الدرس في شرح الأصول الثلاثة 4، الدرس الرابع:من( الأصل الثالث:معرفة نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم ... والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم ). ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض المقطع نسب النبي المتفق عليه إلى عدنان وإسماعيل، وعمره الشريف (63 سنة) مع المقارنة بالخلفاء الراشدين، ويوضح الفرق بين النبوة والرسالة مستدلاً بكلام شيخ الإسلام ابن تيمية. ويختم ببداية الوحي بسورتي العلق والمدثر، ومهمة الإنذار بالتوحيد والهجرة عن الشرك في مكة لعشر سنوات قبل الإسراء والمعراج.
يحذر المتحدث من بدعة الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج، مؤكداً أن محبة الله ورسوله تثبت باتباع الكتاب والسنة بفهم السلف لا بالابتداع. ثم يقرر أن الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام فريضة باقية إلى قيام الساعة مستدلاً بالقرآن والسنة.
يوضح المقطع حرص النبي محمد ﷺ على الدعوة إلى التوحيد حتى لحظة وفاته، وتميز رسالته بكونها للناس والجن كافة وإكمال الدين به. كما يؤكد على عقيدة البعث والحساب، ووظيفة الرسل في التبشير والإنذار، ووراثة العلماء للعلم النبوي.
يوضح المقطع تصحيح حديث أبي ذر في عدد الرسل والأنبياء، ويعرّف الطاغوت بأنواعه، ويفسر كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) بأنها نفي العبادة لغير الله وإثباتها له وحده. ويرد على تفسيرات الفرق الضالة التي تحصر المعنى في الربوبية أو الحاكمية أو مجرد العبادة دون قيد الحق.
يشرح المقطع حديث معاذ بن جبل الذي يبين أركان الإسلام الثلاثة: رأس الأمر هو الشهادة، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمة الله وتمكين الدين. ويشير إلى أن الحديث أخرجه الإمام أحمد وحسنه الألباني، وأن الشيخ أفاض في شرحه.
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين. أما بعد، فلا زلنا مع الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب، غفر الله له ورحمه، ومع رسالته الموسومة بـ "ثلاثة الأصول". وقد وقفنا عند الأصل الثالث: معرفة النبي محمد صلى الله عليه وسلم. قال رحمه الله: "الأصل الثالث: معرفة نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم، وهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم، وهاشم من قريش، وقريش من العرب، والعرب من ذرية إسماعيل بن إبراهيم الخليل، عليه وعليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام. قال: له من العمر ثلاث وستون سنة". هذا هو نسب نبينا صلى الله عليه وسلم: هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم، وهاشم من قريش، وقريش من ولد عدنان. وهذا النسب متفق عليه بين أهل العلم. هذا النسب إلى عدنان، هناك ما يقرب من عشرين رجلًا، وهذا النسب متفق عليه بين أهل العلم. وكذلك قد اتفقوا على أن عدنان من ذرية إسماعيل، على أن عدنان من ذرية إسماعيل بن إبراهيم، عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام. وعدنان هم أفضل العرب، والأنبياء يبعثون في أشرف الأنساب وأفضل الأحساب، فنبينا عليه الصلاة والسلام من هذه السلالة. قال: "وله من العمر ثلاث وستون سنة". عندما توفي صلى الله عليه وسلم كان قد بلغ هذا المبلغ من العمر. ومن قدر الله جل وعز أن هناك ثلاثة من الخلفاء عندما توفوا كان هذا هو عمرهم. من هم؟ أبو بكر، وعمر، وعلي. أبو بكر وعمر وعلي رضي الله عنهم وعن الصحابة أجمعين، عندما قضى الله عليهم بما كتبه عليهم وعلى غيرهم وأماتهم، كانوا قد بلغوا هذا المبلغ من العمر. وأما عثمان رضي الله عنه فعندما توفي كم كان عمره؟ في الثمانين. نعم، كان عمره ما يقرب من ثمانين عامًا. قال: "منها أربعون قبل النبوة، وثلاث وعشرون نبيًا رسولًا". وقد كانت سيرته عليه الصلاة والسلام قبل النبوة سيرة حافلة، وكان معروفًا بالأمين بين قومه، وبالصادق عليه الصلاة والسلام، وما ارتكب شيئًا يقبح به، صلوات الله وسلامه عليه. فإن الله تبارك وتعالى قد هيأه منذ صغره، وقد كتب هذا قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف عام، هيأه الله تبارك وتعالى لحمل هذه الرسالة. قال: "منها أربعون قبل النبوة، وثلاث وعشرون نبيًا رسولًا". نُبِّئَ بـ "اقرأ"، وأُرسل بالمدثر. وهل هناك خلاف بين أهل العلم في الفرق بين النبي والرسول؟ الصحيح أن هناك فرقًا. الصحيح أن هناك فرقًا بين لفظة النبوة ولفظة الرسالة. ذهب بعضهم إلى أنه لا فرق، وهذا قول باطل. والصحيح أن هناك فرقًا بين النبي وبين الرسول. وهناك تعريف مشهور بين أهل العلم: أن النبي هو الذي لم يبلغ أو لم يؤمر بالبلاغ، وأما الرسول فهو الذي أمر بالبلاغ. وهذا هو التعريف المشهور الذي يذكره كثير من العلماء، إلا أن فيه نظرًا. فإن الله جل وعز قال: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ ﴾ [الحج: 52]، فأثبت رب العزة والجلال للنبي وللرسول صفة الإرسال. وقد تكلم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بكلام نفيس في كتابه "النبوات" في التفريق بين النبي وبين الرسول، وخلص رحمة الله عليه إلى أن النبي: من بعث إلى قوم موافقين، وأما الرسول: فهو الذي يبعث إلى قوم مخالفين. وقد استثنى بعض الأنبياء وبعض الرسل حتى ينضبط له هذا التعريف. وحبذا أن يرجع إليه. وهناك فرقة أخرى ضالة فرقت بين النبي والرسول، لكنها جعلت النبي أفضل من الرسول، وجعلت الولي أفضل من النبي. ليقول قائلهم: "مقام النبوة في برزخ، مقام النبوة في برزخ، فوق الرسول ودون الولي". عندهم الولي منزلته أعظم من منزلة النبي، ومنزلة النبي أعظم من منزلة الرسول. وهذا ضلال والعياذ بالله، وهذا ضلال وانحراف، أعاذنا الله وإياكم منه ومن أهله. قال: "نُبِّئَ بـ 'اقرأ'". أول ما نزل عليه أنه نُبِّئَ عليه الصلاة والسلام، نزلت عليه هذه السورة أول ما نزل عليه، وجاءته الرسالة وأنه نبي. نُبِّئَ بـ "اقرأ": ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾ [العلق: 1]. لما جاءه جبريل فقال: "اقرأ"، قال: "ما أنا بقارئ". قال: "اقرأ". قال: "ما أنا بقارئ". قال: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾ إلى نهاية ما قد قرأه عليه من هذه السورة العظيمة. وقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم حينئذٍ يتحنث في ذلك الغار، ويتعبد ربه تبارك وتعالى في ذلك الغار. ثم قال: "أُرسل بالمدثر". بسورة المدثر جاءته الرسالة بهذه السورة العظيمة. وقد نص غير واحد من أهل العلم على أن الزمن بين النبوة والرسالة لم يكن زمنًا طويلًا. على أن الزمن بين كونه نبيًا وبين كونه رسولًا، نص غير واحد من أهل العلم على أن الزمن لم يكن طويلًا. ومن نص على ذلك سماحة الشيخ ابن باز رحمة الله عليه. قال: "وبَلَدُهُ مَكَّةُ، بَكَّةُ". مكة هي بلده. بعثه الله بالنذارة عن الشرك، ويدعو إلى التوحيد. والدليل قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ ﴾ [المدثر: 1-2]. فإنه لما أرسل بهذه السورة جاء إلى خديجة وقال: "دثروني، دثروني، زملوني، زملوني". قال له ربه جل وعز: ﴿ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ ﴾ [المدثر: 1-7]. شرح الشيخ رحمة الله عليه هذه الآيات العظيمة. قال: "ومعنى: قم فأنذر: ينذر عن الشرك، ويدعو إلى التوحيد". وهذه مهمة جميع الأنبياء والرسل: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾ [النحل: 36]. ما هي وظيفتهم؟ أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت. قال: "وربك فكبر: أي عظمه بالتوحيد، عظم الرب جل وعز بالتوحيد، فالله أكبر ولا شيء أكبر منه جل وعز". قال: "وثيابك فطهر: أي طهر أعمالك من الشرك، وحاشاه عليه الصلاة والسلام أن يقع بالشرك، ولكن هذا خطاب له وهو خطاب لأمته من بعده". ثم قال: "والرجز فاهجر". قال الشيخ: "الرجز: الأصنام، وهجرها: تركها وأهلها والبراءة منها، وأهلها والبراءة منها وأهلها". ثم قال: "أخذ على هذا عشر سنين يدعو إلى التوحيد، وبعد العشر عرج به إلى السماء في تلك الحادثة الشهيرة: حادثة الإسراء والمعراج". ولم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم النص على تعيين زمن هذه الحادثة. قيل: إنها في ليلة سبع وعشرين من هذا الشهر، شهر رجب. وقيل: إنها في الليلة السابعة عشرة من شهر رمضان. وقيل: أنها في شهر ربيع الأول. وقيل كذلك أنها في شعبان. أقوال ذكرت، لكن تحتاج إلى دليل حتى نعتقد هذا الزمن وندين لله جل وعز به. هذا من ناحية. أما من الناحية الأخرى، فإن ما يفعله مع الأسف كثير من أهل الإسلام في هذه الأيام من الاحتفال في هذه الليلة، فإن هذا والعياذ بالله بدعة وضلالة، قد لعب بهم الشيطان وذهب بهم ذات اليمين وذات الشمال، وصرفهم عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم. وليعلم هذا: ربنا جل وعز بيّن العلامة التي تثبت صدق الدعوة في أننا نحب النبي صلى الله عليه وسلم وأننا نحب الله جل في علاه: ﴿ قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ﴾ [آل عمران: 31]. هذه آية المحنة، كما يسميها بعض أهل العلم. هذه آية المحنة التي تثبت صدق الدعوة. كثير من أهل الإسلام يدعي محبة الله، ويدعي محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أن الدليل الصادق والبرهان الذي يدل على صدق هذه الدعوة هو ما ذكره ربنا جل وعز: ﴿ قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ﴾. وليعلم هذا: أهل السنة رحمهم الله هم أسعد الناس بالنبي صلى الله عليه وسلم. لا يقدمون أو يؤخرون، أو ينطقون أو يسكتون، إلا وعندهم مستند من كتاب الله جل وعز أو من سنة النبي صلى الله عليه وسلم. دينهم مبني على الآثار: "نِعمَ المطيَّةُ للفتى الآثارُ". نعم المطيَّة للفتى الأخبار. دين النبي محمد أخبار. نعم المطيَّة للفتى الآثار. لا ترغبن عن الحديث وأهله، فالرأي ليل والحديث نهار. فالرأي ليل والحديث نهار. ومن أعظم ما يميز أهل السنة أن مصدر التلقي عندهم واضح. من أعظم ما يميز أهل السنة عن غيرهم أن مصدر التلقي عندهم واضح. وليعلم هذا: ابن أبي داود رحمه الله في حائيته يقول: "تمسك بحبل الله واتبع الهدى، ولا تكُ بدعيًّا لعلك تفلح. ودينُك بكتاب الله والسنة التي أتت عن رسول الله، تنجو وتربح". هذا مصدر التلقي عند أهل السنة: أنهم يعتمدون على الكتاب العزيز، وعلى ما صح من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ويفهمون الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح رضي الله عنهم. وليعلم هذا: هم ينظرون إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وينظرون إلى أقواله، وإلى أفعاله، وإلى تقريراته، وعلى هذا ينطلقون في عبادتهم. فهذه الحادثة العظيمة التي حصلت للنبي صلى الله عليه وسلم، نحن نؤمن بها ونعتقدها عقيدة ندين بها لله جل في علاه. لكن هذا أمر، وأمر الاحتفال بها أمر آخر. فإننا ننظر: هل فعل النبي صلى الله عليه وسلم ما يفعله هؤلاء؟ هل فعل هذا الاحتفال أبو بكر، أو عمر، أو عثمان، أو علي؟ هل فعله أحد من الصحابة الكرام؟ هل فعله أحد من أئمة الإسلام؟ الجواب: كلا، لم يفعله أحد ممن تقدم ذكرهم. فنحن على آثارهم ماضون، وعلى طريقهم سائرون، لا نحيد عنه يمنة ولا يسرة. قال: "أخذ على هذا عشر سنين يدعو إلى التوحيد، وبعد العشر عرج به إلى السماء، وفرضت عليه الصلوات الخمس". الشيخ الألباني رحمة الله عليه: هذه القصة، قصة عظيمة، حادثة الإسراء والمعراج، كعادته جمع ألفاظها الصحيحة ورواياتها الثابتة، وساقها سياقًا واحدًا، وطبع هذا الكتاب: "الإسراء والمعراج". حبذا أن ينظر فيه طالب العلم ويستفيد منه. قال: "وفرضت عليه الصلوات الخمس في تلك الحادثة العظيمة، وصلى في مكة ثلاث سنين، وبعدها أمر بالهجرة إلى المدينة". قبل حادثة الإسراء والمعراج ما كان يدعو إلا إلى التوحيد، وينهى عن الشرك. ثم بعد هذه الحادثة أمر بالصلاة، إضافة إلى الدعوة إلى التوحيد. ثم بعد ذلك لما هاجر عليه الصلاة والسلام إلى المدينة، نزلت عليه بقية الشرائع. نزلت عليه فريضة الصيام في السنة الثانية، ونزلت عليه فريضة الحج: قيل في السنة الخامسة، وقيل في السنة الثامنة أو التاسعة. وأما الزكاة فقد اختلف فيها أهل العلم: منهم من قال أن فرضها كان قبل الهجرة، ومنهم من قال أن فرضها كان بعد الهجرة. وقد ذهب جمع من المحققين كشيخ الإسلام وغيره إلى أن فرضها بادئ ذي بدء كان قبل الهجرة، في قوله: ﴿ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ﴾ [الأنعام: 141]، وأن السورة مكية. وأما تفاصيل الزكاة من حِيَ الأنصبة ونحو ذلك، فإن هذا كان بعد الهجرة. قال: "والهجرة فريضة على هذه الأمة من بلد الشرك إلى بلد الإسلام". الهجرة فريضة. الهجرة في الأصل: الانتقال. والهجرة في الاصطلاح الشرعي: الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام. وكذلك يدخل جمع من أهل العلم: الانتقال من بلد الضلال والبدع إلى بلد السنة والتوحيد. وكذلك يدخل بعض أهل العلم: الانتقال من بلد المعاصي والفسق والفجور إلى بلد الطاعة والعبادة. قال: "وهي باقية إلى أن تقوم الساعة". هذا هو حكمها: أنها باقية، أنها فريضة، وأنها باقية إلى أن تقوم الساعة. قال جل وعز، والدليل قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ﴾ [النساء: 97]. تأمل إلى هذا الاستثناء: ﴿ إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا ﴾ [النساء: 98]. ما حال هؤلاء وما حكمهم؟ قال ربنا جل وعز: ﴿ فَأُولَٰئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا ﴾ [النساء: 99]. ثم ذكر آية أخرى استنبط منها استنباطًا عجيبًا، ونقل هذا الاستنباط عن الحافظ العالم محي الدين البغوي رحمه الله. قال: وقوله تعالى: ﴿ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ ﴾ [العنكبوت: 56]. قال البغوي رحمه الله: وتأمل سبب نزول هذه الآية في المسلمين الذين في مكة لم يهاجروا. ناداهم باسم الإيمان، أي أن من لم يهاجر فإنه داخل في حضيرة الإيمان، وإن كان لم يأتِ بالواجب الذي عليه. فإن الله جل وعز خاطبهم هنا بماذا؟ قال: أو خاطبهم هنا بماذا؟ قال: ﴿ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾، فأثبت لهم الإيمان. ﴿ إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ ﴾. ثم قال: "والدليل على الهجرة من السنة قوله عليه الصلاة والسلام: «لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها، حتى تطلع الشمس من مغربها»". هذا الحديث رواه الإمام أحمد وغيره من حديث معاوية بن أبي سفيان، خالي المؤمنين، الصحابي الجليل، كاتب وحي رب العالمين، رضي الله عنه وعن بقية الصحابة. وهو حديث قواه الشيخ الألباني رحمة الله عليه. يقول الشيخ: "فلما استقر في المدينة أمر ببقية شرائع الإسلام: مثل الزكاة وقد مر معنا الإشارة إلى ذلك، والصوم، والحج، والأذان، والجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك من شرائع الإسلام. أخذ على هذا عشر سنين، وبعدها توفي صلى الله عليه وسلم، ودينه باق". وكذلك مما حرص على أن يدعو إليه حتى بعد أن انتقل إلى المدينة: الدعوة إلى التوحيد. فإنه عليه الصلاة والسلام وهو على فراش الموت، في مرضه الذي توفي فيه، ثبت عنه أنه قال: «لعن الله اليهود والنصارى»، وفي رواية: «لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». تقول عائشة: «يحذر ما صنعوا». وهذا يدل على حرص النبي صلى الله عليه وسلم على الدعوة إلى التوحيد، وعلى تحذير أمته من مثل هذه الأمور التي تغضب الرب جل وعز. قال: "وهذا دينه: لا خيرًا إلا دل الأمة عليه، ولا شرًا إلا حذرها منه". كما جاء عن أبي ذر عند الحاكم وغيره: «وما طائر يطير في السماء إلا وذكر لنا منه علمًا». وجاء أنه عليه الصلاة والسلام ما مات إلا وقد دل أمته على خير ما يعلمه لهم، وحذرهم من شر ما يعلمه لهم. فصلوات الله وسلامه عليه. قال: "والخير الذي دلها عليه: التوحيد، وجميع ما يحبه الله ويرضاه. والشر الذي حذرها منه: الشرك، وجميع ما يكرهه الله ويأباه". بعثه الله إلى الناس كافة، وافترض طاعته على جميع الثقلين: الجن والإنس. لأنه من خصائص نبينا عليه الصلاة والسلام التي اختص بها عن بقية إخوانه من الأنبياء والرسل: أنه بعث للثقلين، أنه بعث للثقلين، صلوات الله وسلامه عليه. بعث للناس جميعًا. ولأجل هذا يقول ربنا جل وعز: ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ﴾ [الأعراف: 158]. ثم قال الشيخ: "وكمل الله به الدين". والدليل قوله تعالى: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾ [المائدة: 3]. وقد أشرنا إلى ما رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما في قصة أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه مع ذلكم اليهودي. قال: "والدليل على موته صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: ﴿ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ﴾ [الزمر: 30-31]". وهذا مما يعتقده أهل السنة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قد توفاه ربه جل وعز، وهو الآن يعيش حياة برزخية في قبره، يعيش حياة برزخية في قبره، صلى الله وسلامه عليه. قال: "والناس إذا ماتوا يبعثون". وهذه مما اتفقت عليه، أو مما اتفق عليه أهل القبلة، بل مما اتفقت عليه الشرائع: جميع الشرائع السابقة اتفقت على هذا الأمر. ولأجل هذا ألف عالم كتابًا سماه: "إرشاد الطالب إلى اتفاق الشرائع في التوحيد والمعاد والنبوات". وله رسالة أخرى: "المقالة الفاخرة في اتفاق الشرائع في أحوال الآخرة". من هو هذا؟ من صاحب هذين الكتابين؟ الواجب أن الجميع يجاوب: "إرشاد الطالب إلى اتفاق الشرائع في التوحيد والمعاد والنبوات"، والآخر: "المقالة الفاخرة". الشوكاني، الشوكاني له هذه الرسالة، بل له رسائل كثيرة، منها هذه الرسالة والأخرى: "المقالة الفاخرة". وأثبت فيهم بالأدلة على أن هذا الأمر، على أن هذا الأمر متفق عليه بين الشرائع: الإيمان بالبعث بعد الموت، الإيمان بالبعث بعد الموت. قال الشيخ: "والدليل قوله تعالى: ﴿ مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ ﴾ [طه: 55]". قال: "وقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا * ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا ﴾ [نوح: 17-18]". والأدلة في الكتاب والسنة متكاثرة على تقرير هذه المسألة، على تقرير هذه المسألة. قال: "والدليل قوله تعالى... قال: وبعد البعث... قال: وبعد البعث محاسبون ومجزيون بأعمالهم". وقد دلت على هذا النصوص، وقد مر معنا الكلام على هذه المسائل مع شيخنا الشيخ عبيد سلمه الله في شرح السنة، وفي أصول السنة لإمام أحمد. قال: "والدليل قوله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَىٰ ﴾ [النجم: 31]". وكذلك ذكر دليلًا آخر: ﴿ زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ [التغابن: 7]، وذلك على الله يسير. قال: "وأرسل الله جميع الرسل مبشرين ومنذرين". هذه وظيفة الرسل: أنهم مبشرون ومنذرون. يبشرون بالتوحيد، ويأمرون الناس بلزوم هذه المسألة العظيمة، ويبينون لهم النعيم العظيم لمن تمسك بهذا الأصل الكبير. وكذلك ينذرونهم ويحذرونهم من الشرك، ويبينون لهم مغبة هذه الخطيئة والكبيرة العظيمة التي أعظم ذنب عُصي الله جل وعز به. قال: "والدليل قوله تعالى: ﴿ رُسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ ﴾ [النساء: 165]، لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ". ومن نعمة الله جل وعز بعد أن ختم الأنبياء والرسل بنبينا عليه الصلاة والسلام، فإنه خاتم النبيين. من نعمة الله تبارك وتعالى أن هيأ أناسًا يقومون مقام الأنبياء والرسل، قد ورثوا ميراث الأنبياء، فقاموا للناس، وبينوا للناس ما بينه الأنبياء والرسل، قاموا لله بحقه. وهذا ثبت عن علي رضي الله عنه أنه قال: «أبى الله أن يخلي زمانًا من قائم لله بحجته». وليعلم هذا: ثبت عند الإمام أحمد في المسند أن العلماء ورثة الأنبياء، فإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافٍ. هيا نحرص على هذا الميراث. لنحرص على ميراث الأنبياء. لنحرص على الكتاب والسنة. لنتفقه في الكتاب والسنة، ونزداد علمًا بالكتاب والسنة. ولنتمثل ما كان يتمثل به نبينا صلى الله عليه وسلم ويعمله. كان نبينا صلى الله عليه وسلم مما ثبت عنه أنه يدعو ربه جل وعز بعد صلاة الفجر فيقول: «اللهم...». تأمل إلى دعاء صاحب الرسالة، يقول: «اللهم إني أسألك علمًا نافعًا، ورزقًا طيبًا، وعملًا متقبلًا». وما طلب الازديادة من شيء مما يطلبه عامة الناس في الولد أو في المال، وإنما طلب ماذا؟ الازديادة من العلم. ﴿ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا ﴾ [طه: 114]، ﴿ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا ﴾. قال: «وَأَوَّلُهُمْ نُوحٌ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ». أول الرسل نوح عليه الصلاة والسلام، وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم، وهو خاتم النبيين. بعض العلماء وجدت له تعبيرًا جميلًا يقول: "إن أول الرسل لأهل السماء هو آدم عليه الصلاة والسلام". وجدت هذا للشيخ الأمين الشنقيطي في "أضواء البيان"، وللشيخ عبد العزيز بن باز في بعض دروسه، رحمه الله. وأول رسول إلى أهل الأرض هو نوح عليه الصلاة والسلام. وقد جاءت السنة كما في البخاري في حديث الشفاعة: أنهم يأتون نوحًا ويقولون له: «إنك أول رسول»، ثم يحيلهم على غيره، صلوات الله وسلامه عليه. قال: "والدليل على أن أولهم نوح قوله تعالى: ﴿ إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ ﴾ [النساء: 163]". قال: "وكل أمة بعث الله إليها رسولًا من نوح إلى محمد، يأمرهم بعبادة الله وحده، وينهاهم عن عبادة الطاغوت، وينهاهم عن عبادة الطاغوت". وقد جاء في حديث أبي ذر الحديث الطويل، وقد صحح الشيخ الألباني رحمة