الدرس في آداب الذبح والأضحية 1، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يبدأ الدرس بتعريف الأضحية وبيان معناها وشرطها، مع توضيح فضائلها ومشروعيتها من الكتاب والسنة وإجماع الأمة. الأضحية هي ما يذبح من بهيمة الأنعام يوم النحر وأيام التشريق تقربًا لله.
يشرح المقطع مشروعية الأضاحي مستندًا إلى السنة النبوية، حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم يضحي ولم يترك الأضحية منذ وصوله المدينة. كما يستدل بقول الله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾.
يناقش المقطع حكم الأضحية حيث ذهب جمهور العلماء إلى أنها سنة مؤكدة، بينما رأى فريق آخر وجوبها. يستدل المؤيدون لقولها سنة مؤكدة بأحاديث نبوية منها «إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظفاره» و«هذا عني وعن من لم يضحي من أمتي».
يختتم الدرس بدعاء الله أن ينفع بما قيل، ويصلي على النبي محمد وآله وصحبه، معربًا عن الرغبة في الاستفادة من الدروس المقدمة والتوجه إلى الله بالدعاء.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، إخواني في الله، سنبدأ من هذا اليوم بذكر ما يتعلق بآداب الذبح والأضحية، وذلك لما سيأتي من يوم عيد النحر، وهو اليوم العاشر من ذي الحجة، وما يتبعه من أيام التشريق. فمن أعظم ما يتقرب به أهل الإسلام في مثل تلك الأيام ما يكون من تقريب القربان إلى الله جل في علاه، فناسب أن نذكر بعض المسائل التي يهتم بها كل مسلم. ومن أولى هذه المسائل، إخواني في الله، ما معنى الأضحية؟ يقال عنها أضحية، وحيانًا بحذف الهمزة يقال عنها ضحية. الأضحية أو الضحية هو اسم لما يذبح يوم النحر وأيام التشريق تقربًا لله جل في علاه. وأسميت بهذا الاسم -الأضحية أضحية- لأنها تذبح ضحى، أي بعد صلاة العيد. وهي لا تكون إلا من بهيمة الأنعام، من البقر والإبل والغنم فقط. الأضاحي لا تكون إلا من بهيمة الأنعام، فلو أن إنسانًا أراد أن يتقرب في يوم العيد بذبح دجاجة، هل يعد هذا أضحية؟ الجواب: لا، هي نعم لحم، لكن ليست بأضحية، إذ أن من شرط الأضحية أن تكون إبلاً أو بقرًا أو غنمًا. وأما ما يتعلق بفضائلها، فإن من أشهر ما يذكر من فضائل الأضاحي ما جاء من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت: قال عليه الصلاة والسلام: «ما عمل ابن آدم عملاً يوم النحر أحب إلى الله من إراقة الدم». وهذا الحديث رواه الإمام الترمذي، وصححه الإمام الحاكم، إلا أن الذهب تعقب الحاكم في تصحيحه، وأن الحديث معل، وهكذا الشيخ الألباني على تضعيف هذا الحديث. لكن دلت الأدلة الكثيرة على مشروعية الأضاحي، مما جاء في الكتاب وفي السنة وإجماع الأمة. فأما من الكتاب، ما جاء في قوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾، فجمهور المفسرين هنا على أن النحر هو ذبح الذبيحة يوم النحر، أي يوم العيد. فهنا حث ربنا ورغب بهذه الشعيرة: «فصلِّ لربك وانحر»، حتى قيل: إن «صلِّ» هنا أي صلاة العيد، «فصلِّ لربك وانحر» أي وانحر الأضاحي. وأما من السنة، فالأدلة كثيرة دالة على أن النبي قد شرع لأمته الأضاحي، فقد ثبت ذلك في كل مجالات السنة قولاً وفعلاً وتقريرًا. فمجالات السنة كلها دلت على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل هذه الشعيرة. بذكر ابن القيم رحمه الله تعالى: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يدع الأضحية في حياته منذ أن وصل المدينة، ما عُرف عنه أنه ترك الأضحية منذ أن وصل المدينة، بل استمر عليها حتى فارق الدنيا عليه الصلاة والسلام. وقد قام إجماع الأمة على أن الأضاحي من شعائر الدين، بل ليس هذا فقط في شريعتنا، بل في كل شريعة وفي كل ملة ونحلة أرسل إليها ربنا كتبًا وأرسل الرسل وأعطاهم الشرائع، إلا وجعل في شريعة كل أمة الذبح، وهذا مصداق ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾، ففسر ذلك المنسك بالذبح. وهنا مسألة، إخواني في الله، لربما بعض الناس يسأل في مسألة كيفية التحصيل على الأضاحي، هل ينفع ذلك دينًا؟ هل يمكن أن يستدين مبلغًا من المال حتى يحقق هذه الشعيرة؟ الجواب ما ذكره العلماء، نعم، إن وجد وفاء له أن يستدين، وإلا فلا. كيف؟ إن وجد وفاء، أي عنده قدرة على أن يستوفي مبلغ السداد. مثاله: موظف، الموظف يأتيه الراتب آخر الشهر، والعيد لربما جاء في أول الشهر الميلادي مثلاً، فهنا قد يقول هذا الموظف: أنا سأستدين مبلغًا وأشتري الأضحية، ومتى ما جاء الراتب سدت. هل هذا؟ نعم، هذا يدخل في الموضوع، لا إشكال فيه، وهذا هو الوفاء. فالذي عنده وفاء، أو أنه ينتظر صفقة ستأتي، أو ينتظر مبلغًا يحول إليه، فمن ينتظر وفاءً يستطيع به السداد، له أن يستدين حتى يحقق هذه الشعيرة. أما ما عنده السداد، بل إنما يركم على نفسه بالديون في شعيرة ما، لا يفعل هذا، بل هو في عافية من الدين. وقد قال إمام مالك رحمه الله تعالى: «لا أحب لأحد يقوى على ثمنها أن يتركها»، أي ماذا؟ الأضحية، إن كان له قدرة على الشراء. مسألة كذلك، ما الحكمة من مشروعية الأضاحي؟ قال العلماء: الحكمة من ذلك أن الإنسان يتقرب إلى ربه سبحانه وتعالى بهذه الشعيرة العظيمة. وشعيرة الأضحية دائمًا ما تقرن بالصلاة، كما في قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾، وفي قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾، الصلاة والنسك، «فصل وانحر»، فتجمع الشعيرتان -النحر- تجمع بالصلاة، على ماذا يدل ذلك؟ يدل ذلك على عظيم هاتين الشعيرتين في الإسلام، حتى قال جماعة من أهل العلم: إن الصلاة هي من أعظم العبادات البدنية، وأن الذبح من أعظم العبادات المالية؛ لأنها أموال محبوبة إلى صاحبها. ومن هنا قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، مبينًا لفضيلة هاتين الشعيرتين -شعيرة الصلاة والذبح-: «قال: وقد كان رسول الله كثير الذبح وكثير الصلاة»، أي كثيرًا ما كان يذبح، وكثيرًا ما كان يصلي، جمعًا لهاتين الشعيرتين. تأتي مسألة، إخواني في الله، ما هي حكم الأضحية؟ إذا علمنا أنها مشروعة ومن دين الله، للعلماء على ذلك أقوال. ومذهب جمهور العلماء إلى أنها سنة مؤكدة ثبتت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. فعلى القول بالسنية، فمن فعلها فقد أحسن، ومن تركها فلا شيء عليه. وذهب جماعة من أهل العلم إلى الوجوب، إلى أنها واجبة. والذين ذهبوا إلى الوجوب اختلفوا في الشروط، تجب على من؟ قيل: على الموسر، قيل: على المقيم، إلى غير ذلك من الشروط الذي تم الخلاف فيما بينهم. والصحيح، والله تعالى أعلم، في هذه المسألة: أن الراجع فيها ما ذهب إليه جمهور العلماء، إلى أن ذبح الأضاحي في يوم العيد من السنن المؤكدة. ويدل على ذلك عدة أمور، منها ما جاء في قوله عليه الصلاة والسلام: «إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظفاره». قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: دل هذا الحديث على أن الأضحية ليست بواجبة، وهذا من فقهه رحمه الله؛ دل هذا الحديث على أن الأضحية ليست بواجبة؛ لأن الشرع أرجعها إلى إرادة صاحبها. وأيضًا ما جاء في الصحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى، وكان من قوله: «هذا عني وعن من لم يضحي من أمتي». فدلت هذه الأحاديث على أن ذلك من الأمور المستحبة، وليس من الأمور الواجبة. وأما ما يستدل به في حديث: «من وجد سعة فلم يضح فلا يقربن مصلانا»، فالصحيح أنه موقوف، موقوف على قول أبي هريرة: «من وجد سعة فلم يضح فلا يقربن مصلانا»، هذا لم يصح مرفوعًا إلى رسول الله، وإنما جاء موقوفًا على أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، كما رجح ذلك جماعة من المحققين، كالإمام الطحاوي رحمه الله تعالى وغيره. فالحاصل، إخواني في الله، هذا ما يتعلق بهذه المسألة، وبعض مسائل أخرى تترك -إن شاء الله- في درس غد، حول ما هي الأفضل في الأضحية، وما الذي يشرع في مقدارها وفي سنها، إلى غير ذلك. فيرجى الكلام عن ذلك إلى يوم غد. أسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.