الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 544

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 544

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 544، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

شدة عيش الصحابة وحرص النبي على تربيتهم

كان الصحابة يعيشون في شدة وفقر، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يربيهم على الصبر والقناعة. بشرهم النبي بأنهم سيكونون في نعمة ورغد في المستقبل.

صبر الصحابة وفتنة المال

صبر الصحابة على الفقر كان عظيماً، وتحذير النبي من فتنة المال كان واضحاً. ضرب الصحابة أمثلة في التعامل مع المال بطريقة ترضي الله.

أثر تربية النبي على تعامل الصحابة مع المال

تربية النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة جعلتهم يتذكرون حالهم في الفقر، فلم يتغير قلبهم بالمال. أعطوا المال لمن يستحقه وعرفوا أنه ذاهب.

التحلي بالكرم وتجنب الشح والبخل

الإيثار وتجنب الشح والبخل من صفات المفلحين. من يوطن نفسه على تجنب الأنانية والطمع فهو على طريق الفلاح.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فقبل أن نبدأ بالدرس إن شاء الله تعالى، ستكون محاضرة هذه الليلة بعد المغرب في مسجد التقوى للشيخ الفاضل عبد الغفور الثقاف اللحجي، حفظه الله. قال شيخنا رحمه الله: مسند طلحة رضي الله عنه، وليس بطلحة بن عبيد الله. قال الإمام محمد رحمه الله: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، هو التنوري، عبد الصمد بن عبد الوارث بن سعيد التنوري البصري. قال: حدثني أبي، وهو عبد الوارث، وكان حافظا لحديث أيوب خاصة، وحديث أهل البصرة عامة، وكان من الحفاظ الكبار، إلا أنه اتهم بالقدر على ما كان عليه أهل البصرة. قال: حدثني أبي، قال: حدثنا داود، يعني ابن أبي هند، داود بن أبي هند أيضا بصري، من ثقات البصريين وحفاظهم. قال: عن أبي حرب أن طلحة حدثه، وهذا طلحة يقال أنه طلحة بن عمر صحابي. قال: أن طلحة حدثه وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: أتيت المدينة وليس لي بها معرفة، فنزلت في الصفة مع رجل. وهذا يدل على أنه ليس طلحة بن عبيد الله، طلحة بن عبيد الله من السابقين المهاجرين، وكذلك كان من أهل التجارة، لكن هذا معنى طلحة بن عمر جاء إلى المدينة فجلس في الصفة. الصفة هذا مكان في المسجد يجلس فيه من ليس له سكن في المدينة، وغالبا يكونوا فقراء. قال: فنزلت في الصفة مع رجل، فكان بيني وبينه كل يوم مد من تمر، يعني يتقاسمونه بينهم ويأكلونه اليوم كله والليلة. قال: فصلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم، فلما انصرف، قال رجل من أصحاب الصفة: يا رسول الله، أحرق بطوننا التمر. أحرق بطوننا التمر إذا كان التمر وحده وأكله دائما يحرق البطون لأنه حار. قال: وتخرقت عنا الخنف الضار، يريد الخنف المكان الذي هو البطن، مكان ما يضع الإنسان لكثرة الإسهال. قال: فصعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فخطب، ثم قال: والله لو وجدت خبزا أو لحما لا أطعمتموهم. أما إنكم توشكون أن تدركوا، ومن أدرك ذلك منكم أن يراح عليكم بالجفان، وتلبسون مثل أستار الكعبة. قال: فمكثت أنا وصاحبي ثمانية عشر يوما وليلة، ما لنا طعام إلا البريرة، والبرير هو ثمر الأراك، ثمر الأراك الأسود يسمى برير. قال رحمه الله: قال رضي الله عنه، فمكثت أي طلحة يقول: مكثت أنا وصاحبي ثمانية عشر يوما وليلة، ما لنا طعام إلا البريرة، أنه كان صبرهم كصبر الجبال. هذا حديث صحيح على شرط مسلم، وأخرجه البزار كما في كشف الأستار، وقال البزار: وطلحة هذا سكن البصرة، وهو طلحة بن عمر، ولم يرو إلا هذا الحديث. فهذا الحديث فيه عدة مسائل، من ذلك ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم من شدة في العيش. وكذلك كان نبينا عليه الصلاة والسلام، ولو أراد عليه الصلاة والسلام لفجر الله عز وجل له الجبال أنهارا، ولجاءهم الخير، لكن حكمة الله عز وجل اقتضت ذلك. وكان نبينا عليه الصلاة والسلام يدعو الله عز وجل أن يكون قوته كفافا، أي ما يكفيه هو وأهله. وكذلك كان عليه الصلاة والسلام حتى أحيانا لا يكون طعام في بيته. لما جاءه ضيف طلب الطعام في تسعة أبياته