الدرس في شرح الأصول الثلاثة 2، الدرس الثاني:من( اعلم رحمك الله أنه يجب على كل مسلم ومسلمة ... ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهوداً إذ تفضيون فيه ). ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع المسائل الثلاث التي يجب على كل مسلم تعلمها: توحيد الربوبية، توحيد الألوهية، وعقيدة الولاء والبراء مع أدلتها. ثم ينتقل إلى المقدمة الثالثة مبيناً أن الحنيفية ملة إبراهيم هي إخلاص العبادة لله وحده.
يستعرض الأصل الأول وهو معرفة الرب، موضحاً أن الرب هو الله الذي ربى العباد بنعمه وهو المستحق للعبادة وحده. يستدل بآيات من الفاتحة والبقرة والأعراف لربط توحيد الربوبية بتوحيد الألوهية ويذكر أنواع العبادة المأمور بها.
يعرض تعريف شيخ الإسلام ابن تيمية للعبادة كاسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، ويبين أركان التعبد القلبي الثلاثة: الحب والخوف والرجاء. يحذر من الاقتصار على ركن واحد مما يؤدي إلى الانحراف، ويختتم بتعريف طلق بن حبيب للتقوى جامعاً لشرطي قبول العمل.
يستعرض الأدلة القرآنية على وجوب التوكل على الله، مستشهداً بقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾. ويشير إلى بداية آية ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ﴾ لتأكيد أن التوكل ركن من أركان الإيمان.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين. أما بعد، فقد نضى في اللقاء الماضي الكلام على المقدمة الأولى التي قدم بها الشيخ رسالته. ثم أشرنا إلى المقدمة الثانية التي ثنى بها الشيخ رحمه الله عليه، فقال: «اعلم رحمك الله أنه يجب على كل مسلم ومسلمة تعلم هذه الثلاث مسائل والعمل بهن». كنا قد أشرنا إلى هذه المسائل الثلاث، وقلنا: إن المسألة الأولى متعلقة بتوحيد الربوبية وتوحيد المتابعة، والمسألة الثانية متعلقة بتوحيد الألوهية، والمسألة الثالثة متعلقة بعقيدة الولاء والبراء. قال: «الأولى: أن الله خلقنا ورزقنا ولم يتركنا هملا». نعم، توحيد الربوبية: إفراد الله بأفعاله، هو الخالق الرازق المحيي المميت المدبر. خلقنا ورزقنا ولم يتركنا هملا، وإنما أرسل إلينا رسولًا، فمن أطاعه دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار. ثم دلل على هذه المسألة بقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾. تأمل: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾. الرسول الأول محمد عليه الصلاة والسلام، والرسول الآخر موسى عليه الصلاة والسلام. قال: ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا﴾. وأنتم كذلك يا من بعث فيكم محمد صلى الله عليه وسلم، إذا عصيتم الرسول فإن الجزاء سيكون مثل جزاء فرعون ومن معه. ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا * فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا﴾. وهذه الأمة كذلك إذا عصت الرسول فإن الجزاء واحد. ثم ذكر المسألة الثانية: وهي أن الله لا يرضى أن يشرك معه أحد في عبادته. العبادة عبادة محض حق الله، ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. الوظيفة العظمى والكبرى للجن والإنس في هذه الحياة عبادة الله جل في علاه. أن الله لا يرضى أن يشرك معه أحد في عبادته، أي أحد، قال: «لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، فضلا عن أن يكون وليا وصالحا، فضلا عن أن يكون شجرا أو حجرا». ولأجل هذا قال: الدليل على هذه المسألة ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾. نكر «أحدا» في سياق النهي، وهذا يفيد ماذا؟ يفيد العموم: أي أحد كان، سواء كان ملكا مقربا أو نبيا مرسلا أو صالحا أو وليا، فضلا عن أن يكون شجرا أو حجرا. ثم قال: «الثالث: أن من أطاع الرسول ووحد الله لا يجوز له موالاة من حاد الله ورسوله، ولو كان أقرب قريب». أن من أطاع الرسول ووحد الله لا يجوز له موالاة من حاد الله ورسوله، الذي يجعل الله والرسول في طرف وفي حد، ويجعل نفسه في الحد الآخر. لا يجوز لمؤمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يواد من كانت هذه حاله. ولأجل هذا تأمل في قول الرب جل وعز في هذا الدليل الذي استدل به الشيخ رحمه الله عليه، قال: «والدليل قوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾». يحبون، ينصرون من جعل نفسه في حد وفي طرف، وجعل الله والرسول في حد وفي طرف آخر. أهل الإيمان، أهل الطاعة للديان، لا يوالون من كانت هذه حاله. قال: ﴿وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ﴾. تأمل: ولو كان هذا الذي حاد الله والرسول من كان سببا في وجودك في هذه الحياة، ولو كان آباءك. ﴿أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾. ﴿أُولَئِكَ﴾: هذا إشارة للقريب. ﴿أُولَئِكَ﴾: هذا إشارة للبعيد. نستفيد منه ماذا؟ ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾. يقول أهل العلم: هذا يدل على رفعة منزلة هؤلاء الذين آمنوا بالله واليوم الآخر ولم يوادوا من حاد الله ورسوله. قال أهل العلم: أشار إليهم بلفظ الإشارة للبعيد لأنه يدل على علو منزلتهم، كما في قوله تعالى: ﴿أَلِفٌ لَا مِيمٌ * ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾. ما قال: «هذا الكتاب»، وإنما قال: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾، دليل على علو ورفعة منزلة الكتاب. قال: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾، هذا الوعد الأول، وهذه البشارة الأولى للذين آمنوا بالله واليوم الآخر ولم يوادوا من حاد الله ورسوله. ﴿وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ﴾، هذه الثانية. ﴿وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾، هذه الثالثة. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾، هذه الرابعة. ﴿رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾، هذه الخامسة. خمس بشارات لأهل الإيمان واليوم الآخر الذين لم يوادوا من حاد الله ورسوله: ﴿كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَأَدْخَلَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارَ﴾. بل وكتب لهم هذا، كتب لهم الخلود في هذه الجنات، ثم رضي الله تبارك وتعالى عنهم وهم رضوا عن ربهم جل وعز. قال: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ﴾، إشارة إلى علو هذا الحزب، علو منزلته وقدره. ﴿أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. ثم انتقل إلى المقدمة الثالثة. لعلنا نمضي ولا نقف طويلا حتى نمر على جميع هذه الرسالة، وإلا فكل مسألة بل كل جملة في هذه الرسالة تحتاج إلى وقفات. قال: «أرشدك الله لطاعته، أن الحنيفية ملة إبراهيم». ما هي؟ أن الحنيفية ملة إبراهيم: أن تعبد الله وحده مخلصا له الدين. الحنيفية ملة إبراهيم: أن تعبد الله وحده مخلصا له الدين. قال: «وبذلك أمر الله جميع الناس وخلقهم لها»، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. الغاية العظمى والوظيفة الكبرى للإنس والجن في هذه الحياة عبادة الله جل في علاه. وتأمل في الآيات التي تلي هذه الآية: ﴿مَّا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾. تأمل يا من صرفت إلى الدنيا وضربت فيها وشغلتك عن الغاية العظمى والوظيفة الكبرى التي من أجلها خلقت. الله تبارك وتعالى انظر وتأمل، فإن الله تبارك وتعالى قد تكفل برزقك، ما عليك إلا أن تأخذ بالسبب، وإلا فقد كتب الله رزقك، ولن يموت أحد منا حتى يستوفي رزقه كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم. ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَّا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾. قال: «ومعنى يعبدون: يوحدون». وأعظم ما أمر الله به: أعظم أمر في كتاب الله الأمر بالتوحيد. قال: «وأعظم ما أمر الله به التوحيد». ثم عرف التوحيد: توحيد الألوهية، قال: «وهو إفراد الله بالعبادة». وأعظم ما نهى عنه: الشرك، وهو دعوة غيره معه. فأعظم أمر أمر الله به: الأمر بالتوحيد، وأعظم نهي نهى الله عنه: النهي عن الشرك. ثم قال: «فإذا قيل لك: ما الأصول الثلاثة التي يجب على الإنسان معرفتها؟» بعد أن قدم بهذه المقدمات الثلاث: المقدمة الأولى ذكر مسائل أربع متعلقة بالمنهج الذي يجب أن يسلكه العبد في هذه الحياة، وأنه مبني على أربع مسائل: على العلم والمقصود به العلم الشرعي، والعمل بهذا العلم، والدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم الصبر. ثم ثنى بمقدمة ثانية، وذكر فيها ثلاث مسائل: الأولى متعلقة بتوحيد الربوبية وتوحيد المتابعة، والثانية متعلقة بتوحيد الألوهية، والثالثة متعلقة بعقيدة الولاء والبراء. ثم ختم هذه المقدمات بمقدمة أخيرة ذكر فيها الحنيفية ملة إبراهيم، وهي أن تعبد الله وحده لا شريك له. ثم بدأ ودخل في صلب الموضوع، فقال: «فإذا قيل لك: ما الأصول الثلاثة التي يجب على الإنسان معرفتها؟ فقل: معرفة العبد ربه ودينه ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم». والمقصود بهذه المعرفة: المعرفة التي يتبعها العمل. المقصود بهذه المعرفة كما أسلفنا: المعرفة التي يتبعها العمل. قال: «الأصل الأول: معرفة الرب». معرفة الرب جل وعز. قال: «فإذا قيل لك: من ربك؟ فقل: ربي الله الذي رباني وربا جميع العالمين بنعمه». فقل: ربي الله الذي رباني وربا جميع العالمين بنعمه، وهو معبودي ليس لي معبود سواه. إن كان الله هو الذي خلقني ورزقني وتكفل بتربيتي، فإن الأمر والحالة هذه أن أخلص له في العبادة، وأن لا أصرف أي شيء من أنواع العبادة لغير الرب جل وعز. قال: «وهو معبودي وليس لي معبود سواه». والدليل قوله تعالى: تأملوا كما أشرت في الدرس الماضي، الشيخ دائما يربط المسائل بالدلائل، لا يذكر مسألة إلا ويذكر دليلها، وما هذا منه رحمه الله إلا من الأدلة الكبيرة على حرص الشيخ على أن يستمد أهل الإسلام، أن يستمد أهل الإسلام منهجهم من الكتاب ومن صحيح السنة. قال: «والدليل قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾». ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. قال: «وكل من سوى الله عالم». كل من سوى الله جل وعلا عالم. قال: «وأنا واحد من ذلك العالم». ونحن واحد من هذا العالم. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. فربنا جل وعز هو الذي خلقنا، وهو الذي رزقنا، وهو الذي أوجدنا في هذه الحياة، وهو الذي ربانا تبارك وتعالى. قال: «فإذا قيل لك: بما عرفت ربك؟ قال: فقل: بآياته ومخلوقاته». بآياته الكونية وآياته الشرعية ومخلوقاته. ثم قال: «ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر، ومن مخلوقاته السماوات السبع والأرضون السبع ومن فيهن وما بينهما». قال: «والدليل قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾». وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. ثم قال: «والرب هو المعبود، والرب هو المعبود». وهذا من أدلة، أو من طرق الاستدلال، هذا من طرق الاستدلال على توحيد الألوهية وعلى وجوب إفراد الله بالعبادة: الاستدلال بتوحيد الربوبية. الاستدلال بتوحيد الربوبية على توحيد الألوهية. وهذه من طريقة القرآن الكريم. قال: «والرب هو المعبود، الرب هو المعبود». قال: «والدليل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾». هذا أول نداء في القرآن. أول نداء في القرآن. وقد جاء عن بعض السلف، وقد روية موقوفا