الدرس في تفسير العشر الآيات الأخيرة من آل عمران من تفسير السعدي 11، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
شرح أهمية الصبر والمصابرة والرباط لتحقيق الفلاح، وتناول أقسام الصبر الثلاثة. العلامة السعدي يبين أن الصبر على الطاعة من أعظم أنواع الصبر.
يتناول المقطع أقسام الصبر الثلاثة ويشرح معنى المصابرة والمرابطة وأهميتهما في القرآن والسنة. الصبر على الطاعة والمعصية والمصائب له أهمية كبيرة.
شرح معنى الرباط في سبيل الله ويشمل رباط الأعداء في الثغور وانتظار الصلاة. ويذكر أحاديث نبوية في فضل الرباط وجزاء المرابطين.
يشير إلى انتهاء الحديث عن الآيات العشر الأخيرة من سورة آل عمران ويعد بذكر بعض الفوائد العامة في هذه الآيات لاحقًا.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى عند قوله جل وعلا: ﴿يا أيها الذين آمنوا صبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون﴾، فقال رحمه الله: ثم حض المؤمنين على ما يوصلهم إلى الفلاح، وهو الفوز بالسعادة والنجاح، وأن الطريق الموصل إلى ذلك لزوم الصبر الذي هو حبس النفس على ما تكرهه، من ترك المعاصي، ومن الصبر على المصائب، وعلى الأوامر الثقيلة على النفوس، فأمرهم بالصبر على جميع ذلك. فهذه الآية يا أيها الذين آمنوا، والنداء يوجهه ربنا جل وعلا لأهل الإيمان، وقد جاء واشتهر عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه كان يقول: إذا سمعت في القرآن يا أيها الذين آمنوا، فابتذر لها سمعك، فإنما أمر تؤمر به أو نهي تنهى عنه. فلهذا يأتي غالبًا بعد هذا النداء حكم من الأحكام العظيمة أو أمر أو نهي. وفي هذه الآية فيها أوامر ثلاثة أوامر، بل أربعة: الصبر، والمصابرة، والرباط، والتقوى. فهذه الأربعة الأشياء، وأربعة الركائز هي الموصلة إلى الله جل وعلا، وهي سبب الفلاح، فهي سبب الفلاح في الدنيا، أي الفلاح الذي يكون في الآخرة. الصبر والمصابرة والمرابطة، وأيضًا تقوى الله جل وعلا، وهي أسس الأساس، وركيزة هذه الأشياء. فلهذا حث الله عز وجل أهل الإيمان على ما يوصلهم إلى الفلاح، وهو الفوز بالسعادة والنجاح، وأن الطريق الموصل إلى ذلك أولًا لزوم الصبر. والصبر ثلاثة أقسام: صبر على الطاعة، وصبر عن المعصية، وصبر على أقدار الله المؤلمة. فهذه أقسام الصبر التي ينبغي للمسلم أن يلتزمها، وبحسب هذه الثلاثة الأشياء والصبر فيها بحسب إيمان العبد، كلما زاد إيمانه زاد صبره، وكلما زاد صبره زاد إيمانه. أعظمها هو الصبر على الطاعة؛ لأن النفس غالبًا تتفلت، وغالبًا ما تصبر على الالتزام. فلهذا كانت كما قال شيخ الإسلام، وغيره: أن الصبر على الطاعة من أعظم الصبر؛ أن العبد يصبر على الطاعة. ولهذا تجد أن هذه الطاعات ما تأتي إلا بالتمرن، أن الإنسان يمرن عليها فيصبر، يصبر. فلهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا عمل عملًا أثبته، كما قالت عائشة رضي الله عنها: كان إذا عمل عملًا أثبته، أي لا يتركه بل يداوم عليه. وأيضًا جاء في الحديث الآخر، وهو في الصحيحين أيضًا: حديث عائشة: «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل»، أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل، أي وإن كانت قليلة، لكن يداوم عليها العبد. فالدوام من أعظم ما يستعين به العبد على الطاعة حتى يتمرن عليها، فتصير مثل العادة، حتى يتعود عليها. فلهذا النبي عليه الصلاة والسلام كان يجهد نفسه في الطاعة، ويصبر حتى قالت عائشة: يا رسول