فلم يجد شيئا، فقال: من يضيف ضيف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ فأخذه رجل من الأنصار. وكذلك في صحيح مسلم أيضا لما جاءه الضيف لم يجد ما يضيفه، فقال: من يضيف ضيف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ فأخذه أبو طلحة الأنصاري زيد بن سهل رضي الله عنه زوج أم سليم. وقالت عائشة رضي الله عنها كما في الصحيحين: قالت لعروة ابن أختها: يا عروة، قد كان يمر علينا الهلال والهلال والهلال، وما توقد نار في أبيات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهي تسعة أبيات لا توقد فيها نار ثلاثة أشهر. وهو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فقال عروة: يا خالة، ما كان يقيتكم؟ فقالت رضي الله عنها: الأسودان التمر والماء، التمر والماء. فصبروا على هذه المعيشة، لكن قلوبهم كانت مطمئنة وقانعة بما عند الله جل وعلا، فلهذا لم يؤثر فيهم هذا الفقر. ليس فقر فقط في الطعام، بل حتى في اللباس. كما قال أبو سعيد: كان أحدنا لا يجد إلا عباءة ضيقة يلبسها، يستتر بإخوانه من العري. وهكذا كان غالب أصحاب الصفة، كانوا ما عندهم لباس يقيهم ويسترهم إلا شيئا يسيرا. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام لما كان النساء يصلين خلف الرجال، وكان الرجال أزورهم قصيرة، فإذا ركع أحدهم يعقد إزاره في عنقه كالصبيان، فلهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام للنساء: لا تركعن حتى يرفع الرجال. وهذا كله لأجل ما كان عليه من العري. ولهذا لم يأخذ هذا الأمر العلماء بأنه سنة أن المرأة ترفع بعد الرجل، وإنما عرفوا أن هذا لأجل ضيق الأزر التي كان عليها الصحابة رضي الله عنهم، خاصة أهل الصفة وغيرهم أيضا من الفقراء. وكذلك يدل أيضا على صبرهم في طعامهم. الآن تجد عندنا أطعمة كثيرة، لكن تجد أيضا أحدنا يتبرم ويتضجر، ما نجد إلا هذا الطعام. مع أن الصحابة رضي الله عنهم صبروا على التمر والتمر حار يحرق الأمعاء، وكذلك يسبب الإسهال، مع هذا إلا أنهم صبروا. بل كما ذكر هنا طلحة بن عمر رضي الله عنه أنهم صبروا حتى على البرير، لم يجدوا هذا التمر ثمانية عشر يوما يأكلون من ثمر الأراك. وثمر الأراك من ذاقه يجد أيضا أنه مر، وكذلك حار لكثير من الناس، لكن صبروا رضي الله عنهم. فعوضهم الله عز وجل بعضهم في الدنيا، وبعضهم جعل الله عز وجل الخير له في الآخرة. ولهذا لما قدم لعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه طعاما، فلما رأى الطعام بكى رضي الله عنه. فقال: إن من أصحابنا من سافر ولم يجد شيئا من الطعام، فذكر مصعب بن عمير ذلك الفتى المدلل في مكة، وكان عنده أموال في مكة، فتركها وهاجر مع النبي عليه الصلاة والسلام. فقال: مات مصعب بن عمير فلم يجد له إلا نمرة، إن غطوا بها رأسه بدت رجله، وإن غطوا رجله بدا وجهه. وهكذا جاء في حديث خباب بن الأرت رضي الله عنه. فذكر عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه ما كان عليه هو وأصحابه في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم. لما فتحت عليهم الدنيا، وجاء في صحيح مسلم في حديث عبد الله بن عمر أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: كيف أنتم إذا فتحت عليكم فارس والروم؟ فكان عبد الرحمن بن عوف يقول: يا رسول الله، مثل ما قال الله، نحمده ونشكره. قال: وغير ذلك، بل أنكم ستتنافسون وتتقاطعون، وتمشون إلى فقراء المهاجرين فيضرب بعضكم رقاب بعض. أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. فأي أن هذا المال فتنة تحصل به الفتن العظيمة. ولهذا لما رأى عمر رضي الله عنه كنوز كسرى أمامه بكى بكاء شديدا. فقالوا له: ما يبكيك يا أمير المؤمنين في يومنا عز الله عز وجل فيه الإسلام؟ فقال: والله ما دخل هذا الأمر في أناس إلا دلوا، وأن أتركوا أمر الله، وصاروا على الدل والمهانة في طلب هذا المال واللهث وراءه. فقال: ما دخل هذا الشيء على أناس إلا دلوا. فلهذا فالصحابة رضي الله عنهم لم تغيرهم الدنيا لما جاءت، علموا أن هذه الدنيا تفنى وإن وجدت. