الدرس في شرح الأصول الثلاثة 3، الدرس الثالث:من( والدليل من السنة حديث جبريل المشهور عن عمر ... قال هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم ). ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبين الشارح استدلال الإمام محمد بن عبد الوهاب بحديث جبريل عليه السلام دليلاً على مراتب الدين الثلاث (الإسلام، الإيمان، الإحسان) في الأصل الثاني، مستعرضاً منهج أهل السنة في التمسك بالدليل. ويستخلص من هيئة جبريل عليه السلام وآدابه مع النبي صلى الله عليه وسلم آداب طالب العلم من الحرص على مجالسة العلماء، وحسن المظهر، والخشوع والتواضع عند التلقي.
يوضح المقطع معاني مراتب الدين الثلاث الواردة في حديث جبريل عليه السلام، مبيناً أركان الإسلام الخمسة، وأركان الإيمان الستة، وحقيقة الإحسان. ثم ينتقل لذكر علامات الساعة الصغرى والكبرى، مع التأكيد على وجوب الأخذ عن أهل السنة والجماعة والثبات على المنهج السلفي.
يتناول المقطع أهمية التوقف عند حدود العلم وعدم الفتيا بغير علم، مستشهداً بأقوال الصحابة كعمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل، وإمام دار الهجرة مالك بن أنس، والعلماء المعاصرين كابن باز وعبد المحسن العباد. ويؤكد أن قول "الله ورسوله أعلم" و"لا أدري" من أعظم آداب طالب العلم، وأن العلم النافع يورث التواضع والخشية، بينما الجهل بالقول على الله بغير علم يكون وبالاً على صاحبه.
يؤكد المتحدث أن العلم دين، فيجب على المسلم أن يتحرى عمن يأخذ دينه، ولا يأخذ إلا عن أهل الثقة والعلم والمعروفين بالعقيدة السليمة والمنهج المستقيم. ويختتم الدرس بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه أجمعين.
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين. أما بعد، فأسأل الله تبارك وتعالى أن يرزقني وإياكم العلم النافع والعمل الصالح، كما أسأله جل في علاه أن يجعلني وإياكم ممن إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر، وإذا أذنب استغفر، فإن السعادة كما يقوله ابن القيم رحمة الله عليه تدور على هذه الجمل الثلاث. لا زلنا مع شيخ الإسلام الإمام محمد بن عبد الوهاب، ومع رسالته الكبيرة العظيمة الموسومة بثلاثة الأصول. وقد مضى الحديث على المقدمات التي قدم الشيخ بها لهذه الرسالة، وكذلك مضى الحديث على الأصل الأول، ألا وهو الرب جل وعز، وتكلمنا على الأصل الثاني، ووقفنا عند استدلال الشيخ رحمة الله عليه بحديث أمير المؤمنين وثاني الخلفاء الراشدين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعن الصحابة أجمعين. هذا الحديث حديث عظيم، حديث جليل، رواه الإمام البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وأخرجه مسلم كذلك من حديث ابن عمر رضي الله عنه وعن أبيه وعن الصحابة أجمعين. قال الشيخ رحمة الله عليه بعد أن ساق مراتب الدين الثلاث: الإسلام، ثم الإيمان، ثم الإحسان: «والدليل من السنة حديث جبريل المشهور عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه». وهذا كما قد أشرت سابقًا، هذا منهج عظيم: ربط المسائل بالدلائل. ربط المسائل بالدلائل من أعظم ما ميّز به أهل السنة، أن علمهم مبني على الكتاب والسنة. فإذا ما ذكروا مسألة من المسائل فإنهم يحرصون على ذكر الدلائل على هذه المسألة. وحقيقة العلم معرفة المسائل والدلائل، كما يقوله الشيخ ابن سعدي رحمة الله عليه: «حقيقة العلم معرفة المسائل والدلائل»، يعني معرفة العلم بالدليل، معرفة العلم ومسائل الشرع بالدليل من كتاب الله تبارك وتعالى أو من سنة النبي صلى الله عليه وسلم. ولا أعني بهذا أن أهل السنة يقتصرون على الكتاب والسنة فقط، أي أن الأدلة عندهم الكتاب والسنة، لكن كما يقول أهل العلم: إن أصل الأدلة الكتاب والسنة، وجميع الأدلة ترجع إلى