الله، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال: «يا عائشة، أفلا أكون عبدًا شكورًا». فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم الليل حتى تتفطر قدمه، تتشقق من كثرة قيامه عليه الصلاة والسلام. وكان أيضًا هذا دعب السلف، حتى صار ديدنًا لهم، وأيضًا عادة لهم أنهم يقومون الليل. فمنهم من يقوم من أول ثلث الليل، ومنهم من يقوم نصفه، كما ذكر ذلك عنهم ربنا جل وعلا: ﴿إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك﴾. فالله عز وجل شهد لهم بهذا، وهذا كله لعله أنهم صبروا على الطاعة حتى تعودت أنفسهم طاعة الله جل وعلا. وكذلك الأمر الثاني: الصبر عن المعصية، وهي أيضًا لها مكانة عظيمة؛ أن المسلم يصبر عن المعصية، يصبر عن الوقوع فيها، وكذلك عن ما يؤدي إليها، فيصبر طاعة لله، طاعة لله. ولهذا يقول شيخ الإسلام رحمه الله: أن صبر يوسف على امرأة العزيز أعظم من صبره في السجن؛ أن صبر يوسف على امرأة العزيز أعظم من صبره على السجن. أحيانًا الصبر عن المصائب والآلام وغيرها أحيانًا يكون اضطراري، وأحيانًا يكون اختياري لإيمان العبد وتوكله على الله والاستعانة بالله جل وعلا. وأيضًا حتى الاضطراري أحيانًا أيضًا أو يرتبط أيضًا بالتوكل على الله والاستعانة به. لكن الصبر عن المعصية أعظم؛ لأنه متعلق بالاختيار المحر، متعلق بالاختيار المحر. وأيضًا النفس تدعو إلى هذه المعصية، فلهذا فالصبر كما قال شيخ الإسلام: صبر يوسف عن امرأة العزيز أعظم من صبره عندما لبث في السجن. فلهذا الصبر عن المعصية له أيضًا مكان عظيم، وهو أيضًا موصل إلى الله جل وعلا. واتقوا الله، فالصبر عن المعصية هو تقوى الله جل وعلا، لأجل الله سبحانه وتعالى. وقال الله عز وجل أيضًا في هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا صبروا وصابروا﴾، وقال الله عز وجل: ﴿ واستعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين﴾، إن الله مع الصابرين. فربنا جل وعلا يعين هؤلاء الذين يصبرون عن مثل هذه الأمور. وكذلك أيضًا الصبر الثالث، وهو الصبر على المصائب المؤلمة، ما يصيب الإنسان في هذه الحياة، فيصبر لأنه يعلم أنه من عند الله جل وعلا، فيصبر على أمر الله وعلى قضائه وقدره جل وعلا. وهذا المقصود به في قوله جل وعلا: ﴿ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات﴾، هذه المصائب التي تصيب الإنسان في الدنيا. ﴿ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون﴾. فالله عز وجل أعطاهم ثلاث جوائز: أولًا أعطاهم الصلاة والرحمة، ثم قال جل وعلا: ﴿أولئك هم المهتدون﴾. فالصبر يكون على هذه الأشياء ثلاث: صبر على الطاعة، وصبر عن المعصية، وصبر على أقدار الله عز وجل المؤلمة. فهذا أمر الله عز وجل بالصبر، قال: ﴿يا أيها الذين آمنوا صبروا وصابروا﴾. وقال الشيخ السعدي هنا: والمصابرة هي الملازمة والاستمرار على ذلك على الدوام، ومقاومة الأعداء في جميع الأحوال. والمرابطة: أن المصابرة الآن غير الصبر، الصبر هو تصبير النفس وحبس النفس عن ما تريد أو عما يضرها، فهذا صبر. وأما المصابرة فهو الاستمرار والملازمة، المصابرة: الاستمرار في الصبر والملازمة. الصبر معنا أنها مسألة أعظم من الصبر، معنا تأتي بعد الصبر، أي أن يصبر الإنسان نفسه ويداوم على هذا الصبر ويستمر عليه. وقيل: أن المصابرة هنا مقاومة الأعداء، مقاومة الأعداء في جميع الأحوال. فهذا أيضًا المصابرة، يا أيها الذين آمنوا صبروا وصابروا، أي قاوموا