إلا أن في إسناده نظر، عن ابن مسعود وعن غيره، لكن المعنى صحيح. إذا سمعت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أو ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾، إذا سمعت هذا النداء في القرآن فأصغ له سمعك، فهي إما خير تؤمر به وإما شر تنهى عنه. هذا أول نداء في القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾. هؤلاء الناس فيهم المؤمن والكافر والمنافق. وقد أشار إليهم ربنا جل وعلا قبل هذه الآية بآيات، عندما افتتح سورة البقرة: ﴿أَلِفٌ لَا مِيمٌ * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. هذا هو الصنف الأول. ثم بدأ فذكر الصنف الثاني، ثم بدأ فذكر الصنف الثالث: أهل النفاق. ثم نادى ربنا جل وعز: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. تأمل: أمرهم بإفراد الله بالعبادة، أمرهم بتوحيد الألوهية. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾، الاستدلال بتوحيد الربوبية: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ﴾. هذا كل توحيد الربوبية. ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. أن الله هو الذي خلقكم، وهو الذي رزقكم، وهو الذي أمدكم بهذه النعم العظيمة. قال ابن كثير رحمه الله: «الخالق لهذه الأشياء هو المستحق للعبادة». الخالق لهذه الأشياء هو المستحق للعبادة جل وعز. ثم قال الشيخ: «وأنواع العبادة التي أمر الله بها مثل الإسلام والإيمان والإحسان، ومنه الدعاء والخوف والرجاء والتوكل والرغبة والرهبة والخشوع والخشية والإنابة والاستعانة والاستعاذة والاستغاثة والذبح والنذر، وغير ذلك من أنواع العبادة التي أمر الله بها». كلها هذه مفردات العبادة التي أمر الله بها. وقد عرف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله العبادة بتعريف جامع مانع، فقال: «العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة». اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. والفقهاء يعرفون العبادة بقولهم: «ما أمر به الشارع من غير إطراد عرفي ولا اقتضاء عقلي». والعبادة: ما اجتمع فيها غاية الحب مع غاية الذل. وعبادة الرحمن: غاية حبه مع ذل عابده. وعبادة الرحمن: غاية حبه مع ذل عابده. هما قطباني. نعم، جزاك الله خير. هذا من كلام أو من نظر من القيل: «وعبادة الرحمن غاية حبه مع ذل عابده، هما قطباني». قطب العبادة: غاية الحب مع غاية الذل. غاية الحب مع غاية الذل. قال: «والدليل قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾». ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾. فمن صرف منها شيئا لغير الله فهو مشرك كافر. هذه قاعدة كلية: العبادة حق خالص لله، فمن صرف منها شيء... تأمل: أي شيء مما يجب أن يصرف لله إذا صرف لغير الله، فإن الحكم فيه أنه مشرك كافر. طبعا هذا حكم من حيث العموم، أما من حيث التعيين فإن هذا يحتاج إلى إقامة الحجة وتحقق الشروط وانتفاء الموانع. وهذا يرجع فيه إلى أهل العلم الراسخين. وهذا يرجع فيه، أعني إقامة الحجة وتحقق الشروط وانتفاء الموانع، يرجع فيه إلى أهل العلم الراسخين. قال: «والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾». ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾. هذا حكم من ربه جل... هذا حكم من رب العزة والجلال. قال: ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ﴾ أولا: ﴿لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾، لا حجة له في هذا الأمر. ﴿فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ﴾، فالأمر للرب، للرب الأمر لله جل في علاه. ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾. هذا صنيع أهل الكفر الذين يدعون مع الله إلها آخر، الذين يدعون مع الله إلها آخر. قالوا في الحديث: «الدعاء مخ العبادة». الدعاء مخ العبادة. وهذا اللفظ لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويغني عنه الحديث الآخر الذي رواه الترمذي في جامعه من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه وعن الصحابة أجمعين، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الدعاء هو العبادة». ثم تلا عليه الصلاة والسلام قول رب جل وعز: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾. تأمل: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾، أي عن دعائي، ﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾. ثم قال: «ودليل الخوف قوله تعالى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾». ودليل الرجاء قوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾. أركان التعبد القلبي: أركان التعبد القلبي ثلاثة. عندما تتعبد لله عز وجل يجب على المسلم أن يستحضر هذه الأركان الثلاثة، ويسميها أهل العلم بأركان التعبد القلبي: الحب وهو أعظمها. ويقول ابن القيم رحمه الله عليه: «هو بمنزلة رأس الطائر». هو بمنزلة الرأس للطائر. والركن الثاني والثالث: الخوف والرجاء، وهما بمنزلة الجناحين للطائر. ولأجل هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عليه: «من عبد الله بالخوف وحده، يعني يأتي إلى نصوص الوعيد ويعبد الله من خلال هذه النصوص فقط، قال: فهو حروري». فرقة من فرق الخوارج خرجوا على الصحابة بحروراء. «ومن عبد الله بالرجاء وحده، يعبد الله من خلال نصوص الرجاء، من خلال نصوص الوعد، فهو مرجئ». المرجئة الذين يخرجون العمل من مسمى الإيمان، والغلاة منهم يقولون: الإيمان المعرفة، وهم على درجات ومراتب. «ومن عبد الله بالحب وحده، هناك ناس يقولون: نعبد الله حبا فيه، لا رجاء في ثوابه ولا خوف من عقابه». قال شيخ الإسلام: «ومن عبد الله بالحب وحده فهو زنديق». طائفة من أهل التصوف يقولون: نحن نعبد الله حبا فيه، لا رجاء في ثوابه ولا خوف من عقابه. وبناء على هذا القول فإننا نترك شيئا كثيرا من القرآن لأنه مليء بالترغيب والترهيب، وكذلك نترك شيئا كثيرا كثيرا من السنة فهي مليء بالترغيب والترهيب. فعلى قول هؤلاء الضلال الزنادقة لا فائدة لهذا الترغيب والترهيب. قال شيخ الإسلام: «ومن عبد الله بالحب وحده فهو زنديق». قال: «والموحد يعبد الله حبا فيه ورجاء في ثوابه وخوفا من عقابه». هذا الموحد يعبد الله حبا فيه ورجاء في ثوابه وخوفا من عقابه. تصلي حبا في الله وفي شرعه وفي دينه، ورجاء في ثوابه وخوفا من عقابه. وهكذا تزكي، تصوم، تحج، حبا في الله وفي شرعه وفي دينه، ورجاء في ثوابه وخوفا من عقابه. ولأجل هذا امتدح شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كما في الفتاوى في مجلد العاشر في غير ما موطن، وكذلك تلميذه ابن القيم في الرسالة التبوكية، وكذلك الذهبي في ترجمة طلق بن حبيب في السير، امتدحوا تعريف طلق بن حبيب للتقوى. قال: لأنه جمع هذه الأمور الثلاثة، وأشار كذلك فيها إلى شرطي قبول العمل. ما هو تعريف طلق بن حبيب للتقوى؟ طلق بن حبيب تابعي من التابعين. أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه وفي كتاب الإيمان له بسند حكم عليه العلامة الألباني رحمه الله عليه بالصحة، أن رجلا في زمن فتنة ابن الأشعث جاء إلى طلق بن حبيب وقال له: «ما المخرج من هذه الفتنة؟» فقال له: «عليك بتقوى الله». قال: «أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخشى عقاب الله». أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخشى عقاب الله. نعم. ثم قال: «ودليل التوكل قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾، وقوله: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