الكتاب والسنة. فالإجماع لا بد وأن يكون مستندًا لدليل من الكتاب والسنة، والقياس لا يصح هذا القياس إلا إذا كان المقيس عليه حكمه ثابت بالكتاب والسنة، حكمه ثابت بالكتاب والسنة، وهكذا في بقية الأدلة المختلف فيها. فإن هذه الأدلة كقول الصحابي، والعادة، والمصالح المرسلة، والاستحسان، إلى غير ذلك، وشرع من قبلنا، من يقول بها من أهل العلم فإنه يستند إلى الأدلة من الكتاب والسنة. وهذا معنى كلام أهل العلم عندما يقولون: لا بد وأن تعتصم بالكتاب والسنة، وبكل ما دل عليه الكتاب والسنة. قال الشيخ: «والدليل من السنة حديث جبريل المشهور عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، فجلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه». هذه الجمل العظيمة التي ذكرها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه فيها فوائد عظيمة لطالب العلم. من هذه الفوائد ما ذكره بقوله: «بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم»، هذا يدل على حرص الصحابة الكرام رضي الله عنهم على الجلوس إلى النبي صلى الله عليه وسلم من أجل أن يتلقوا منه هذا الدين غضا طريا. ونحن نستفيد من ذلك أننا نحرص على مجالسة أهل العلم وأن نستفيد منهم، لا سيما أن محبتهم قربة نتقرب بها إلى الله جل وعز. ولأجل هذا صح عن علي رضي الله عنه أنه قال في وصيته للكميل بن زياد: «اعلم يا كميل أن محبة أهل العلم دين يدان الله به، اعلم يا كميل أن محبة أهل العلم دين يدان الله به». فنحرص على أهل العلم وعلى الجلوس إلى أهل العلم حتى نتلقى منهم هذا الدين كما تلقوه هم عن مشايخهم وعلمائهم، فإن الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء. هذا العلم يأخذه المتأخر عن المتقدم، يأخذه الخلف عن من سلف، عن من سبقهم من سلف هذه الأمة البرة. قال: «بينما نحن جلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد». قال أهل العلم: قول عمر رضي الله عنه: «لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد»، من باب التعجب. كيف هذا؟ أن من علامات المسافر في تلكم العصور أنه يكون أشعث أغبر، وهذا الرجل لا أحد منا يعرفه، ولا يرى عليه أثر السفر، فمن يكون وهذه حاله أنه شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر؟ قالوا: يستفاد من هذا أن يحرص طالب العلم عند حضوره مجالس العلم أن يكون في أفضل صورة، وفي أفضل هيئة وأحسن حال. ولهذا قدم هذا الرجل مع أنه ليس من أهل تلكم المنطقة، قدم على النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الهيئة الحسنة، كان ثوبه شديد البياض، وكان شعره شديد السواد، أثر السفر غير ظاهر عليه. ثم قال: «فجلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه». قال أهل العلم: كذلك هذه الهيئة مما ينبغي لطالب العلم أن يتمثل بها بين يدي شيخه، بين يدي عالمه، أن يجلس جلسة تدل على الخضوع للعلم والحرص على التلقي من هذا الشيخ. فهذا الرجل جلس هذه الجلسة التي تدل على خضوعه للعلم، أسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه. اختلف العلماء في وضع اليدين على الفخذين: هل وضع هذا الرجل يديه على فخذي نفسه، أم على فخذي النبي صلى الله عليه وسلم؟ ذهب جمع من أهل العلم، وممن ذهب إلى هذا الشيخ العالم محمد بن صالح العثيمين رحمة الله عليه وعلى جميع علمائنا ومشايخنا، رجح إلى أنه وضع يديه على فخذي نفسه، قال: لأن هذه الحالة أكمل في إظهار التواضع للعلم، أن هذه الصورة وهذه الحالة تدل دلالة أكبر على تواضع هذا الرجل للعلم. وهذه آداب لطالب العلم يحرص على أن يتأدب بها وأن يتخلق بها، لأن هذا العلم علم شريف، هذا العلم علم مبارك، علم الكتاب والسنة، وحي من رب العزة والجلال أوحى به إلى نبيه عليه الصلاة والسلام، فالواجب على المسلم أن