أعداءكم. وقد يكون المراد كما ذكر الإمام القرطبي وغيره: أنه أعم، فيكون المراد وصابروا، أي التزموا واستمروا على ما أنتم عليه من الصبر. فإذا صبرتم على طاعة الله وعن معصية الله وعلى الأقدار المؤلمة، فاستمروا على ذلك، لا تضجروا، لا تضجروا من الصبر؛ لأن الصبر يحتاج إلى صبر، الصبر أيضًا يحتاج إلى صبر، وهو المصابرة، أن يصبر العبد نفسه على الصبر؛ لأن النفس سرعان ما تضجر، ما تتحمل مثلًا فترة، فسرعان ما تتفلت على الشخص. فلهذا يصبر، يصابرها، أن يلجمها الصبر. فالمصابرة معنى شيء زائد على الصبر، وهو الإلجام، إلجام النفس على الصبر. قال: والمرابطة قوله هو رابط، قال: والمرابطة هي الملازمة والاستمرار على ذلك على الدوام، ومقاومة الأعداء. قال: والمرابطة لزوم المحل الذي يخاف من وصول العدو منه، وأن يراقب أعداءهم ويمنعوهم من الوصول إلى مقاصدهم لعلهم يفلحون. فهذه المصابرة أو المرابطة جاءت في النصوص على قسمين: مرابطة الأعداء في الثغور، الثغر هو المكان الذي قد يدخل منه الأعداء إلى بلاد المسلمين. فيحتاج إلى رباط، يحتاج إلى أناس يجلسون في ذلك المكان يتمركزون مثل الحرس، يعني يكونون مثل الحرس في ذلك المكان حتى لا يمكن أعداء الله من الدخول إلى بلاد المسلمين. فيسمى ثغور، وقد كان في وقت السلف، في وقت التابعين لما استولى أهل الإسلام في عهد عمر على الشام والعراق، فكانت ثغور أهل الإسلام في الشام، كانت الثغور أكثرها في الشام، وفي أطراف العراق؛ لأن ذاك المكان هو مكان حدود الأعداء ودخولهم. ثم أن رقعة الإسلام توسعت في عهد عثمان بعد ذلك، وفي عهد علي ومعاوية، حتى بلغوا إلى مشارق الأرض ومغاربها، بلغوا إلى الهند والصين في عهد معاوية رضي الله عنه. وإلا كان كما قلنا يلزمون الثغور في الشام. فهنا قوله: ورابط، هل المراد به رباط الأعداء أم أن المراد به الرباط الذي يكون في الصلوات والعبادات، وهو مثل المصابرة، لكنه رباط من نوع خاص، وهو رباط الصلاة، أي انتظار الصلوات والصبر على الطاعة. فجاء عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أنه قرأ هذه الآية، قال: وهذا الرباط إنما هو رباط الصلاة؛ لأنه لم يكن في عهد النبي عليه الصلاة والسلام رباط، أو لم يكن في عهد النبي عليه الصلاة والسلام ثغور. وهذا كلام صحيح؛ أنه لم يكن هناك ثغورًا في عهد النبي عليه الصلاة والسلام يتمركز فيها المسلمون. وإنما حصلت هذه الثغور أو الرباط في الثغور في عهد عمر رضي الله عنه لما أراد أن يحجز، وأيضًا يؤمن الشام والعراق من دخول الكفار إلى بلاد المسلمين. فلهذا قال أبو سلمة: أن الرباط هنا رباط الصلاة، وليس رباط الأعداء. لكن أكثر المفسرين على أن الرباط هنا يحتمل الأمرين معًا، يحتمل الأمرين معًا: رباط الأعداء في الثغور، وكذلك الرباط الذي يكون في سبيل الله، أو الرباط الصلاة وانتظار الصلوات والصبر على انتظار الصلاة تلو الصلاة. فلهذا مما يؤيد هذا: أنه قد جاءت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في فضل الرباطين، في فضل الرباطين. فمما جاء مثلًا في رباط الأعداء: ما جاء في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر، وأيضًا من حديث أبي هريرة، وحديث سهل بن سعد في الصحيحين: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «رباط يوم وليلة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها». وقال أيضًا في صحيح مسلم: «وإنه ليجري عليه عمله وهو في قبره». معنى: أن رباطه