الدرس في التعليق على القواعد الحسان في تفسير القرآن 66، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يذكر القرآن نوعين من مرض القلوب: مرض الشبهات والشكوك الذي يصيب المنافقين والكفار، ومرض الشهوات المحرمة كالميل للنساء. ويتم التمييز بينهما من خلال سياق الآية، فإذا ورد في سياق ذنب المنافقين أو المخالفين في الدين فهو مرض شبهات.
يوجد نوعان من أمراض القلب: مرض الشبهات الناتج عن انحراف العلم، ومرض الشهوات الناتج عن انحراف الإرادة والميل للمعاصي. وتتحقق صحة القلب الكاملة بكمال العلم الذي يزيل الشبهات، وكمال الإرادة المقبلة على ما يحبه الله والصابرة على طاعته.
تشترط الإمامة في الدين توفر العلم والصبر، فالعلم يدفع الشبهات ويورث اليقين، والصبر يدفع الشهوات ويثبت الإرادة على طاعة الله. وسلامة القلب وكماله يتوقفان على تلازم العلم الراسخ والإرادة الصادقة، وضعف أحدهما يورث أمراض القلب من شبهات أو شهوات.
يُعد ميل الإرادة والمحبة نحو معاصي الله انحرافاً ومرضاً في التدين يضعف التزام المسلم بالطاعات. ويؤدي هذا الانحراف إلى بعد المسلم عن المحرمات وتقليل حرصه على أداء الواجبات.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد. فقوله: "المرض في القرآن يُراد به مرض القلوب"، بمعنى: الألفاظ التي وردت في القرآن بذكر المرض، فهو نوعان: مرض شبهات وشكوك، شبهات بمعنى زيغ في القلب بسبب وجود الشكوك والشبهات فيه، كحال المنافقين وحال الكفار ونحو ذلك. ومرض شهوات المحرمات، بمعنى: الميل إلى النساء، والميل إلى شهوة الفروج. فمرض القلوب في القرآن على قسمين: مرض شبهات وشكوك، ومرض شهوات المحرمات. طيب، كيف تميز بينهما؟ هذا أيضًا من معرفة تفسير القرآن. جاءتك آية فيها ذكر المرض، كيف تعرف أن هذا مرض شبهات أو مرض شهوات؟ كيف تميز بين هذا؟ ذُكرت قاعدة هنا، قال: "والطريق إلى تمييز هذا من هذا مع كثرة ورودهما في القرآن"، وذكر أمثلة سيأتي بيانها، ومطلوب منكم ذكر بقية الأمثلة. تبحثون ذكر المرض فيما لم يذكرها هنا، هل ورد غير ما ذكره المؤلف؟ لأن قال: "وورودهما في القرآن مع كثرة ورودهما في القرآن"، يعني: ذكرها كثير، فأين هذا الكثير؟ تبحثون عنه إن شاء الله. فكيف تميز بين مرض الشبهة ومرض الشهوة؟ التمييز قال: "يدرك من السياق"، يعني: تنظر إلى الكلام المتقدم على لفظة المرض. قال: "فإن كان السياق في ذنب المنافقين والمخالفين في شيء من أمور الدين، كان هذا مرض الشكوك والشبهات". لما ذكر الله المنافقين، قال سبحانه وتعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ [البقرة: 10]، هذا لشك أنه مرض ماذا؟ الشكوك والشبهات، لأنه في سياق ذكر ماذا؟ المنافقين. هذه قاعدة جليلة تميز بين المرضين، تميز بين المرضين. طيب، وإن كان السياق في ذكر المعاصي والميل إليها، كان مرض شهوة. ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: 32]، هذا ذكر في سياق مخاطبة النساء، ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ ذَٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: 53]، ثم ماذا قال؟ لا، في الآية التي قبلها، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾، ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾، إذن هنا مرض الشهوة، شهوة تغني المرأة ولين صوتها، فصوت المرأة فتنة، صوت المرأة ماذا؟ فتنة. واضح. طيب، اقرأ: "يواجه من حصار المرض في هذين النوعين، أن مرض القلب خلاف صحته، وصحة القلب الكاملة بشيءين: كمال علمه، كمال علمه ومعرفته ويقينه، وكمال إرادته ما يحبه الله ويرضاه". والقلب الصحيح هو الذي عرف الحق واتبعه، وعرف الباطل وتركه. فإن كان علمه شكًّا، وعنده شبهات تعارض ما أخبر الله به من أصول الدين وفروعه، كان علمه منحرفًا، فكان مرض قلبه قوة وضعفًا بحسب هذه الشكوك والشبهات. وإن كانت إرادته ومحبته مائلة لشيء من معاصي الله، كان ذلك انحرافًا في إرادته ومرضًا. وقد يجتمع الأمراض، فيكون القلب منحرفًا في علمه وفي إرادته. حسب دليل ذلك، يعني: أولاً، ما معنى كلامه هذا؟ معنى كلامه هذا: أن بالعلم تزال الشبهات. طيب، وهذا معنى قوله: "وصحة القلب الكاملة بشيء: كمال العلم"، فكمال العلم تدفع به ماذا؟ الشبهات. طيب، وكمال الإرادة، معنى الإرادة يعني: الإقبال على ما يحبه الله ويرضاه، والصبر على طاعة الله عز وجل. هذا سبب للبعد عن الشهوات. ولذلك ذكر الله عز وجل في القرآن أن العبد لا ينال الإمامة في الدين إلا بهذين الأمرين: بالعلم والصبر. فبالعلم تدفع الشبهات، وبالصبر تدفع الشهوات. قال الله عز وجل: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: 24]، "لما صبروا" هذا لما صبروا دفع لماذا؟ الشهوات. "وهم بآياتنا يوقنون" هذا دفع ليش؟ للشبهات، لأن اليقين بمعنى كمال العلم. فبالعلم تدفع الشبهات، وبالصبر وهو الإرادة، لأن الصبر يكون على طاعة الله، وعن معصية الله، وعن أقدار الله. فخلاصة كلام المؤلف في هذا الجزء من كلامه: أن القلب الصحيح والقلب السليم هو الذي امتلأ علمًا وصبرًا وإرادة صادقة. أما إذا ضعف من حيث الملكة العلمية أو من حيث الملكة الإرادية، فهنا يقع في مرض الشهوة أو مرض الشبهة. فهذا معنى قوله: "وصحة القلب الكاملة بشيئين: كمال علمه ومعرفته ويقينه"، هذا العلم، "وكمال إرادته ما يحبه الله ويرضاه"، فهذا بالصبر. قال: "فالقلب الصحيح هو الذي عرف الحق واتبعه، وعرف الباطل وتركه". فلا يكون معرفة الحق إلا بالعلم، والإرادة لا يكون علم بدون إرادة، ولا إرادة بدون علم، فهما متلازمان، فهما متلازمان. فإن كان علمه شكًّا، يعني: ما عنده علم راسخ، ما عنده علم يقيني، وعنده شبهات تعارض ما أخبر الله به من أصول الدين وفروعه، كان علمه منحرفًا، فيمرض قلبه باتباع الشبهات، وكان مرض قلبه قوة وضعفًا بحسب هذه الشكوك والشبهات. وكلما قوي علم العبد قوي يقينه وقوي قلبه، وكلما ضعف علم العبد ضعف قلبه فتخللت من خلاله الشبه. وإن كانت إرادته ومحبته مائلة لشيء من معاصي الله، كان ذلك انحرافًا في إرادته ومرضًا، يعني: في تدينه، ويضعف تدينه، ويضعف كذلك إقباله على الله عز وجل في امتثال الطاعات والبعد عن المحرمات. طيب، اليوم إن شاء الله نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله شكرًا.