الدرس في تفسير العشر الآيات الأخيرة من آل عمران من تفسير السعدي 9، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح فضل أهل الإيمان والتقوى ونعيمهم في الدنيا والآخرة، حيث يحصلون على عز الدنيا ونعيمها وجنات تجري من تحتها الأنهار. يتمتعون بحياة طيبة في الدنيا قبل الآخرة مع الطمأنينة والراحة لقلوبهم.
يصف كيفية دخول أهل النار جهنم وأهل الجنة الجنة، حيث يساق أهل النار إليها دفعا بينما يكرم أهل الجنة بدخولهم الجنة بضيافة من الله. ينقسم أهل الجنة إلى أصحاب اليمين والمقربون.
يشرح درجات أهل الجنة، حيث الأبرار قد يكونون غير المقربين ويشربون من تسنيم مخلوطا، بينما المقربون يشربون منها صرفا. التسنيم عين في جنات المقربين.
الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى عند قول الله جل وعلا: ﴿لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نزلا من عند الله وما عند الله خير للأبرار﴾. وهذه الآية بعد قول الله جل وعلا: ﴿متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد﴾، ثم ذكر ربنا جل وعلا أهل الإيمان فقال: ﴿لكن الذين اتقوا ربهم﴾، فاستدرك بلكن ليبين فضل أهل الإيمان وأنهم أهل الفوز والنجاة. قال العلامة السعدي رحمه الله عند هذه الآية: وأما المتقون لربهم المؤمنون به، فمع ما يحصل لهم من عز الدنيا ونعيمها، لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها. ومع ما يحصل من الطمأنينة والراحة لقلوبهم في هذه الدنيا، فإن أهل الإيمان كما قد ذكرنا بالأمس قول النبي عليه الصلاة والسلام: «من كانت الآخرة همه جمع الله شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة». فأهل الإيمان الذين همهم الدار الآخرة وما يتعلق بها، تجد أن قلوبهم فيها فسحة عظيمة وفيها راحة وطمأنينة، وهي الجنة المعجلة في الدنيا قبل جنة الآخرة. فهذه الجنة التي قال الله عز وجل فيها: ﴿من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون﴾. فهذه الحياة الطيبة تكون في هذه الدنيا، فأهل الإيمان يكونون في هذه الدنيا على حياة طيبة، وإن لم تكن عندهم الأموال، لكن قلوبهم مطمئنة وقلوبهم مرتاحة، يعلمون أن كل شيء من عند الله فيصبرون ويرضون بقضاء الله وقدر، ولا يتضجرون مما يصيبهم من الأذى أو من المصائب أو من الابتلاءات، فإنهم يعلمون أنها من الله فلا تؤثر فيهم. فلهذا هذه الحياة الطيبة التي يتحصل عليها المؤمن في هذه الدنيا قبل الآخرة، ولهذا ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله عن شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية أنه كان يقول: «إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة». وهذه الدنيا هي الطمأنينة القلب وانشراحه لأمر الله ونهيه، بخلاف من أعرض عن الله فإنه يصيبه الضنك في هذه الحياة، وبحسب إعراضه يكون هذا الضنك. فالله عز وجل ذكر أن هؤلاء المعرضون «ومن يعرض عن ذكر الله فإن له معيشة ضنكا». حياة ضيقة لضيق قلوبهم، فالمراد به ضيق القلوب. وأيضا وإن تنعموا في الظاهر بالأموال وبغيرها، لكن قلوبهم ضيقة وضنك في قلوبهم. ولهذا تجد أن الكفار دائما عندهم انتحارات، ينتحرون، فمن قرأ النسب التي عند الكفار من المنتحرين يجد أنها نسب كبيرة، ممن ينتحر في اليوم. فلهذا قال المؤلف رحمه الله تعالى: وأما المتقون لربهم المؤمنون به، فمع ما يحصل لهم من عز الدنيا ونعيمها، لهم جنات تجري من تحتها الأنهار. أيضا قد يحصل لهم من نعيم الدنيا الظاهر، أي من الأموال، وأيضا ما يكون من هذه الزينة الدنيا، لكن هذه الأموال ما تغرهم، وعندهم تجارات، وهذه التجارات لا تلهيهم، بل يحافظون على صلواتهم، يحافظون على دينهم، وأهم شيء عندهم الدين. ولهذا قال الله عز وجل في وصف مثل هؤلاء: ﴿في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والابصار﴾. يخافون ذلك اليوم، لكن هذه الأموال التي عندهم لا تلهيهم، كما ذكرنا بالأمس أن جماعة من الصحابة وكذلك من السلف كانت عندهم أموال، لكن استخدموها في طاعة الله جل وعلا، وفي الإعانة على الطاعة، فكانت لهم مكسَبا، وكانت لهم أيضا أجرا عند الله جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: فلو قدر أنهم في دار الدنيا قد حصل لهم كل بؤس، عن هؤلاء أهل الإيمان، حتى لو قدر أنه حصل لهم كل بؤس في هذه الحياة، فإنهم أيضا لا يؤثر عليهم، لأنهم يعلمون أن هناك حياة عند الله عز وجل ونعيم. ولهذا جاء في الحديث أن الرجل يوضع في ماء يقال له ماء الحياة، أي في الآخرة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يؤتى بأبأس أهل الدنيا، أفقرهم، يؤتى بأبأس أهل الدنيا فيلقى في هذا الماء، يصبغ بصبغة من الجنة، فيقال له: يا فلان هل رأيت بؤسا قط؟ هل مر بك بؤس قط؟ فيقول: لا يا رب، ينسى ذلك البؤس الذي كان في الدنيا بصبغة واحدة في الجنة، نسي ما كان عليه في الدنيا من الفقر والعوز وغيره». فلهذا تجد أن العبد قد يجد البؤس في هذه الحياة والشدة وعناء ومشقة، لكن هذا بالنسبة إلى النعيم المقيم والعيش السليم والسرور والحبور والبهجة نزرا يسيرا. ما يجده أو ما يجد مغبته هذا عندما يرى النعيم، وأيضا كذلك البهجة والسرور والعيش في تلك الدار الآخرة. قال الله عز وجل: ﴿نزلا من عند الله﴾، أن يكافئهم الله عز وجل بأن يجعل لهم النزل، والنزل هو ما يعد للضيف، كأنهم ضيوف الرحمن، أهل الجنة، الله عز وجل يعد لهم الضيافة. ولهذا حتى في الحشر لما يدخلون الجنة أيضا أهل الجنة لهم إكرام من عند الله جل وعلا، فقال الله عز وجل: ﴿يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا﴾. انظر الفرق، هذا وفد، الوفد هو كبار القوم الذين يحترمون ويكرمون. فقال: ﴿يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا﴾، أنا مكرمين معززين لهم المكان، فيدخلون الجنة. لكن أهل النار قال الله عز وجل: ﴿ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا﴾، المجرمون يساقون، والسوق بالدفع، أنهم يدفعون، ورد معنى دفعا، يدفعون دفعا، تدفعهم الملائكة، معنى مثل الذي يدخل مثلا أغنام، وكذا يضرب هذه ويرجع هذه وهكذا حتى يدخلون النار، لأنهم ما يريدون دخول النار، فلهذا يسحبون إليها. وأما أهل الجنة فيكرمون، فيكونون ضيافا عند الله عز وجل، فيكرمهم الله عز وجل بهذا الإكرام. ولهذا أول ما يدخلون الجنة لهم تحفة لهم ضيافتهم، وهو كما ذكر النبي عليه الصلاة والسلام: «أنه يذبح لهم الكبش الذي يأكل من أطراف الجنة، يذبح لهم في أول ما يدخلون الجنة». وأيضا أعطاهم الله عز وجل تحفة وهي زيادة كبد الحوت، زيادة كبد الحوت أيضا تحفة وهدية من الله عز وجل وضيافة لأهل الجنة. فقال: ﴿وما عند الله خير للأبرار﴾، قالوا: هم الذين برت قلوبهم، فبرت أقوالهم وأفعالهم، برت معنى البر والطاعة، فأثابهم البر الرحيم من بره أجرا عظيما وعطاء جسيما وفوزا دائما. فنعطيهم الله عز وجل هذا النعيم العظيم، فأثابهم البر الرحيم جل وعلا، إنه هو البر الرحيم، البر الذي يجزي أهل طاعته، وأيضا كذلك يكافئهم ويعطيهم من خيره جل وعلا، ويعطيهم مما أعده لهم، فهو بر الرحيم جل وعلا، فيعطيهم الأجر العظيم والعطاء الجسيم، وأيضا يكونون في الفوز الدائم. وهنا قوله: ﴿وما عند الله خير للأبرار﴾، الأبرار هي منزلة من منازل أهل الجنة، لكن قد يراد كما قال بعض الشراح وبعض المفسرين قد يراد هنا المراد بهم أهل الإيمان جميعا. وإلا في سورة المطففين يدل على أن الأبرار من أهل اليمين، على أن الأبرار من أهل اليمين، لأن الله عز وجل ما ذكر: ﴿إن الأبرار لفي نعيم على الأرائك ينظرون تعرف في وجوههم نضرة النعيم يسقون من رحيق مختوم ختامه مسك﴾. أن هذا الرحيق وهو الشراب ختامه مسك، معنى التطعم لذة مثل لذة المسك، مثل ريح المسك عندما يراح، ختامه مسك. ﴿وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ومزاجه من تسنيم عينا يشرب بها المقربون﴾، فهذا التسنيم عين عند المقربين، لكن أهل اليمين أصحاب اليمين والأبرار إنما يمزج فقط لهم في شرابهم. فدل على أن الأبرار من أهل اليمين، ومن أصحاب اليمين، أي منزلتهم معلومة. أن الله عز وجل لما ذكر الناس ذكرهم ثلاث أصناف، فأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين. وأما إن كان من المقربين، أو قال: أما من كان من أصحاب اليمين فروح وريحان وجنة نعيم. وأما إن كان من المكذبين الضالين فنزل من حميم وتصلية جحيم. فهناك أهل الجنة على قسمين، أهل الجنة على قسمين، أهل أصحاب اليمين، وكذلك أيضا المقربون. فلهذا هنا قال: ﴿وما عند الله خير للأبرار﴾، قد يراد به كما قلنا الأبرار هنا عام يدخل فيه أصحاب اليمين، وكذلك يدخل فيه المقربون. وقد يراد به الأبرار هم غير المقربين كما ذكرهم الله عز وجل كما قلنا في سورة المطففين، فجعل معهم الشراب مزاجه من تسنيم، وهذا التسنيم عينا عند المقربين في جناتهم في منازلهم، عينا يشرب بها المقربون يشربون بها صرفا منها خالصا، لكن أصحاب اليمين يخلط لهم من ذلك التسنيم. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم، والحمد لله رب العالمين.