في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها، فإذا مات جرى عمله، جرى عمله هذا الذي عمله وهو المرابطة في هذه الثغور، يجري عمله في قبره، وهو في قبره. وهذا العمل يجري عليه. ومن المرابطة: الحراسة في سبيل الله جل وعلا. فلهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «رباط يوم وليلة خير من الدنيا وما فيها، ويجري عليه عمله وهو في قبره، ويؤمن الفتان». فالرباط في سبيل الله جل وعلا، وهذا ما يؤيد أن يمراد بالرباط هنا أيضًا رباط الأعداء، والرباط في الثغور. والرباط في الثغور ينقسم إلى قسمين: رباط دائم، ورباط غير دائم. الرباط الدائم هو السكن في أماكن الثغور، كما حصل من كثير من السلف، أو في ذلك العهد، جاء الناس في أماكن الثغور بأهاليهم، حتى صار سكن لهم. وأيضًا سكن لهم، ورباط بدون سكن، معنا أقصد لا يأتي بأهله وأولاده، وإنما هو يرابط. وهذا أعظم. ولهذا كان بعض السلف يحرص على المرابطة في الثغور، مثل ما كان يفعل ذلك عبد الله بن المبارك رحمه الله عليه، كان سنة يذهب إلى الحج، وسنة يذهب إلى الثغر، إلى الشام، يكون في ذلك المكان. قال: وأيضًا الرباط الثاني هو الرباط الذي هو الصلاة وانتظار الصلاة. وقد جاء في ذلك عدة أحاديث، منها ما جاء في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟»، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرت الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة تلو الصلاة، فذلكم الرباط». فذلكم الرباط، أي: الانتظار للصلاة. فالذي ينتظر الصلاة فهو في رباط، والذي أيضًا ينتظر الصلاة بعد الصلاة الأخرى فهو في رباط. والذي يكون جالسًا في المسجد، فهذا رباط عظيم، الذي يكون جالسًا في المسجد فهو منتظر للصلوات. وكذلك مرابط بين الصلاة والصلاة. ومن الأحاديث التي جاءت: حديث عبد الله بن عمر عند أحمد، وابن ماجة، وغيرهما، وإن كان في الأسانيد الضعف، لكن قد جاء من طرق، وحسنه الشيخ الألباني رحمه الله عليه: أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى المغرب، ثم خرج، فجلس أناس في المسجد ينتظرون صلاة العشاء. فجاء النبي عليه الصلاة والسلام مسرعًا من بيته، وقد حفزه النفس، وأشار إلى السماء، وقال: «أبشروا، فإن ربكم قد فتح بابًا من السماء، يباهي بكم الملائكة، فيقول: انظروا إلى عبادي، قد قضوا صلاتهم، وهم ينتظرون الأخرى». فهذا عظيم، هذا الرباط، أن الله عز وجل يباهي بالرباط العباد، يباهي بهم الملائكة. وهذا يدل على فضله العظيم. ثم قال: ﴿لعلهم يفلحون﴾، أن يفوزوا بالمحبوب الديني والدنيوي والأخروي، وينجون من المكروه كذلك. قال: فعلم من هذا: أنه لا سبيل إلى الفلاح بدون الصبر والمصابرة والمرابطة المذكورات؛ أن هذه الأربع المذكورات مع تقوى الله جل وعلا لابد منها في الفلاح. فلم يفلح من أفلح إلا بها، ولم يفت أحد الفلاح إلا بالإخلال بها أو ببعضها، لم يفت أي لم يفلح الشخص إلا أنه فاته أو أقل بهذه الثلاثة الأشياء والأربعة: أخلى بالصبر، والمصابرة، والمرابطة، وتقوى الله عز وجل. لأن المصابرة والمرابطة هي دوام الطاعة، وهذا هو القنوت الذي قصده الله عز وجل في آيات كثيرة، قال: ﴿إلا بالخلال بها أو ببعضها﴾. قال: والله الموفق، ولا قوة إلا به. فهذه بعض الآيات التي ذكرناها في هذا المقام، وهي العشر الآيات الأخيرة من سورة آل عمران. وإن شاء الله تعالى غدًا نذكر بعض الفوائد العامة في هذه الآيات، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.