من أسباب حلول البركة

الخطبة بعنوان من أسباب حلول البركة، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 14 ذو القعدة 1444هـ الموافق 2 يونيو 2023م ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

مفهوم البركة وأسباب نيلها بالإيمان والقرآن

توضح الخطبة أن البركة هي كثرة الخير وقلة الشر، وتستعرض أسباب حصولها من الإيمان والتقوى والدعاء وقراءة القرآن بتدبر وعمل. وتستشهد بآيات وأحاديث تبين نزول البركة في الرزق والولد والعمر والعلم.

أسباب حلول البركة في البيوت والأرزاق العملية

يذكر المقطع أسباباً عملية لجلب البركة كقراءة سورة البقرة في البيوت، والتسمية عند الدخول والأكل، والاجتماع على الطعام، والكسب الحلال والصدق في المعاملات. ويحذر من أن ترك ذلك يحل الشياطين ويمنع البركة.

مخاطر زوال البركة ووجوب طلبها من الله وحده

يحذر المقطع من زوال البركة بسبب الكذب والغش والتقصير، ويبين أن الصدقة من أعظم أسباب نزولها وسداد الديون. ويؤكد أن طلب البركة لا يكون إلا من الله محذراً من التبرك بالقبور والأشجار باعتباره شركاً وبدعة.