الله عليه عدد الرسل، صححه لغيره، وصحح عدد الأنبياء، وحسن عدد الأنبياء لغيره في "السلسلة الصحيحة"، يعني بمجموع الطرق. قال: "إن عدد الرسل صحيح لغيره، وإن عدد الأنبياء حسن لغيره". جاء فيه في حديث أبي ذر: أن عدد الرسل ثلاثمائة وبضعة عشر، وأن عدد الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون. طبعًا الذي صحح هذا الحديث فإنه يقول بما يدل به، ومن ضعفه فلا تريب عليه في عدم تعين عدد الأنبياء والرسل. قال: "والدليل قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾ [النحل: 36]". قال: "وافترض الله على جميع العباد الكفر بالطاغوت والإيمان بالله". هذا فرض على جميع الثقلين: أن يكفروا بالطاغوت ويؤمنوا بالله. ولأجل هذا قال... قال... قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "ومعنى الطاغوت: ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع". أتكلم على هذا في موطن آخر في "بدائع الفوائد" بكلام نفيس، حبذا أن يرجع إليه، لا سيما عند قوله: "من عبد بغير رضاه". لأنه: "ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع" برضاه. لا بد من هذا، لأن هناك من عبد بدون رضاه. ولأجل هذا يقول ربنا جل وعز لعيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: ﴿ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ [المائدة: 116]. تأمل: قال: ﴿ سُبْحَانَكَ ﴾، نزه الرب جل وعز: ﴿ مَا كَانَ لِيَ أَن أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ﴾ [المائدة: 116]. فلا بد من هذا. قال: "والطواغيت كثيرون، رؤسهم خمسة: إبليس لعنه الله، ومن عبد وهو راض". هذا القيد: "من عبد وهو راض". ومن دعا الناس إلى عبادة نفسه. ومع الأسف هم كثيرون، نسأل الله السلامة والعافية. قال: "ومن ادعى شيئًا من علم الغيب". ومن حكم بغير ما أنزل الله معتقدًا أن حكم غير الله أفضل من حكم الله، أو أنه يجوز له الحكم به، أو أنه مساوٍ لحكم الله. فإن من حكم بهذا وهو يعتقد هذا فهذا طاغوت، والعياذ بالله. أما من حكم بغير ما أنزل الله وهو يعتقد أن الحكم لله، وأنه لا يجوز لأحد أن يحكم إلا بما أنزل الله، وأنه لا حكم يساوي حكم الله، فإن هذا ليس بطاغوت، كما قد بين هذا جمع من أهل العلم، كما قد بين هذا جمع من أهل العلم. قال: "والدليل قوله تعالى: ﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثقَىٰ ﴾ [البقرة: 256]". استمسك بلا إله إلا الله. ولا يكون متمسكًا ومستمسكًا بالعروة الوثقى إلا إذا كفر بالطاغوت وآمن بالله. والكفر بالطاغوت هو ركن النفي في لا إله إلا الله، والإيمان بالله هو ركن الإثبات في كلمة لا إله إلا الله. قال: "وهذا هو معنى لا إله إلا الله: لا إله: نافية، هذا الركن الأول. إلا الله: مثبتة، هذا الركن الثاني الآخر. ومعنى هذه الكلمة: لا معبود بحق إلا الله. لأن الإله معناه: المألوه، المعبود. أهل الضلال يقولون: الإله هو القادر على الاختراع. ففسروا بماذا؟ بالربوبية. أما أهل الحق فإن تفسيرهم لهذه الكلمة، كلمة الإله، تفسير منطلق من النصوص، وكذلك من اللغة العربية. ولأجل هذا يقول ربنا جل وعز: ﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَٰهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَٰهٌ ﴾ [الزخرف: 84]. أهل الضلال يقولون: إن الله في كل مكان، وسدلهم بهذه الآية. لكن أهل الحق ماذا يقولون؟ الإله معناه ماذا؟ المألوه، المعبود. أي: هو الذي يعبده أهل السماء، وهو الذي يعبده أهل الأرض. ﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَٰهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَٰهٌ ﴾. لا إله: أي لا مألوه، لا معبود. نافية للجنس. وإله: اسمها. أين الخبر؟ الخبر محذوف، وتقديره: بحق. طيب، لماذا ما قدرنا: موجود؟ لماذا ما قلنا: لا إله موجود إلا الله؟ قدرنا الخبر: موجود. ذاكر الله خير. لأن الآلهة المعبودة كثيرة جدًا، لكن ما هو المعبود منها بحق؟ الله جل وعلا. وليس لهذا حتى هذا التقدير. تأمل: حتى هذا التقدير أخذه أهل السنة من النصوص. من يذكر للدليل؟ ذاكر الله خير. ذلك قول الله جل وعز: ﴿ ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ ﴾ [الحج: 62]. فأهل السنة دائمًا يلتزمون بنصوص الكتاب والسنة. مصدر التلقي عندهم واحد. قد يخطئ عالم من العلماء في مسألة من المسائل، لكن أهل السنة يعذرونه. لماذا؟ يقولون: هذا العالم معروف المصدر في التلقي، عنده أنه يعظم الكتاب والسنة، ويسير على نهج السلف الصالح. لكن لعل هذا الأمر، لعل هذا الدليل لم يبلغ، أو بلغه ولم يثبت عنده. يعني تأتي عند عالم مثلاً تقول له: ما عدد الأنبياء والرسل؟ يقول لك: ليس لهم عدد، لم يأتِ نص. لعله بلغه حديث أبي ذر لكنه يضعفه، ولعله لم يبلغه، ولعله لم يبلغه. وليعلم هذا: يعذر أهل الحق العلماء الربانيين إذا ما وقع أحد منهم في الخطأ، لأنهم يعلمون أن المصدر في التلقي عندهم واحد. لا إله إلا الله: لا معبود بحق إلا الله. هذه الكلمة: لا إله إلا الله، فسرت بتفسيرات عدة، وعرفت بتعريفات كثيرة. الحق منها ما ذكرناه. ومما ذكره أهل الباطل: قالوا: لا إله إلا الله: لا خالق إلا الله. وهذا لا يسمن ولا يغني من جوع. هذا تعريف باطل. تعريف لا إله إلا الله بالربوبية تعريف باطل. لأجل هذا: جماعة التبليغ يعرفون لا إله إلا الله، الكلمة الطيبة عندهم بالربوبية: "إخراج اليقين الفاسد، وإدخال اليقين الصحيح على ذات الله، بأن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت"، إلى آخره. وهؤلاء الخوارج يفسرون لا إله إلا الله: لا حاكم إلا الله. ومنهم جماعة الإخوان المسلمين وغيرهم، ومنهم جماعة الإخوان المسلمين وغيرهم يفسرون لا إله إلا الله: لا حاكم إلا الله. وهناك أناس يفسرون لا إله إلا الله: لا معبود إلا الله. لا يقول: بحق. يقول: لا معبود إلا الله. شيخ الإسلام يقول: هذا المعنى باطل من وجهين. الوجه الأول: الذي ذكره أخونا جزاه الله خيرًا: أن المعبودات من دون الله كثيرة، لكن من هو الذي عُبد بحق؟ الرب جل وعلا. طيب، من يذكر لنا الملحوظ الثاني أو الآخر في بطلان هذا التفسير: "لا معبود إلا الله"؟ ذاكر الله خير. القول بالحلول: "لا معبود إلا الله"، كل من عُبد في هذه الأرض فهو جزء من الإله، فهو جزء من الإله. تعبد البقر: جزء من الإله. الشمس: جزء من الإله. الحجر: قبحهم الله وأخزاهم. ثم قال: "وفي الحديث: «رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله»". هذا أخرجه الإمام أحمد من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه وعن الصحابة أجمعين، وحسنه الألباني رحمة الله عليه. رأس الأمر: الإسلام، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. وعموده: الصلاة، الركن الثاني من أركان الإسلام. ثم تتبعه بقية الشرائع، ثم تتبعه بقية الأركان. وذروة سنامه: الجهاد في سبيل الله. لأن الجهاد الشرعي المقصود منه: إعلاء كلمة الله، والتمكين لهذا الدين. فتقام الصلوات الخمس، وتجبى الزكاة، ويصام شهر رمضان، ويحج بيت الله الحرام. هذا هو ذروة سنامه: الجهاد في سبيل الله، الجهاد الشرعي. وقد أفاض شيخنا جزاه الله خيرًا في الكلام على هذه المسألة. والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ومعذرة على ما بدر