خطبة عيد الأضحى المبارك لعام 1444هـ

الخطبة بعنوان خطبة عيد الأضحى المبارك لعام 1444هـ، والتي كانت بمصلى العيد بالمنصورة الجديدة بالشحر ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

فضل يوم النحر وأعماله في الحج والعيد

يوضح الخطيب عظمة يوم النحر كأفضل الأيام عند الله مستنداً إلى الآيات والأحاديث، ويبين أعمال الحجاج من رمي الجمرة والنحر والحلق والطواف. كما يدعو المسلمين في كل مكان إلى اغتنام هذه الأيام العشر بالطاعات والقربات.

مكر أعداء الإسلام واستهدافهم للشباب والأسر

يسرد الخطيب كيف يحسد أعداء الدين المسلمين على نعمة الإسلام ويسعون لمحاربته بشتى الوسائل، مستخدمين منظمات مشبوهة لاستقطاب الشباب وإفساد أخلاقهم وتفكيك الأسر. ويؤكد على وجوب اليقظة والوحدة لحماية الدين والمجتمع من هذه المكائد.

الاعتزاز بالإسلام وأحكام عيد الأضحى

تؤكد الخطبة أن العزة الحقيقية تكمن في التمسك بكتاب الله وسنة نبيه مستشهدة بموقف عمر بن الخطاب، ثم تنتقل لبيان أحكام عيد الأضحى من تكبير مطلق ومقيد ووقت الذبح والحث على الصدقة وصلة الأرحام. وتدعو إلى طاعة الله في هذه الأيام المباركة.

دعاء الختام وقبول الأعمال والصلاة على النبي

يختتم المتحدث بدعاء أن يعيد الله يوم العيد بالأمن والإيمان والعز بالإسلام، وأن يتقبل صالح الأعمال منه ومن المستمعين. ويختتم بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾. ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، إن هذا اليوم يومٌ عظيم من أيام أهل الإسلام وأهل الإيمان، ألا وهو يوم النحر، اليوم العاشر من ذي الحجة. هذا اليوم الذي هو من أفضل الأيام عند الله جل وعلا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أفضل الأيام عند الله يوم النحر، ثم يوم القر» أي يوم الحادي عشر، رواه الإمام أحمد عن عبد الله بن قرض رضي الله تعالى عنه. هذا اليوم عباد الله الذي آذن الله جل وعلا وأعلم ببراءته من المشركين، فقال سبحانه وهو يخبر عن هذا اليوم العظيم بأنه يوم الحج الأكبر: ﴿ وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ ﴾. قال الإمام ابن كثير رحمه الله في قوله جل وعلا: ﴿ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ ﴾: قال: وهو يوم النحر، فهو أعظم أيام المناسك وأظهرها وأكثرها جمعًا. هذا اليوم العظيم الذي يؤدي فيه حجاج بيت الله الحرام أنواعًا من أعمال الحج: منها رمي جمرة العقبة، وهكذا نحر وذبح الهدايا، وهكذا حلق الرؤوس، ثم الطواف بالبيت طواف الحج. قال الله جل وعلا: ﴿ ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ﴾. يعملون ذلك راجين من الله جل وعلا أن يتقبل منهم، وأن يتجاوز عنهم، وأن يكفر جل وعلا عنهم ذنوبهم وسيئاتهم. وهكذا يشاركهم أهل الإسلام في جميع بقاع الأرض بالخروج في مثل هذا اليوم لأداء صلاة العيد، ثم ينحرون ويذبحون الضحايا تقربًا إلى الله جل وعلا، راجين من الله عز وجل الثواب والأجر، مكبرين لله سبحانه ومعظمين له جل وعلا إجلالًا: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد. فهنيئًا عباد الله لمن وفقه الله جل وعلا لاستغلال أيام عشر ذي الحجة، ذلكم الموسم العظيم من مواسم الطاعات ومن مواسم القربات. فهنيئًا لمن وفق لذلك، فهو اليوم ينتظر الأجر والثواب، وينتظر كذلك أجر أعماله من الله سبحانه وتعالى أن يتقبل منه، وأن يتجاوز عنه، وأن يتفضل الله جل وعلا عليه بفضله وإنعامه. ﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾. عباد الله، لقد من الله عز وجل علينا بهذا الدين العظيم الذي هو أفضل الأديان وأحسنها وأكملها، بل هو ناسخ للأديان السابقة. جعل الله عز وجل فيه من الأحكام والشرائع ما به مصالح العباد في دينهم ودنياهم وأخراهم، فما من خير إلا ودلنا عليه، وما من شر إلا وحذرنا منه، كما أخبر نبينا عليه الصلاة والسلام. والله جل وعلا يقول: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾. ولذلك عباد الله، فإن أعداء هذا الدين من اليهود والنصارى وغيرهم ما حسدوا أهل الإسلام على شيء حسدهم لهم على هذا الدين الذي من الله جل وعلا به عليهم، كما قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ ﴾. وقال جل وعلا: ﴿ وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً ﴾ أي مثلهم في الكفر، كل ذلك حسدًا منهم وبغضًا. نعم عباد الله، ولذلك فإن أعداء هذا الدين يكيدون لأهل الإسلام المكائد، وكذلك يدورون بهم الدوائر، ويمكرون لهم بالليل والنهار، كما قال سبحانه: ﴿ بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا ﴾ أي مكر في الليل ومكر في النهار. ولذلك فهم ينفقون الأموال ويبذلون الأموال الكثيرة ليصدوا عن سبيل الله، قال جل وعلا: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾. فهم يحاربون هذا الدين بكل ما أوتوا من قوة وبكل ما أوتوا من استطاعة، يحاربونه سياسيًا واقتصاديًا، وكذلك فكريًا وعسكريًا، ولربما بذلوا وكذلك أعطوا الأموال الكثيرة لمن يحارب هذا الدين من ذوي الأفكار المنحرفة والمناهج الضالة كالروافض وأتباعهم. فلا غرابة ولا عجب أن ترى من هؤلاء مد يد العون لهؤلاء الآثمين ولهؤلاء المجرمين الذين يقاتلون أهل الإسلام ويحاربون أهل هذا الدين. بل إنهم كذلك يجندون من أبناء المسلمين، من المنافقين، من يكون يدًا لهم وعونًا لهم على خرق هذا الدين ومحاربة مجتمعات المسلمين. ومن ذلك عباد الله ما ظهر في هذه الأزمنة وفي هذه الأيام من تلك المنظمات التي تبذل الأموال الكثيرة في