مباحث في الشفاعة والرد على المخالفين 12

مباحث في الشفاعة والرد على المخالفين 12

الدرس في مباحث في الشفاعة والرد على المخالفين 12، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

الرد على شبهة الغلاة في الشفاعة

يبيّن المقطع أن دعوى التوسل بالأنبياء والأولياء للشفاعة عند الله هي عين حجة المشركين القدامى، وأنها تشبيه للخالق بالمخلوق. ويؤكد أن الله قريب مجيب للداعي مباشرة بلا حجاب، وأن خزائنه ملآى لا تنقصها سؤال العباد.

بطلان طلب الشفاعة من غير الله

يرد النص شبهة طلب الشفاعة من غير الله مستدلاً بحديث يبين سعة ملك الله وعطائه، ويؤكد أن الولاية نيلها بالإيمان والتقوى لا بالوساطة. ويسوق مثالاً واقعياً لقبوريين يتمسكون بزيارة قبور يزعمون صلاح أصحابها لتبرير الشرك، محذراً من هذه العقيدة الفاسدة.

تحذير من أحاديث موضوعة في زيارة القبر

يناقش المقطع أحاديث موضوعة وضعيفة نُسبت للنبي صلى الله عليه وسلم في فضل زيارة قبره والصلاة أربعين صلاة في مسجده، ويبين ضعف أسانيدها وجهالة رواتها. ويحذر من الاغترار بهذه الأحاديث مما يسبب الزحام والمشقة، مؤكداً أن الثابت هو فضل الصلاة في المسجد النبوي بألف صلاة.

