، وإما أن تكون متعلما. قال أبو الدرداء رضي الله عنه: «كن عالمًا، أو متعلما، أو مستمعًا، ولا تكن الرابع فتهلك». فلا تكن الرابع فتهلك. ألا فيا عباد الله، ينبغي أن نقبل بأنفسنا، وأن ندفع أبناءنا إلى مجالس العلم، وإلى حلقات العلم. وما إخوانكم في هذه الدار المباركة، في جامع التقوى، أو في مركز طيبة، الذين حرصوا على تعليم الناس العلم، وتفقيههم في دين الله سبحانه وتعالى، وإقامة مثل هذه الدورات الصيفية النافعة، إلا لأجل تعليم الناس، وكذلك إيصال الخير إليهم. فهم لا يريدون منهم جزاءً ولا شكورًا، ولا يريدون وراء ذلك مصالح دنيوية، ولا مقاصد سياسية، ولا كذلك دعوات حزبية، وإنما يدعونهم إلى الله، ويعلمونهم لله، يريدون الأجر والثواب من الله سبحانه وتعالى. قال الله عز وجل في سورة يس: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَن لَّا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾. من كان على هذا الوصف، وعلى هذا الحال، لا يسأل الناس أجرًا، ولا يريد منهم جزاءً ولا شكورًا، وهم مهتدون، على هداية بكتاب الله، وبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، على فهم سلف الأمة، من عرفوا بسلامة المعتقد، وصحة المنهج، الذين لم يتغيروا، ولم يتبدلوا، ولم يتلونوا؛ ما قالوه بالأمس يقولونه اليوم، وما يقولونه اليوم يقولونه غدًا، لأنهم لا يخرجون عن كتاب الله، وعن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهم يدورون معها حيث دارت، ويأخذون بها حيث وجهتهم، يريدون ما عند الله سبحانه وتعالى. ألا فاحرصوا رعاكم الله على حلقات العلم. لقد زهد الكثير من الناس اليوم في العلم ومجالسه، إلا من رحم الله. وقد كان في السابق يتسابق، يتسابق طلاب العلم على مجالس العلم. قال الإمام نصير بن يحيى رحمه الله: «أدركت في الكوفة أربعة آلاف شاب يطلبون الحديث». أدركت في الكوفة أربعة آلاف شاب يطلبون الحديث. انظروا إلى حرصهم على طلب العلم، وعلى تحصيله. وقال بعض السلف: «لربما ذهبت قبل الفجر لأجل أن يحجز ليحجز لي موضعًا في مجلس العلم، فأجد المئات، أجد المئات من الناس قد سبقوني، حرصًا منهم على العلم». فهكذا ينبغي، عباد الله، ينبغي أن نقبل على العلم، فإن به صلاح المجتمعات. فإن أعظم ما تصلح به هذه المجتمعات هو العلم. تصلح الأسر بالعلم، تصلح المجتمعات كلها، وبهذا ينتشر الخير ويقل الشر، وكذلك في بث العلم ونشره، ثبات لهذا الدين. قال الإمام الزهري رحمه الله: «كان من مضى من علمائنا يقولون: الاعتصام بالسنة نجاة، وبث العلم ثبات للدين والدنيا، وفي ذهاب ذلك ذهاب ذلك كله». وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من علامات الساعة أن يرفع العلم، أن يرفع العلم، فلا يوجد عالم، ولا تجد من يعلمك. ورفع العلم، عباد الله، بذهاب أهله، وذهاب حملته. قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من صدور الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبقَ عالم، اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا». فهكذا ينبغي أن نقبل على أخذ العلم من أهله قبل ذهابهم. قال ابن مسعود رضي الله عنه: «خذوا العلم قبل أن يذهب، وذهابه بذهاب أهله». وذهابه بذهاب أهله. فإذا ذهب أهل العلم وحملة العلم، ولم يأخذ منهم الناس هذا العلم، ذهب العلم معهم، وبقي الناس يتخبطون في ظلمات الجهل. فإن بقاء العلماء، ووجود أهل العلم في أهل الأرض، كوجود النجوم في السماء. قال الحسن البصري رحمه الله: «مثل أهل العلم في الأرض، كمثل النجوم في السماء، يقتدي بها الناس، فإذا عميت عليهم تحيروا». فإذا عميت عليهم تحيروا. فهكذا ينبغي، عباد الله، أن نحرص على أخذ العلم، وعلى الإقبال على العلم، في سائر الأوقات، وفي سائر الأزمان، وفي مثل هذه الأوقات، وفي مثل هذه الدورات التي تكثر فيها الدروس العلمية، فينبغي استغلالها، والحرص عليها. جزى الله عز وجل خيرًا من أقامها، ومن سعى إلى كذلك إقامتها، ومن كذلك يدرس إخوانهم، لهم الأجر والثواب من الله جل وعلا. اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر. اللهم فقهنا في الدين، وعلمنا التأويل. اللهم علمنا ما جهلنا، وانفعنا بما علمتنا، واجعل ما علمته لنا حجة لنا لا علينا. اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار. وصل اللهم وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.