استقطاب الشباب والشابات بما يقومون به من دمج بين الجنسين، وكذلك من اختلاط بينهما حتى يذهب منهم الحياء وينزع عنهم العفة التي تربوا بها في هذا الدين العظيم، فتفسد أخلاقهم وتفسد عقائدهم، ثم يكونوا بعد ذلك أعوانًا لهم على محاربة أهل الإسلام. بل ما اقتصروا فقط على هذا الجنس، بل كذلك مدوا أيديهم إلى استقطاب نساء المسلمات وأفسدوا كثيرًا من الأسر من أسر أهل الإسلام. ففي بعض بلادنا اليمنية كثر مطالبة كثير من النساء بالخلع والفسخ بسبب تلك المنظمات. وهكذا يكيدون ويمكرون بأهل الإسلام، ويمكرون ويمكر الله، والله خير الماكرين. ينبغي عباد الله أن نكون فطنين، وأن نكون متيقظين من مكر هؤلاء ومن كيد الأعداء. ينبغي أن نكون يدًا واحدة في الحفاظ على هذا الدين الذي من الله سبحانه وتعالى به علينا، كل من جهته: من كان مسؤولاً، أو كذلك من كان من أهل عقار الحارات، أو كذلك من أولياء الأمور من آباء وأمهات. لا ينبغي أن نكون مغفلين يبيع الواحد عرضه ويبيع الواحد فلذة كبده إلى هؤلاء من أجل لقمة من لقمات الدنيا. عباد الله، ينبغي أن نعتز بهذا الدين الذي أعزنا الله سبحانه وتعالى به. والله جل وعلا يقول: ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا ﴾، أي أن العزة تطلب من الله بطاعته وبتحكيم دينه وشريعته. والله جل وعلا يقول: ﴿ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾. لا عزة لأهل الإسلام إلا بالتمسك بكتاب ربهم وبسنة نبيهم عليه الصلاة والسلام. قال الله عز وجل: ﴿ لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾. قال ابن عباس: فيه ذكركم أي شرفكم، فالشرف والعز بالتمسك بهذا الدين العظيم. وما أحسن ما قاله عمر رضي الله تعالى عنه تلك المقولة المشهورة التي سطرها التاريخ يوم أن فتح بيت المقدس، وقدم رضي الله تعالى عنه ليقابل أمراء المسلمين وقادتهم، وفي مقدمتهم أبو عبيدة بن الجراح رضي الله تعالى عنه. قدم رضي الله عنه وهو يقود بعيره ومعه غلامه الذي يعينه، وكانت النوبة عند غلامه، كان يتناوب مع هذا الغلام في ركوب البعير. فلما قدم وقرب من مقابلة أمرائه كانت النوبة عند الغلام، فيقوده عمر خليفة أهل الإسلام يقود غلامه وهو يمشي على الأرض. فمر على ماء فنزع نعليه وخفيه ووضعهما ما بين كتفيه. فلما رآه أبو عبيدة رضي الله تعالى عنه قال: يا أمير المؤمنين، لو كنت على غير هذه الهيئة. فقال عمر رضي الله عنه: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة. ثم قال رضي الله عنه كلمته المشهورة: «إنا قوم كنا في ذلة فأعزنا الله جل وعلا بالإسلام، فإذا ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله، فإذا ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله». نعم عباد الله، لما كان الصحابة رضوان الله تعالى عليهم متمسكين بهذا الدين معتزين به، فتح الله عز وجل على أيديهم الفتوحات والبلاد، وأذل لهم الرقاب. ولما ضيع المسلمون دينهم وأرادوا العزة بغيره، حصلت لهم الذلة والمهانة، وصدق النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: «وجعل الذل والصغار على من خالف أمري». نعم عباد الله، هكذا ينبغي أن نعتز بهذا الدين الذي أعزنا الله سبحانه وتعالى به. عباد الله، إن هذا اليوم العظيم كما سمعتم من أيام أهل الإسلام، يشرع للمسلم أن يكبر الله جل وعلا وأن يعظمه بذلك في هذا اليوم وفي أيام التشريق إلى أن تغرب شمس يوم الثالث عشر: التكبير المطلق في سائر الأوقات، والتكبير المقيد بعد الصلوات. الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد. وهكذا أيضًا يشرع للمسلم أن يذبح أضحيته أو ينحرها بعد صلاة العيد، وله كذلك أن يذبح في سائر أيام التشريق إلى قبل غروب شمس يوم الثالث عشر من ذي الحجة، يتقرب إلى الله جل وعلا بهذه العبادة العظيمة. ألا فكلوا يا عباد الله مما أباح الله عز وجل لكم، وتصدقوا واهدوا، وصلوا أرحامكم، وأحسنوا إلى جيرانكم، والزموا طاعة ربكم، فإن ذلك خير لكم في الدنيا والآخرة. أسأل الله جل وعلا بمنه وفضله وكرمه وجوده وإحسانه أن يعيد علينا هذا اليوم العظيم ونحن في أمن وإيمان، وفي عز وشرف بالإسلام. اللهم تقبل منا، اللهم تقبل منا صالح الأعمال. تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال. وأسأل الله جل وعلا أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.