يخضع لهذا الوحي، وأن يظهر التواضع والرغبة في تحصيل هذا العلم. ومن أعظم ما يجب على طالب العلم أنه يحرص على العلم، ولا ينظر إلى من يتلقى منه من ناحية السن والعمر، ينظر فيه من ناحية أخرى، من ناحية التزام السنة والثبوت أو الثبات على الطريقة السلفية، لأن هذا العلم دين كما قاله ابن سيرين. وقد روي هذا مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وروي كذلك موقوفًا على بعض الصحابة، لكنه لا يصح، إنما صح عن هذا التابعي الجليل الإمام محمد بن سيرين. قال كلمة عظيمة، قال كلمة مباركة: «إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم». هنا لا بد أن تنظر وتحقق: هل هذا الذي تريد أن تجلس إليه من أهل السنة، من أهل الطريقة المحمدية السلفية، أم لا؟ أما مسألة السن، فإن طالب العلم لن ينال العلم كما قاله أئمتنا حتى يأخذ العلم ممن هو فوقه، وممن هو مثله، وممن هو دونه. لا يتكبر على العلم، ولا يرفع رأسه على العلم، وإنما يكون دائمًا تابعًا للعلم، تابعًا لقال الله، قال رسوله عليه الصلاة والسلام، قال الصحابة الكرام رضي الله عنهم. قال: «فجلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، قال: يا محمد، أخبرني عن الإسلام. قال: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا. قال: صدقت». قال الصحابة، قال عمر: «فعجبنا له يسأله ويصدقه. قال: أخبرني عن الإيمان. قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره. قال: صدقت. قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه. أخبرني عن الإحسان. قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». هذه هي أركان هذا الدين: الإحسان وهو أخص هذه المراتب، ثم تأتي مرتبة الإيمان وهي أوسع منها، ثم تأتي مرتبة الإسلام وهي أوسع من الجميع. فكل محسن مؤمن ومسلم، وكل مؤمن مسلم، لكن ليس كل مسلم يكون مؤمنًا، فضلًا عن أن يكون محسنًا. فلنحرص على تحقيق هذه المراتب الثلاث، وأن يكون مدار حياتنا حول تحقيق هذه المراتب الثلاث: مرتبة الإسلام، ثم مرتبة الإيمان، ثم مرتبة الإحسان. نحافظ على أركان الإسلام الخمسة، نحافظ على التوحيد، نحافظ على السنة، نحافظ على الصلاة، نحافظ على الزكاة إن كان هناك مال للواحد منا زكوي وقد بلغ النصاب، نحافظ على الصوم إذا جاء شهر الصوم، نحافظ على الحج لمن لم يحج منا حجة الإسلام. كذلك الإيمان: نعتقد هذه العقيدة، ولا يدخل إلينا الشك، ولا يحصل عندنا الريب، لا نكون من أهل الريب ومن أهل الشكوك، وإنما تكون هذه العقيدة عقيدة راسخة عقدنا قلوبنا عليها. العقيدة مأخوذة من العقد، عقد الحبل، عندما تعقده يجب أن نعقد قلوبنا على هذه العقيدة: على الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وبالقدر خيره وشره. ثم بعد هذا نحرص على تحقيق هذه المرتبة الأخيرة: مرتبة الإحسان، أن نعبد الله كأننا نراه، فإن لم نكن نراه فإنه يرانا. نحسن العمل، نحسن العبادة، نؤديها كما أرادها ربنا جل وعلا، نؤديها ولا نريد بها إلا الله جل في علاه. ثم قال بعد أن فرغ من هذا: «أخبرني عن الساعة». وهذا مما استأثر الله بعلمه. قل: ماذا أجابه النبي؟ قال: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل»، لأن هذا مما استأثر الله بعلمه. لكن هناك علامات وأمارات ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم، وقد نظر فيها أهل العلم فقسموها إلى قسمين، وبعضهم قسمها إلى ثلاثة أقسام: علامات صغرى، وعلامات كبرى، وبعضهم قال: علامات صغرى، ووسطى، وكبرى. وأما الصغرى، فإن من أوائل ما يذكر فيها بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه قال: «بعثت أنا والساعة كهاتين»، وأخبر عليه الصلاة والسلام بأمور كثيرة عدها أهل العلم من علامات الساعة الصغرى. من ذلكم: فشو القلم، فشو