الدرس في شرح كتاب التوحيد للإمام محمد بن عبدالوهاب 44، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
الخوف من الله يمكن اكتسابه بتعظيم الله في القلب واستشعار نعمه وآياته، وهذا يؤدي إلى ترك المعصية وكسب الأجر العظيم. تعظيم الله يعني عدم مقابلة الله بالعصيان والاستغفار عند الخطأ.
الخوف من غير الله قد يكون شركًا إذا اعتقد الشخص أن غير الله قادر على النفع والضر، وهناك فرق بين خوف العبادة وخوف السر. الآيات والأحاديث توضح خطورة هذا النوع من الخوف.
إرضاء الناس بسخط الله أمر خطير، وإخلاص الخوف لله هو من الفرائض. صرف الخوف لغير الله يعتبر شركًا، والآيات تُبين أهمية الخوف من الله وحده.
الخوف من الله ضروري لضبط سلوك العبد، ويجب ألا يخاف العبد غير الله إلا في الأمور الطبيعية أو المكتسبة الجائزة. هذا الخوف يحمي العبد من الوقوع في المعاصي.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. عاد الحديث. طيب، أخذنا باب قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. فقلنا إن هذا باب الخوف، فمنه خوف عبادة، ومنه خوف جبلة، ومنه خوف مكتسب. والخوف المكتسب هذا إما أن يكون خوف محرم، أو ممكن أن يكون جائز، وممكن أن يتحول هذا الخوف المكتسب إلى عبادة أيضا، إلى خوف العبادة أيضا. خوف العبادة يحتاج إلى كسب، كيف يتكسب هذا الخوف؟ يتكسب بأمور، من ذلك تعظيم الله جل وعلا، العبد يعظم الله جل وعلا في قلبه، وكذلك أيضا باستشعار نعمة الله عز وجل عليه، وأيضا استشعار ما يذكر به العبد من آيات الله عز وجل، الآيات المشهودة أو الآيات المقرؤة أو الآيات الشرعية والآيات الكونية. فتجد أن الخوف يحصل من هذين الأمرين، إما السبب الأول هو تعظيم الله عز وجل، والأمر الثاني تعظيم، أي تدخل العظمة في قلب العبد. فإذا عظم العبد ربه جل وعلا خافه. والأمر الثاني هو الاعتبار بالآيات الشرعية والكونية، الاعتبار بالآيات الشرعية والكونية، فهذا الذي يحصل به الخوف في القلب. فهذا يختلف من شخص إلى آخر، يحتاج إلى كسب مثل هذه الأمور. معنى يحاول أنه يعظم الله عز وجل في قلبه، ومعنى عظمة الله عز وجل في قلبه أنه لا يقابله بالعصيان. فإن حصل منه استغفر وتاب ورجع، استغفر وتاب ورجع، فهذا تعظيم لله عز وجل. وكلما عظم العبد ربه جل وعلا في قلبه كلما كان أخوف من الله، وزاد الخوف عنده. وكلما ابتعد التعظيم ابتعد الخوف. الخوف مقرون بالتعظيم، لماذا؟ لأن الإنسان إذا جاء مثلا إلى معصية، فإن كان يعظم الله عز وجل سيخاف. وهذا الخوف هو الذي يجعله يترك هذه المعصية. ولهذا حتى لو أن الإنسان تسبب في معصية، لكنه بعد ذلك تركها خوفا من الله، جعل الله عز وجل له أجر عظيم. انظر إلى قصة الثلاثة الذين دخلوا الغار فأطبقت عليهم الصخرة. أحدهم استدل أو توسل بأنه كانت له ابنة عم، وكان يحبها، فذات يوم طلبت منه مالا، فقال: لا أعطيك حتى تمكنين من نفسك. فلم ترضى، ثم احتاجت واضطرت لأنها ترجع إليه لأنه ابنة عمها، فقال: حتى تمكنين من نفسك، فرضيت. لكن لما معنى كأنها استسلمت الأمر، وهذا ليس معنى أنها أن فعلها صحيح. فلما تمكن منها، وقد كان بين معنى قد ركب منها ما يركب الرجل المرأة، قالت له: يا هذا، اتق الله، ولا تفض الخاتم إلا بحقه. فانتفض وخرج منها وخاف. فهذا جعله الله عز وجل له عملا عظيما من أعمال الإخلاص. وأيضا جاء حديث هكذا، حديث «الكفل» أو حديث «الكفل»، أنه نفس القصة، أنه كان له ابنة عم، كانت تحتاج إليه، وهو يراودها، وهي ترفض. فذات مرة كأنها رضيت، احتاجت ورضيت. فلما أراد أن يعمل معها الحرام، رأى أنها تنتفض، قال: ما لك؟ ما لك؟ ما لجسمك ينتفض؟ قالت: خوفا من الله. فارتعد هذا «الكفل»، قال: امرأة خافت من الله، وذا «الكفل» لا يخاف من الله؟ فقام، وعطاها المال الذي كانت تريده، وقال: اذهبي. ومات من تلك الليلة، في تلك الليلة مات. وكان الرجل مسرفا على نفسه بالمعاصي، لكن أراد الله عز وجل أن يريهم آية، فأصبح مكتوبا على بابه: «غفر الله للكفل». وغيرها من الأحاديث التي تبين أن الخوف أيضا يكتسب في مثل هذه الأمور. وخوف العبادة أيضا مكتسب. وهناك كما قلنا خوف العبادة، يدخل منه خوف السر. خوف السر هذا لا يكون إلا لله، وهو في سرار الأمور تعظيمة، والخوف من أن يضره أو أن يضر. فإن كان هذا الخوف من الله فهو عبادة، وإن كان من غير الله فهذا شرك، لأنه اعتقد النفع والضر في غير الله. اعتقد النفع والضر في غير الله. ولهذا تجد بعض العلامات لهذا الأمر، مثلا بعض الناس تقول له: احلف بالله، يحلف حتى ولو كان كاذبا. لكن لو قلت له: احلف بالولي الفلاني، ما سيحلف أبدا، ولو كان صادقا ما سيحلف. لماذا؟ لأنه يخاف أن هذا الولي يأتيه في الليل. هذا اعتقاد كثير من هؤلاء، معناه يعظمونهم حتى على الله عز وجل. ممكن يحلف بالله ما عنده مشكلة، لكن يحلف بالولي لا، ما يستطيع أن يحلف بالولي، لأن الولي سيأتيه في الليل، هكذا اعتقاده. وهذا لا شك أنه شرك بالله، لأن تعظيم هذا المخلوق بل أعظم من تعظيم الله عز وجل، وخاف منه أيضا خوف العبادة. خوف السر، السر أنه يضر، فاعتقد فيه أنه يفعل الضر والنفع. قال عن نبي «سعيد الخدري» رضي الله عنه مرفوعا: «إن من ضعف اليقين أن ترضي الناس بسخط الله، وأن تحمدهم على رزق الله، وأن تذمهم على ما لم يؤتك الله. إن رزق الله لا يجره حرص حريص، ولا يرده كراهة كاره». وهذا الحديث لا يصح. لكن هل هذا الباب يعتبر من الشرك؟ وهو أن الإنسان يرضي الناس بسخط الله، هذا غالبا لا يتعلق بالشرك، وإنما يتعلق بالعمل. فيرضي الناس لأجل دنيا، لأجل أشياء شهوة في نفسه، معنى تكون أمور دنيوية، ليس أمور معنى متعلقة بالضر والنفع. فمثل هذا ما يعتبر شرك أيضا. إذا كان فعل هذا خوفا من الناس، فعل المعصية خوفا من الناس، هل يعتبر شرك؟ هذا غالبا لا يعتبر. لماذا؟ غالبا لأن الإنسان يرضي هذا الشخص خوفا منه، معنى يخاف على نفسه أن يقتل، يخاف على نفسه أن يقتل. فهذا لا دخل له بالشرك. لكن إن كان يفعل هذا خوفا من أن يضره فلان، يضره، معنى من ناحية الضرر المعنوي. يقول مثلا يعتقد أنه لو ما فعل هذا سيحدث له كذا وكذا، سيمرض كذا. فيقوم يفعل هذه المعصية. مثل ما تجرى بعض أهل التصوف في بعض المعاصي، يقولون: معنى اتباعا لساداتنا وكذا، فيعمل معصية وهو يعلم أنها معصية، لكن لأجل فلان، حتى لا يضره فلان. مثل ما يذكرون القصص الصوفية، ذكروا أن رجلا منهم ابتلي بقرص النساء، إذا وجد امرأة قرصها في ثديها. هذا رجل ولي من أولياء الله، يقرص النساء في ثديهن. فإذا قرصها يقولون: خلاص ما تدخل النار. فمرة الرجل قال لزوجته: قال إن جعلت السيد أحمد يقرصك، خلاص أنت في حل. المرأة هذي لما رأت هذا هربت، وهرب خلفها. كان يقول لها: مالك؟ مالك؟ مفقودة من قرصة عمك أحمد. المهم كملوا هذا، وآخر شيء يقولون أنه اعتقد فيه. هم يزينونها كذا القصة. المهم أن مثل هذه الأشياء إن فعلها رضا للناس أو خوفا من الناس أو فعل كذا، فهذا إن اعتقد أن هذا يضره أو ينفعه، فهذا شرك بالله جل وعلا. وأما كان لأجل دنيا، لأجلي مثلا أنه لا يضره من ناحية الدنيا، لا يقتل، لا يعذب، لا كذا، فهذا شيء آخر. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. فالذي يكفر اضطرارا وخوفا على نفسه، فجوزه الله عز وجل. ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾، يعني يقولون إكراه ملجئ، لأن الإكراه ينقسم لقسمين: إكراه ملجئ، وإكراه غير ملجئ. الإكراه الملجئ هو الذي لا مفر منه، معنى أنه إما سيقتل، وإما سيأخذ عضو من أعضائه، أو كذا. وأما الإكراه الغير ملجئ، فهو غالبا في التهديد، التهديد فقط، أنه سيفعل، سيفعل، أو أنه مثلا سيأخذ ماله، أو سيأخذ كذا شيء من ممتلكاته، أو كذا، فهذا غالبا غير ملجئ. قال: وعن «عائشة» رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من التمس رضا الله بسخط الناس، رضي الله عنه وأرضى عنه الناس. ومن التمس رضا الناس بسخط الله، سخط الله عليه وأسخط عليه الناس». وقال: وهذا أيضا فيه انقطاع، لكن جاءت له شواهد تدل عليه. وأن من التمس رضى الله بسخط الناس، رضي الله عز وجل عنه ورضى عنه الناس. ومن التمس رضى الناس بسخط الله، سخط الله عليه وأسخط عليه الناس. بعض الناس مثلا يخاف في بعض المجتمعات، يفعل المنكر لأجل الناس، لأجل ما يقول عليه أنه متشدد، أنه كذا، فيفعل المنكر. فهذا فعله خوفا من كلام الناس، هذا لا يتعلق بالشرك، وإنما يتعلق بأمور الدنيا. فخاف أن يقول الناس كذا وكذا عنه. قال: فيه مسائل. الأولى: تفسير آية آل عمران: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. تفسير آية براءة، وهي قوله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾. قال: تفسير آية العنكبوت: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾. قال: الرابع، أن اليقين يضعف ويقوى. وهذا لأجل حديث «ابن سعيد»، لكنه ضعيف، لكن المعنى صحيح. أن اليقين يضعف ويقوى، اليقين بوعد الله عز وجل يضعف في قلب العبد، وحيان يقوى. ولهذا الصحابة ما أدركوا ما أدركوا إلا لقوة يقينهم بموعود الله جل وعلا. عندهم يقين، معنى لا ينازع فيه، ولا أيضا فيه ذرة شك، أن هذا حاصل. ولهذا كانوا يرونه بالعيان. لما قال «أنس بن نظر» لـ«سعد بن معاذ»: يا سعد، إني أرى الجنة دون أحد، إني أرى الجنة دون أحد. هذا كأنه أراها أمامي، معنى يقين جازم بهذا. قال: خامسة، علامة ضعفه. ومن ذلك هذه الثلاث، علامة ضعفه، معنى ما ذكره هنا في هذا الحديث: أن ترضى الناس بسخط الله، وأن تحمدهم على رزق الله، وأن تذمهم على ما لم يؤتك الله. السادس: أنه إخلاص الخوف لله من الفرائض. إخلاص الخوف، وهو خوف العبادة، من الفرائض. فمن صرفه لغير الله فهو مشرك. السابع: ذكر ثوابا فعله، أي الخوف من الله عز وجل. قال: الثامنة، ذكر عقاب من تركه. فلهذا لابد من هذا الباب، وهو أن الله عز وجل، أو أن العبد يخاف الله سبحانه وتعالى، ولا يخاف غيره، إلا ما ألقي في قلبه من خوف طبيعي أو مكتسب جائز.