منهج أهل السنة في إثبات العبادات بالدليل

أهل السنة يثبتون العبادات فقط بدليل من الكتاب أو السنة، سواء كان ذلك من قول النبي صلى الله عليه وسلم أو فعله أو تقريره. ولا يعبدون الله إلا بما شرعه الدليل الشرعي.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وبعد، فأخذنا في الدرس الماضي الكلام على الشفاعات الدنيوية، وعرفنا ما معنى الشفاعة التي أذن بها الشرع، والشفاعة التي نهى عنها الشرع، وأخذنا أمثلة على ذلك من صحيح السنة. وهنا شبهة يوردها غلاة الشفاعة، أو الغلاة في الشفاعة، مستدلين عليها بما مر معنا من قسمي الشفاعة الدنيوية، فيقولون: هؤلاء الأولياء أو الأنبياء لهم منزل عند الله، لهم منزل عند الله لأنهم أهل طاعته، ولأنهم من أوليائه فهم قريبون من الله عز وجل، فنحن نتوجه إلى هؤلاء الأنبياء كي يشفعوا لنا عند ربهم بما لهم من المكانة ومن المنزلة. فمثل ما تأتي عند قريب لحاكم أو أمير أو وزير أو مسؤول أو نحو ذلك، فتطلب حاجتك من غريب الله ومن كذلك ذي منزلة عنده، فهكذا هؤلاء الأنبياء هم ذو منزلة عند الله، فنحن نتقرب إليهم ونطلب منهم أن يشفعوا لنا عند الله عز وجل لما لهم من المنزل والمكانة. وفي الحقيقة هذه الشبهة هي عين ما وقع فيه المشركون الأولون، هو عين ما وقع فيه المشركون الأولون. فهؤلاء يقولون: ﴿هَٰؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ﴾، ويقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ﴾. أي: نحن نتقرب إلى هؤلاء الأولياء حتى يشفعوا لنا، ويكونون سبباً في قربنا من الله لأنهم هم قريبون من الله. فما الفرق بين ما قاله الأوائل وبين ما يقوله المتأخرون؟ لا فرق في الحقيقة. وهذا القول يستلزم منه التزامات باطلة، منها: أنهم شبهوا الخالق بالمخلوق، وقعوا في هذا الأمر العظيم. فهل الرب الكريم الرحيم الذي يسمع كل ما يقوله خلقه، ويعلم كل ما يعمله خلقه، هل هذا الخالق العظيم الجليل يشبه بهذا المخلوق الضعيف، المخلوق الذي لا يملك ولا يرزق ولا يسمع من بعد عنه؟ فشتان، شتان بين الأمرين. فهذا أمر خطير جداً وقع فيه هؤلاء المشركون، والعياذ بالله. الله سبحانه وتعالى ليس بينه وبين خلقه حاجب ولا حاجز، مثل ملوك الخلق؛ تجد الحاكم له حجاب، وله حراس، وله عمال. أما الخالق سبحانه وتعالى فهو قريب من جميع خلقه، فكيف لا يستجيب لمن دعه مباشرة؟ أليس الله عز وجل هو القائل: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾؟ ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ﴾ أي داعي، لا يستجيب الله عز وجل لبعض خلقه دون بعض، وإنما يستجيب لجميع خلقه. والله عز وجل قريب من خلقه سبحانه وتعالى، يعلم سرهم وجهرهم، يعلم ما تكن صدورهم. ثم أمر آخر: وهو أن المخلوق لنقصان ملكه فإنه يغضب إذا سئل، ويستكثر إذا طلب. وأما الرب الرحيم الكريم سبحانه وتعالى فإن خزائنه ملآى، سبحانه وتعالى، وإذا لم يسأله خلقه فإنه يغضب سبحانه وتعالى، كما قال القائل: «الله يغضب حين يُترك سؤله، وبني آدم حين يُسأل يغضب». فالله عز وجل كما جاء في الحديث: «لو أن الخلق جميعاً أولهم وآخرهم، وإنسهم وجنهم، كانوا في صعيد واحد، فسألوا الله، فأعطى كل واحد سؤله، ما نقص ذلك من ملكه شيئاً، ما نقص ذلك من ملكه شيئاً». فكيف يسأل غيره، وكيف تطلب الشفاعة والوساطة من غيره سبحانه وتعالى؟ فلا شك أن هذه الشبهة شبهة داحضة، وهذه الشبهة هي عين ما وقع فيه المشركون الأوائل، فما وقعوا فيما وقعوا فيه إلا لذلكم الاعتقاد الفاسد، ذلكم الاعتقاد الفاسد. ثم يقال لهذا الذي يطلب الشفاعة من غيره بحجة أنه صاحب تقصير، وصاحب معاصي، وصاحب ذنوب: لماذا لا تكون أنت من أولياء الله حتى تنال هذه المنازل العالية، وحتى تكون شفيعاً لغيرك؟ لماذا لا تكون همتك عالية فتكون من أولياء الله ومن أصفياء الله سبحانه وتعالى؟ هل الولاية حكر على طائفة دون أخرى، أو على جماعة دون أخرى؟ أبداً. فالله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾. فكل مؤمن تقي فهو لله ولي، فاتصف بهذين الوصفين تنل بإذن الله عز وجل منزلة الشفاعة والقرب من الله سبحانه وتعالى. فلا شك أن هذه شبهة داحضة، وما تعلق من تعلق من هؤلاء القبوريين بالمقبورين إلا بسبب هذه الشبهة، إلا بسبب هذه الشبهة. ذات مرة سمعنا بوجود زيارة شركية في بعض البوادي، وبعض الأماكن البعيدة، في مناطق دوعا، يقال له باراس، يطلع الناس ويزورون قبره، ويتقربون إليه، ويحملون بعض الأعمال الشركية. فذهب بعض الدعاة إلى الله عز وجل من أجل أن يدعو إلى الله، وأن يحذر من هذا الأمر، وأن يبين للناس التوحيد، ويحذرهم من الشرك. فتم ذلك ولله الحمد. فلما سمع دعاة الشرك بذلك، أتوا وقام أحدهم بعد صلاة من الصلوات، وهو يقول: «أتدرون من هذا المقبور حتى تحذرون الناس من طلب الشفاعة منه ومن زيارته؟ أتدرون من هذا المقبور؟ لقد كان يجوب القفار والأودية، لقد كان زاهداً في هذه الدنيا، متفرغاً لطاعة الله، ولياً من أولياء الله، فكيف لا نتقرب إليه، وكيف لا نطلب الشفاعة منه؟». وهكذا بدأ يعني يحث الناس على التمسك بهذه الشركيات، وبهذه الخزعبلات والخرافات، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. فهذا يدل على أن هؤلاء قد أشربوا هذه العقيدة الفاسدة التي كان عليها المشركون الأولون. فالحذر، الحذر من مثل هذه المعتقدات الفاسدة. وفي ختام هذا البحث نحب أن ننبه على ذكر بعض الأحاديث الموضوعة والضعيفة في باب الشفاعة، لأن بعض غلاة، أو بعض الغلاة في باب الشفاعة يتمسكون بها ويستدلون بها، فنبه العلماء على بعض تلك الأحاديث الضعيفة في باب الشفاعة. يقول شيخنا الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه «الشفاعة»: «وردت أحاديث أن زيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم سبب لشفاعته صلى الله عليه وسلم، قال: ولا يثبت منها شيء، ولا يثبت منها شيء. ثم قال: وسأنقل إن شاء الله عن أهل العلم ما يتعلق بهذه الأحاديث». وذكر بعض هذه الأحاديث الموضوعة والضعيفة، ومنها ما أخرجه الإمام سليمان بن داود الطيالسي رحمه الله في «ترتيب المسند» من حديث عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «من زار قبري، أو قال: من زار ني، كنت له شفيعاً أو شهيداً، ومن مات في أحد الحرمين بعثه الله من الآمنين يوم القيامة». قال شيخنا: الحديث أيضاً أخرجه البيهقي، وقال: «هذا إسناد مجهول، هذا إسناد مجهول». وقال الحافظ الكبير محمد بن أحمد بن عبد الهادي في كتابه «الصارم المنكي» الذي هو أحسن مرجع لهذه الأحاديث: «هذا الحديث ليس بصحيح لانقطاعه وجهالة إسناده واضطرابه، ولأجل اختلاف الرواة في إسناده واضطرابه واضطرابهم فيه، جعله المعترض يعني السبكي ثلاث أحاديث، وهو حديث ساقط الإسناد، وهو حديث ساقط الإسناد، لا يجوز الاحتجاج به، ولا يصلح الاعتماد على مثله، على مثله». فتجد بعض هؤلاء يعني يزدحم على قبر النبي عليه الصلاة والسلام، ولربما استناداً إلى هذا الحديث، إلى هذا الحديث، وهذا من الجهل بدين الله عز وجل، وبعلم الحديث، وبالاطلاع على ما حذر منه العلماء، علماء الحديث، من مثل هذه الأحاديث الضعيفة والموضوعة. وكذلك ذكر حديثاً آخر شيخنا في كتابه «الشفاعة»، قال: «رواه الإمام أحمد»، نعم، أن من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من صلى في مسجدي أربعين صلاة لا يفوته صلاة، كتب له براءة من النار، ونجاة من العذاب، وبراءة من النفاق». وهذا أيضاً حديث ضعيف في سنده نبيط بن عمر، ولم يرو عنه إلا عبد الرحمن بن أبي الرجال، كما في «تعجيل المنفعة»، وهو كذلك مجهول العين، فالحديث لا يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لا في مثل هذا التحديد بالصلاة في المسجد بهذا العدد، ولا بزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وأنها سبب للشفاعة. إنما وردت أحاديث أخرى في فضل الصلاة، صلاة الفريضة مطلقاً في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، وأنها تعدل بألف صلاة، بألف صلاة، هذا الذي ثبت. ولذلك علق شيخنا الوادعي رحمه الله تعالى بعد ذكره لهذه الأحاديث التي لم تثبت في الشفاعة، قال: «وإنما ذكرت هذه الفائدة لما يلحق بعض الزحام من الضرر، من الضرر بسبب انتظارهم حتى تنتهي الأربعون صلاة، ونعم، مغترين بهذا الحديث الذي لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم». ثم قال: «حتى لا يظن في أهل السنة الظنون الكاذبة الواهية». قال شيخنا رحمه الله: «ولست ممن يزهد في المكث بمدينة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، التي أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أن من مات بها كان له شفيعاً أو شهيداً، كما مر معنا في أسباب الشفاعة، ولكني أردت أن أبين لمن يغتر بهذا الحديث ويبقى من أجله أنه لا يثبت». فهكذا أهل السنة، نصحاً، وإنما يبينون تلك الأحاديث الضعيفة حتى لا يتعبد المرء لربه سبحانه وتعالى بحديث ضعيف أو موضوع لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فأهل السنة ولله الحمد ما يثبتون عبادة من العبادات، ولا يفعلون عبادة من العبادات إلا بدليل من الكتاب أو من السنة، سواء أكان من قول رسول الله، أو من فعله، أو من كذلك تقريراته صلى الله عليه وعلى آله وسلم. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.