القلم، وهذا ما نراه الآن. انظروا إلى هذه الكتب، وانظروا إلى هذه الصحف، كثيرة جدًّا، كثيرة جدًّا. وقد علق على هذا الحديث العلامة الألباني رحمة الله عليه في السلسلة الصحيحة في تعليقه النافع، وتكلم على مسائل مشكلة على هذا الحديث، وفق بينها بتوفيق جميل ماتع رحمه الله. كذلك من أشراط الساعة الصغرى: كثرة الأسواق وانتشارها، والذي ينظر بعين البصر والبصيرة يجد هذا واضحًا جليًّا. كذلك من أشراط الساعة الصغرى: أن يؤتمن الخائن، ويخون الأمين، وأن الصادق يكذب، وأن يكذب الصادق، وأن يتكلم في أمر العامة الرويبضة. وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الرويبضة، فقال: «هو التافه»، وفي بعض الروايات: «هو السفيه»، يتكلم في أمر العامة. وما أكثرهم اليوم مع الأسف الشديد، سفهاء لا علم لهم ولا عقل لهم، يتكلمون في أمور المسلمين العامة. ثم هناك أشراط كبرى: كالخسوفات، وخروج المهدي، والدجال، ونزول عيسى، وخروج الدابة، إلى غير ذلك. لكن هذه الكبرى كما جاء في النصوص أنها تخرج متتالية، هي مثل القلادة، متى ما انقطع سلكها تتابعت حباتها، تتابعت البقية خلف الأول. ثم قال: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل. قال: أخبرني عن أماراتها. قال: أن تلد الأمة ربتها». وقد اختلف العلماء في تفسير هذا اللفظ اختلافًا كثيرًا، وكثير منهم ذهبوا إلى أن المراد: أن تلد الأمة ربتها، أي أن تلد الأمة سيدها، يعني هذا الذي ولدت يكون سيدًا في قومه مطاعًا. «وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان». وهذا ظاهر، وهذا ظاهر وواقع في هذه الأزمنة. قال: «فمضى». قال: «فمضى فلبثنا مليًّا». وجاء في بعض الروايات أنهم لبثوا ثلاثة أيام، ثلاثة أيام. فقال: «يا عمر». هنا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فقال: يا عمر، أتدري من السائل؟». قلنا: الله ورسوله أعلم. تأمل رد العلم إلى من يعلمه، إلى الله والرسول. وهذه حسرة عظيمة، وأدب رفيع، وخلق كريم يجب أن يتحلى به طالب العلم، يجب أن يتحلى به طلبة العلم، وأن يقفوا عند حدود علمهم، وأن لا يتكلموا في أمور الشرع إلا بعلم، إلا بعلم. وقدوتنا في هذا الملائكة الكرام، قدوتنا في هذا الرسل الكرام، قدوتنا في هذا أئمة الإسلام، بدءًا من الصحابة الكرام إلى يومنا هذا. نبينا صلى الله عليه وسلم يسأل عن أحب البقاع إلى الله، وعن أبغض البقاع إلى الله، فيكل العلم إلى الله، ويقول: «دعني أسأل جبريل». فلما سأل جبريل، أوحى إليه الرب جل وعز أن أحب البقاع إلى الله المساجد، وأن أبغض البقاع إلى الله الأسواق. لم يتكلم بما لا علم عنده عليه الصلاة والسلام. عمر رضي الله عنه هنا يسأل: «أتدري من السائل؟» يقول: «الله ورسوله أعلم». معاذ رضي الله عنه يسأل: «أتدري ما حق الله على العباد؟» و«ما حق العباد على الله؟» يقول: «الله ورسوله أعلم». يقول بعض طلبة الإمام مالك: «ملأت الألواح من قول مالك: لا أدري، ملأت الألواح، ملأت الألواح من قول مالك: لا أدري». الإمام مالك، إلى أين رحل الإمام مالك بن أنس، أبو عبد الله، إمام دار الهجرة، إلى أين رحل؟ أريد الجواب منكم في طلب العلم. أنتم تعلمون فضل الرحلة في طلب العلم، ولا يخفى عليكم هذا، فقد صنف العلماء فيها مصنفات: الرحلة في طلب الحديث للخطيب البغدادي وغيره. الإمام مالك إلى أي البلاد رحل لتلقي العلم عن أهل العلم؟ لم يرحل إلا إلى مكة، لم يرحل إلا إلى مكة. ولو ذهب الواحد منا إلى بلاد المغرب يجدهم قد تمذهبوا على مذهب من؟ الإمام مالك. يقول ابن عبد البر: تأملوا إلى هذه اللفتة الجميلة، قال: هذا والله أعلم دليل الإخلاص. كيف؟ لما جاء الرجل ذاك الذي يسأل الإمام مالك عن أربعين مسألة، انتدبه قومه في الذهاب إلى المدينة حتى يسأل هذا الإمام، وكانت المسائل تبلغ أربعين. فلما جاء الرجل إلى الإمام مالك وسأله عن هذه المسائل، أجابه عن كم؟ قيل: أربع، وقيل: ست. قال له: طيب، ما بقي؟ قال: لا أدري. قال: ماذا أقول للذين بعثوني من عندهم؟ يعني تأمل: من بلاد المغرب إلى المدينة في ذلكم الزمن، أيام وليالي وأشهر، لعلها يمشون في الصحراء ويركبون البحر. قال: قل لهم: مالك لا يدري. ما قال: كيف الناس يقولون: هذا مالك بن أنس، إمام دار الهجرة، العلم الكبير، والمحدث الشهير؟ وإنما قال: قل لهم يقولوا: مالك لا أدري. انظروا إلى المراقبة، وإلى استحضار الوقوف بين يدي الله جل وعز. ولأجل هذا كان أهل العلم يقولون: مما ينبغي للعالم أن يعلمه لطلبته قول: «لا أدري». مما ينبغي للعالم أن يعلمه لطلبته مقولة: «لا أدري». فنحرص على هذا: إن كان عندنا علم نقول به، وإن لم يكن هناك علم فإننا نقف، ونرد العلم إلى أهله، ونرد العلم إلى أهله. أدركت كثيرًا من مشايخنا، وسمعت منهم كثيرًا هذه المقولة، بل إن بعضهم قد جمع جمعًا لطيفًا للإمام العالم الشيخ ابن باز رحمة الله عليه، يجمع المسائل التي قال فيها الإمام: لا أدري. وقد أدركت كذلك شيخنا الشيخ عبد المحسن العباد، كنا ندرس عليه في المسجد النبوي، ويسأل عن مسائل، كانت هذه الكلمة على لسانه، إن صح التعبير، مثل العلكة في لسان أحدنا، كانت سهلة، وكان لا يتكلفها. بل إنني والله أذكر مرة سُئل عن سورة، وعن المراد منها، وهذه السورة من قصار المفصل، من قصار المفصل، مباشرة قال: «لا أدري، تحتاج إلى مراجعة، أنا الآن بعيد عهد بها بتفسيرها». لم يتكلف، ولم يتصنع، وإنما أخبر بما عنده في ذلكم الوقت. ولا يغض هذا من فضله ومن علمه، فإن هذا أدب عظيم يجب أن نتأدب به. العلم إن لم يكسبك الأدب والتواضع والتخلق بالأخلاق الحميدة والخصال العظيمة، فإن هذا العلم يكون وبالًا على صاحبه، فإن هذا العلم يكون وبالًا على صاحبه. قال: «يا عمر، أتدري من السائل؟» قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: «هذا جبريل، أتاكم يعلمكم دينكم». دينكم، هذا شاهد لماذا قد ذكرناه اليوم. قال: «أتدري من السائل؟» قال: «هذا جبريل، أتاكم يعلمكم أمر دينكم». هذا شاهد لماذا؟ ها، أريد الجواب منكم. ها، أريد الجواب منكم. أجزاك الله خيرًا، لا بل، هذا حق. لكن هذه العبارة: «هذا شاهد لماذا؟» ما اسمها؟ ما اسمها؟ إرجاع العلم إلى أهله، هذا في قولهم: «الله ورسوله أعلم». لكن لا، لما قال: «هذا جبريل، أتاكم يعلمكم أمر دينكم»، هذا من ضمنه الدين. «هذا جبريل، أتاكم يعلمكم أمر دينكم»، هذا حق أن الدين هذه المراتب الثلاث: الإسلام، ثم الإيمان، ثم الإحسان. هذا حق. لكن أنا أريد... أحسنت، هذا في عموم الحديث. نعم، وأنها طريقة سلفية، أن طريقة السؤال والجواب من الطرق التي يعلم بها الناس، من الطرق التي يعلم بها الناس. نعم، وأنها طريقة سلفية أثرية. نعم، لكن في مقولة: «هذا جبريل»، أنا أظن لكم جميعكم تعرفونها. أي، أحسنت، بس لو تزيدها هي ظاهرة. يعني، ها، قرّبتها؟ ها؟ بيان، بيان ما، والله ما أسمع. بيان أن ذلك الرجل هو جبريل. طيب، جيد، جيد، لكن فيه... جيد كذلك هذا، لكن فيه فائدة جميلة، جميلة. هذا حق، كله حق. ها؟ فيه شاهد أن الإسناد من الدين، وفيه شاهد أن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم. يعني هنا النبي عليه الصلاة والسلام يقول للصحابة: أن هذا الذي سألني هو جبريل، الرسول الملكي، وأنه جاء يعلمنا هذا الدين. فقولة ابن سيرين: «إن هذا العلم دين»، تشهد لهذا، أنهم كانوا يحرصون على تلقي العلم من أهله. ولأجل هذا حرص النبي صلى الله عليه وسلم على أن يعلم الصحابة الكرام من هو هذا الرجل، وأنه جبريل، وأنه جاء من أجل أن يعلمكم الدين. فإن هذا العلم دين، يجب أن ننظر عمن نأخذ ديننا. هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.