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾. ساروا على سيرة إخوانهم، وهذا دأب الصحابة رضي الله عنهم، جاءتهم الأموال من كل مكان، لكنهم لم يتغيروا. وإن كانوا لبسوا الثياب وأكلوا الطعام الذي لم يكونوا يأكلونه، لكن نفوسهم لم تتغير وقلوبهم لم تتغير، لأنهم قد طبعت قلوبهم على الخير، وقد تروضت قلوبهم على الطاعة. فلهذا لم تغيرهم هذه الأموال مع كثرتها، وكذلك تنوعها. ولما امتخط أبو هريرة بمنديل من قطن، فقال: أخ أخ، أبو هريرة يمتخط بمنديل من كتان. هذا الذي جعل قلوبهم حية أنهم كانوا يذكرون كيف كانوا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفقر، ثم أن الله عز وجل أغدق عليهم بهذه النعم. فذكروا ما كانوا عليه فلم يتغيروا. والمشكلة أن الإنسان إذا نسى ما كان عليه، إذا جاءه المال. ولهذا ذكر الله عز وجل عن قارون أنه قال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾. وذكر الله عز وجل عن ناس أيضا كما في سورة الجاثية أنهم قالوا مثل هذه المقالة، مع أنهم جمعوا هذه الأموال ليس عن نعمة من الله ويشكرون الله عز وجل عليها، لا وإنما يذكرون جهودهم فيها. فلهذا كان لما كان الصحابة رضي الله عنهم يذكرون ماضيهم، صارت قلوبهم حية. وعرفوا أن هذا المال ذاهب، وأن الأفضل أن يعطى لمن يستحقه. ولهذا أراد عمر رضي الله عنه أن يرى كيف قلوب هؤلاء الصحابة تغيرت أو لم تتغير. فجاءه مال من الأموال التي يفتح بها أهل الإسلام، فقال: فدعا رجلا من مواليه، فقال له: اذهب إلى معاذ وعطيه هذا المال. فذهب إلى معاذ وقال له: انظر ماذا يفعل. فذهب إلى معاذ وعطاه هذا المال، فقال: يا جارية، تعالي أعطي فلانا كذا، حتى فرق هذا المال كله، فما بقي معه إلا دينار واحد. فأراد أن ينفقه كذلك، فقالت له امرأته: وما تعطينا نحن، ألا نحن أيضا نريد؟ فأعطاها الدينار. ثم ذهب ثم رجع وأخبر عمر بما فعل معاذ. ثم أعطاه مالا وقال له: اذهب إلى حذيفة وعطيه هذا المال. وكذلك فعل مع عمار، وكانت طريقتهم واحدة. فقال عمار رضي الله عنه: أولئك إخوة بعضهم من بعض، ربوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت تربيتهم واحدة. فما نسوا ما كانوا عليه رضي الله عنهم، فلهذا طبعت هذه الحالة في قلوبهم، فإذا جاءهم المال فرقوه. ولهذا كان جماعة من الصحابة ومن السلف عندهم أموال كثيرة من التجارة، وما وجبت عليهم زكاة. وهذا كثير، الزهري والليث كذلك من الصحابة، عبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام وأبو بكر الصديق وغيرهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. كانت عندهم تجارة وعندهم أموال، لكن لم تجب عليهم زكاة لأنهم يفرقون هذه الأموال. فلهذا فكان الصحابة رضي الله عنهم درسا عظيما للأمة وأمانا عظيما للأمة، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام. فقال النبي عليه الصلاة والسلام لما رأى ما بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من هذا الأمر، وخاصة أصحاب الصفة، وأنهم تحرقت بطونهم من التمر، قال: والله لو وجدت خبزا أو لحما لأطعمتموهم. أما إنكم توشكون أن تدركوا أي الفتوحات وكذا ويأتي الأموال، وستتبدل حالكم. ومن أدرك ذلك منكم أن يراح عليكم بالجفان، والجفان هي المائدة التي فيها الطعام، وتلبسون مثل أستار الكعبة، أنا من ثياب الفاخر. وهذا يدل على أن مسألة كسوة الكعبة قد كان قديما، وأقره النبي عليه الصلاة والسلام، ولهذا مشى عليه الناس إلى يومنا هذا. قال: فمكثت أنا وصاحبي ثمانية عشر يوما وليلة، ما لنا طعام إلا البرير، حتى جئنا إلى إخواننا من الأنصار فواسونا. وكان الأنصار أهل المؤاساة وأهل البذل والعطاء، مثل ما ذكرهم الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. فوصفهم الله عز وجل بالإيثار، ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة. الإيثار هو أفضل من المواساة، لأن الإيثار إعطاء المال وترك النظر، والمواساة قسمة المال. المواساة يقسم المال بينه وبين أخيه، هذا مواساة. والإيثار أنه يؤثر بأخيه على نفسه، يعطيه المال ويبقى بدون مال. ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة. ومن يوق شح نفسه، أي يوطن نفسه على عدم البخل وعدم الأنانية والطمع. ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون. فهذا إن شاء الله تعالى ما يذكر في هذا الحديث، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.