دعاء تثبيت الإيمان وكراهية الكفر والفسوق

يختتم المصلي بدعاء أن يجعل الله الإيمان محبوباً مزيناً في القلوب، وأن يكره الكفر والفسوق والعصيان، ويسأل أن يكون من الراشدين. ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، يقول الله عز وجل في كتابه الكريم مخبرًا عن عيسى عليه السلام أنه قال: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ﴾. قال مجاهد والثوري رحمهم الله: أي معلِّمًا للخير. وفي رواية عن مجاهد قال: أي نفاعًا للناس، ينفعهم وكذلك يستفيدون منه، فيجعل الله عز وجل فيه الخير والبركة. وكذلك أخبر الله عز وجل عن نوح عليه السلام أنه قال: ﴿وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلًا مُّبَارَكًا وَأَنتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ﴾، أي منزلًا لا كراهة فيه أو لا شر فيه. وكذلك عباد الله تكون البركة بحلول الخير الإلهي على الإنسان في باله، أو ولده، أو كذلك في ذريته، أو يجعل الله عز وجل البركة في هذا الإنسان بكثرة خيره وقلة شره. والنبي صلى الله عليه وسلم في حديث الحسن بن علي حين علمه دعاء القنوت، علمه أن يقول: «اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وبارك لنا فيما أعطيت». فعلمنا النبي عليه الصلاة والسلام أن ندعو الله عز وجل أن يبارك لنا فيما أعطانا جل وعلا من أهل، أو مال، أو ولد، أو علم، أو عمر، أو وقت، أو غير ذلك من الأمور. فإن المسلم بحاجة عظيمة إلى بركة الله سبحانه وتعالى في سائر أموره وفي سائر شؤونه، أن يجعل الله عز وجل الخير فيما أعطاه الله سبحانه وتعالى. لذلك عباد الله، إن الواجب على المسلم أن يأخذ بالأسباب التي بها تحل البركة على العبد في سائر أموره وفي سائر شؤونه. ومن ذلك عباد الله: الإيمان والتقوى، تحقيق الإيمان بالله جل وعلا وتقوى الله عز وجل بلزوم الطاعات واجتناب المحرمات، فإن ذلك سبب لحلول البركة من الله. قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. نعم عباد الله، بالإيمان والتقوى ينزل الله عز وجل البركات من السماء بنزول المطر ونزول الغيث الذي به تحيى الأرض وتخرج الأرض بركاتها من النباتات والزروع. وقال عز وجل: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾. وكذلك عباد الله، من أسباب البركة أن تدعو الله عز وجل وتسأله البركة في مالك وفي ولدك وفي سائر أمورك، وكما سمعنا في حديث الحسن بن علي: «وبارك لنا فيما أعطيت». وذلك أن البركة من الله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «البركة من الله» رواه البخاري. البركة من الله، فحلول الخير هو من الله سبحانه وتعالى، وإذا كان كذلك فإنك تسأل البركة ممن يملكها وهو الله سبحانه وتعالى. ولهذا كان من هدي النبي عليه الصلاة والسلام أن يسأل الله عز وجل البركة وأن يدعو لغيره بالبركة. فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بارك الإنسان في زواج أو نكاح قال: «بارك الله لك، وبارك عليك، وجمع بينكما في خير» رواه الترمذي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. وكذلك إذا أطعم طعامًا قال: «اللهم بارك لهم فيما رزقتهم، واغفر لهم، وارحمهم» رواه أهل السنن من حديث عبد الله بن بسر رضي الله تعالى عنه. فهكذا يدعو عليه الصلاة والسلام بالبركة لأن البركة من الله سبحانه وتعالى. ومن أسباب البركة عباد الله: الإقبال على كتاب الله جل وعلا قراءةً وتلاوةً وحفظًا وتدبرًا وعملًا، فإن ذلك سبب عظيم من أسباب حلول البركة. كيف لا؟ والله عز وجل يقول: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. فوصف الله عز وجل القرآن بالبركة، أي بكثرة الخير الذي فيه. فقراءته بركة بعظيم أجره وثوابه، وقراءته بركة بما يجعل الله عز وجل في قلب القارئ من الإيمان والتقوى والراحة والطمأنينة، قراءته بركة بما يجعل الله عز وجل فيه من الشفاء: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «اقرؤوا البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة» أي السحرة، رواه البخاري من حديث أبي أمامة رضي الله تعالى عنه. هكذا عباد الله، ينبغي أن نقبل على كتاب الله جل وعلا. قال أبو هريرة رضي الله عنه: «اقرؤوا القرآن في بيوتكم، فإن البيت الذي يقرأ فيه القرآن يوسع على أهله، ويكثر خيره، وتحضره الملائكة، وتخرج منه الشياطين. وإن البيت الذي لا تقرأ فيه سورة البقرة يضيق على أهله، ويقل خيره، وتحضره الشياطين، وتخرج منه الملائكة». انظروا إلى بركة القرآن وتلاوته وقراءته في البيوت، كيف تحل البركة فيها بكثرة الخير وحضور الملائكة وخروج الشياطين. وإذا ترك المرء قراءة القرآن واستبدل به الغناء والمزامير، فإن الشياطين تحل وتعشعش في هذه البيوت، فيقل خيرها ويكثر شرها، وكذلك يضيق على أهلها. قال أحد السلف: «إني لأقرأ القرآن فأرى البركة في وقتي، فما زلت أزيد من قراءته حتى بلغ حزبي في قراءة القرآن في اليوم عشرة أحزاب» أي خمسة أجزاء يقرأها كل يوم، فرأى الخير والبركة من قراءته للقرآن. هكذا عباد الله، يجعل الله عز وجل البركة بتلاوة كتابه سبحانه وتعالى. وكذلك أيضًا عباد الله: ذكر الله عز وجل عند الدخول إلى المنزل وعند الطعام، فإن ذلك من أسباب البركة. ففي الصحيح عن جابر رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إذا دخل الرجل منزله فقال: بسم الله، قال الشيطان: لا مبيت لكم اليوم. وإذا قرب طعامه فقال: بسم الله، قال: لا مبيت لكم ولا عشاء. وإذا دخل منزله فلم يذكر اسم الله عند دخوله، قال الشيطان: أدركتم المبيت. وإذا قرب طعامه فلم يذكر اسم الله عند طعامه، قال: أدركتم المبيت والعشاء». فالغافل عن ذكر الله الذي يدخل منزله فلا يذكر اسم الله، والذي يأتي عند طعامه فلا يذكر اسم الله، فإن الشياطين تبيت معه وتأكل من طعامه، فأين يجد البركة في طعامه وماله والشياطين تشاركه؟ وكذلك تأكل معه وتسكن معه بسبب عدم ذكره لله سبحانه وتعالى. وكذلك أيضًا من أسباب البركة عباد الله: الاجتماع على الطعام، فإن ذلك سبب لحلول البركة. شكو إلى النبي عليه الصلاة والسلام أنهم يأكلون ولا يشبعون، قال: «لعلكم متفرقون، اجتمعوا على طعامكم يبارك لكم فيه». وقال عليه الصلاة والسلام: «خير الطعام مجتمَع عليه الأيدي، خير الطعام مجتمَع عليه الأيدي»، أي مجتمع الناس في الطعام في قصعة واحدة وفي صحن واحد، يجعل الله عز وجل في ذلك البركة. كذلك أيضًا الأكل من جوانب الصحن وعدم الأكل من وسط الطعام، فإن ذلك من أسباب البركة. قال عليه الصلاة والسلام: «البركة تنزل وسط الطعام، فكلوا من حافتيه، ولا تأكلوا من وسطه، يبارك لكم فيه». هذا أدب من آداب الطعام، أن تأكل من حافتي الطعام ولا تأكل من وسطه، فيجعل الله عز وجل البركة في هذا الطعام. أيضًا عباد الله، من أسباب البركة أن يحرص المرء على الكسب الحلال، على كسب المال الحلال الطيب، فإن ذلك من أسباب حلول البركة. فكم من الناس اليوم من يشتكي من قلة البركة وعدم الانتفاع بالمال الذي يتحصل عليه؟ لربما يذهب راتبه من غير أن ينتفع به، ولربما أول ما يستلمه يذهب إلى سداد الديون التي عليه في الدكاكين، وهكذا لا يجد بركة ولا يجد خيرًا في ماله. فهل فكر الإنسان وهل كذلك حاسب نفسه في هذا المال الذي تحصل عليه؟ هل أخذه من طرق مباحة؟ هل تكسبه من الأسباب كذلك الحلال؟ أم أنه أخذه بغير حق فنزعت منه البركة؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في البخاري عن حكيم بن حزام أنه جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام يسأله أي من بيت المال، فأعطاه، ثم جاءه فسأله فأعطاه، ثم جاءه الثالثة، فقال: «يا حكيم»، وصية يوصي بها النبي صلى الله عليه وسلم حكيما وهي وصية لسائر الأمة، قال: «يا حكيم، إن هذا المال خضر حلو، إن هذا المال خضر حلو»، أي أن النفوس تشتاق إليه وتلتفت إليه وترغب في اكتسابه وفي الحصول عليه، فله حلاوة وله نظرة وجمال. «يا حكيم، إن هذا المال خضر حلو، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، من أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه»، أي من أخذ هذا المال من غير استشراف ومن غير إلحاح وسؤال بورك له فيه، جعل الله عز وجل فيه البركة، وجعل فيه الخير، فيجد المرء النفع العظيم في المال القليل، يبارك الله عز وجل فيه لأنه أخذه من طرق حلال. «ومن أخذه باستشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع». هكذا أوصى النبي صلى الله عليه وسلم حكيما رضي الله تعالى عنه. وفي حديث حكيم بن حزام أيضًا في الصحيحين، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما». النبي صلى الله عليه وسلم يخبر أن البيعين، أي البائع والمشتري، لهما الخيار، أي خيار المجلس، فما داما في مجلس العقد. فإن صدقا وبينا، وهذا هو الشاهد، أي في بيعهما، إذا قام البيع على الصدق وعدم الكذب، والبيان وعدم الكتمان، لا يكذب البائع على المشتري، يقول: هذه السلعة علي بعشرة آلاف وهو اشتراها بخمسة آلاف، ويقول: هذه السلعة لا عيب فيها ولا كذلك شيئًا يشينها، ويكذب ويكتم العيب وهو يعلمه. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «فإن صدقا وبينا»، أي قام البيع على الصدق والبيان، «بورك لهما في بيعهما»، جعل الله عز وجل البركة والخير في هذا البيع والشراء، فالبائع يبارك له في المال الذي اكتسبه بهذا البيع، والمشتري تبارك له في سلعته التي تحصل عليها بهذا البيع. «وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما»، فلا بركة ولا خير ولا انتفاع بهذا البيع، لا البائع ينتفع بهذا المال الذي تحصل عليه بالكذب والكتمان، ولا كذلك المشتري ينتفع بهذه السلعة بسبب ذلك، إن كان مشاركًا له في ذلك. وانظروا يا عباد الله إلى حال كثير من الناس الذين يشتكون من قلة البركة، هل تفقدوا أنفسهم في بيعهم وشرائهم؟ هل صدقوا وهل بينوا وهل تحروا أن يكتسبوا بما أحل الله جل وعلا؟ أم قامت بيوعهم على الكذب وعلى الغش وعلى الخداع وعلى الكتمان وغير ذلك مما نهى الله عز وجل عنه ورسوله عليه الصلاة والسلام؟ وكذلك أيضًا من كان موظفًا في إدارة من الإدارات، هل قام بالعمل الذي وكل به والذي أسند إليه؟ أم أنه يأتي متى شاء ويخرج من الدوام متى شاء؟ ثم إذا جاء آخر الشهر يطالب براتبه ويريد أن يجعل الله عز وجل البركة في هذا الراتب وهو لا يقوم بالعمل الذي أوجب الله سبحانه وتعالى عليه. أقول ما تسمعون وأستغفر الله إنه الغفور الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. عباد الله، إن من أسباب البركة العظيمة التي يجعلها الله عز وجل في مال العبد وفي أهله وذريته: الصدقة والإنفاق، الصدقة والإنفاق. فيا من تشتكي من قلة البركة في مالك، ومن كثرة الديون التي أثقلت ظهرك، والتي جعلتك تقع في الهموم، أقبل على الصدقة والإنفاق ولو بالشيء اليسير والقليل، ستجد البركة في مالك، وسيسدد الله عز وجل عنك ديونك، ويعينك في ذلك إعانة عظيمة. ألم تسمع إلى قول الله عز وجل في الحديث القدسي: «أنفق يا ابن آدم أنفق عليك، أنفق يا ابن آدم أنفق عليك» رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه. الله عز وجل يأمرك أن تنفق، ووعد الله جل وعلا أن ينفق عليك. بل قال ربنا جل وعلا في كتابه: ﴿وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾. وما تنفق من شيء، ولو كان شيئًا قليلاً، ولو كان شيئًا يسيرًا، فهو يخلفه، يخلف الله عز وجل لك خيرًا مما أنفقت، والله عز وجل خير الرازقين. ويقول سبحانه: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾، أن يبارك فيها وينميها لصاحبها. فلذلك أقبل أيها المسلم على الصدقة والإنفاق، وسترى أمرًا عجيبًا في حياتك وفي تغير أحوالك من آثار الصدقة والإنفاق. عباد الله، إن أسباب البركة كثيرة، ومما ينبغي أن نعلمه أن البركة من الله، كما سمعتم قول النبي عليه الصلاة والسلام. وإذا كانت من الله فإنها لا تطلب إلا من الله جل وعلا، فلا يتبرك المسلم بأحد من الناس وبأحد من الأشخاص، ولو كان من أهل العلم والفضل، فلا يجوز التبرك بأحد إلا بالأنبياء، أي بذواتهم، فإن ذوات الأنبياء فيها بركة، وفي آثارهم. ولهذا كان الصحابة رضوان الله عليهم يتبركون بآثار النبي صلى الله عليه وسلم بعرقه وبشعره وببزاقه عليه الصلاة والسلام، ولم يوكلوا النبي صلى الله عليه وسلم عليهم ذلك، ولم يفعلوا هذا مع غيره مع أبي بكر أو عمر أو عثمان أو علي رضي الله تعالى عنهم وعن سائر أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، لعلمهم أن مثل هذا لا يشرع إلا مع نبي الله عليه الصلاة والسلام. فالتبرك بذوات الناس وآثارهم غير الأنبياء من البدع والمحدثات، وإذا اعتقد فاعل ذلك النفع والضر فقد يصل به إلى حد الشرك، عياذًا بالله. وكذلك أيضًا التبرك بالقبور أو بأتربة الموتى أو بغير ذلك من المخلوقات، فإن ذلك من الشرك في عبادة الله جل وعلا. فقد جاء عند الترمذي من حديث أبي واقد الليثي رضي الله عنه قال: «خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين، ونحن حدثاء عهد بجاهلية، فمررنا على المشركين، وعندهم سدرة، أي شجرة، ينوطون بها أسلحتهم، أي يعلقون بها أسلحتهم لنيل البركة منها. فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، أي اجعل لنا شجرة أو شيئًا نعلق به أسلحتنا لننال منها البركة كما فعل هؤلاء. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الله أكبر، إنها السنن، قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾». هكذا شبه النبي عليه الصلاة والسلام هذا الطلب منهم بطلب بني إسرائيل من موسى أن يجعل لهم إلهًا كما لهم آلهة، فجعل عليه الصلاة والسلام طلب البركة من الذوات المخلوقات بمنزلة اتخاذ الإله مع الله سبحانه وتعالى. فليحذر المسلم من مثل ذلك مما يفسد دينه ويفسد عقيدته ويوقعه في الشرك الأكبر، عياذًا بالله. بل يكون ذلك سببًا في خسارته الدنيا والآخرة. وإنما يطلب البركة من الله بسؤاله وبالأخذ بالأسباب الشرعية التي بها يتحصل المسلم على البركة من الله سبحانه وتعالى. اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر. اللهم اغزر أمطارنا، ورخص أسعارنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا. اللهم اجعل لنا من كل ما أهمنا وغمنا فرجًا ومخرجًا، وارزقنا من حيث لا نحتسب، يا ذا الجلال والإكرام. اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكرِّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.