شرح لمعة الاعتقاد 13

الدرس في شرح لمعة الاعتقاد 13، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مناظرة محمد بن عبد الرحمن الأدرمي حول بدعة خلق القرآن

يروي الحافظ ابن قدامة رحمه الله مناظرة بين محمد بن عبد الرحمن الأدرمي ورجل يدعو إلى بدعة خلق القرآن، حيث سأله الأدرمي عن علم رسول الله والخلفاء الراشدين بهذه البدعة. أثار تساؤلات حول مسؤولية من يعلم شيئًا من الدين عن التكلم به ودعوة الناس إليه.

خطورة ابتداع الأهواء والتشدد في الدين

يناقش المقطع خطورة ابتداع الأهواء في الدين والتشدد في فرض الآراء على الناس، ويستدل بقصة خلفاء المسلمين الذين اتبعوا منهجًا متشددًا. يحذر من عواقب ذلك ويشرح كيف يمكن للبدع أن تتغلغل في قلوب الناس حتى يظنوا أنها الدين الصحيح.

مسؤولية النبي صلى الله عليه وسلم وخطورة الابتداع

يُناقش المقطع خطورة الابتداع في الدين وكيف يُعتبر اتهامًا للنبي صلى الله عليه وسلم بخيانة الرسالة، ويُشير إلى أن الدين كامل بفضل الله ورسوله. يُوضح أن أي بدعة تُعتبر نقصًا يُكمله المبتدعون ظلمًا.

منهج التعامل مع آيات الصفات

يشير المقطع إلى أهمية اتباع نهج رسول الله وأصحابه والتابعين في التعامل مع آيات الصفات، حيث يجب إمرارها كما جاءت دون تعديل أو تفسير غير مأثور. يبين أن من لم يتسع صدره لهذا النهج فلن يجد السعة في فهم الدين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ثم بعد، قال الحافظ ابن قدامة رحمه الله: وقال محمد بن عبد الرحمن الأدرمي لرجل تكلم ببدعة ودع الناس إليها. ومحمد بن عبد الرحمن الأدرمي يقال إنه عبد الله، وإنما هو محمد بن سحاق، ويقال أبو عبد الرحمن الأدرمي، وهو محمد بن سحاق الجزري، نسبة إلى منطقة الجزيرة التي كانت في الموصل، التي منها الإمام محمد بن جزري المشهور في علم القراءة، صاحب المقدمة الجزري. وهذا كان أيضًا من أقران الإمام أحمد رحمه الله، وكان على السنة. قال رحمه الله: قال محمد بن عبد الرحمن الأدرمي لرجل تكلم ببدعة ودع الناس إليها، وهي بدعة خلق القرآن، وكانت هذه المناظرة بينه وبين ابن أبي دؤاد عند الواثق العباسي، وهذا في فتنة خلق القرآن. قال: قال: هل علمها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي؟ هل علمها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي أو لم يعلموها؟ أنا أسأل: هل هؤلاء علموا هذه البدعة التي أنت دعوت الناس إليها أو دعوت الناس إليها؟ هذه بدعة خلق القرآن. قال: لم يعلموها. أنا أولًا قال: لم يعلموها. قال: فشيء لم يعلمه هؤلاء أعلمته أنت؟ قال الرجل: فإني أقول قد علموها. وجاء في مناظرة عبد العزيز الكناني مثلها، قال: فقال له: فشيء لم يعلمه هؤلاء أعلمته أنت يا لكع بن لكع؟ أنا يقول: كيف تعلم شيئًا لم يعلمه رسول الله وهو من الدين، ولم يعلمه هؤلاء الخلفاء؟ قال الرجل: فإني أقول قد علموها. قال: فوسعهم أن لا يتكلموا به ولا يدعوا الناس إليه. وظهر أن الحافظ هنا، ابن قدامة، كأنه كتبها من حفظه، ولم يذكر أين وقعت هذه المناظرة، وعلى أي شيء، وإلا سيذكرها، لكن ذكر مضمونها. قال: فإني أقول قد علموها، قال: فوسعهم أن لا يتكلموا به ولا يدعوا الناس إليه، أم لم يسعهم؟ معنا إذا كان علموها، هل وسعهم أنهم يتكلموا به ويدعوا الناس؟ أنا هل يجب عليهم أن يفعلوا ذلك؟ وليس هناك ما عارضهم، وليس هناك ما منعهم أن يفعلوا ذلك، أن يتكلموا بها؟ هل هناك ما منعهم؟ بل أو أنهم عندهم سعة لهم أن يتكلموا؟ فقال: بل وسعهم. قال: فشيء وسع رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفاءه لا يسعك أنت؟ قال: فانقطع الرجل. فعنها أقل شيء، إذا قلت إن هؤلاء النبي عليه الصلاة والسلام والخلفاء علموا هذه البدعة وسكتوا عنها، فأنت أسكت مثل ما سكت هذا أولى لك. لِمَ تختبر الناس وتمتحن الناس وتقتل الناس؟ فعنها شيء عجيب جدًا حصل في هذه الفترة. طيب، لِمَ تلزمون الناس على قول مبتدع حتى ولو كان صحيحًا؟ لماذا هذا الاختبار والابتلاء والقتل والتعذيب؟ معناه يعذب أئمة معروفون بدينهم. معنى أقل شيء حتى يحترم الدين، لكن تجد أهل البدع وأهل الأهواء إذا صار -معناه إذا أشربت في قلوبهم البدع- فكأن الدين هذا، فكأن الدين هذا. ولهذا قيل لابن عيينة: رحمة الله عليك، ما في الإبانة والبدع؟ قيل له: ما لنا نرى أهل البدع يتجلدون لبدعهم، يحاربون ويحافظون على هذه البدع، وأيضًا ينشرونها ويدافعون عنها ويستميتون فيها؟ فقال: لم تسمع قول الله جل وعلا: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾. معنى أولئك لما عبدوا العجل تعلقت قلوبهم بالعجل، مع أنه كفر وشرك بالله، لكن اعتقدوا اعتقادًا جازمًا أن هذا إلههم، واشربت قلوبهم العجل بكفرهم بسبب كفرهم وشركهم. وهؤلاء أهل البدع كذلك تشربت البدع في قلوبهم حتى ظنوا أنه هو الدين فقط، ليس هناك دين غيره إلا هذه البدع. فلهذا قال: قال له: أفوسعهم أن لا يتكلموا به ولا يدعوا الناس إليه أم لم يسعهم؟ قال: بل وسعهم. قال: فشيء وسع رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفاءه لا يسعك أنت؟ فانقطع الرجل، أي لم يستطع أن يتكلم. فقال الخليفة -كان حاضرًا-: لا وسع الله على من لم يسعه ما وسعهم. الواثق ما كان مثل المأمون، المأمون أخذها دينًا، وأما الواثق أخذها اتباعًا لأخيه، اتبع المأمون فيها، وإلا في آخر حياته كان يتندم أنه قتل الناس وأنه ابتلى الناس بهذه البدعة. وقد ابتلاه الله عز وجل بمرض لا يستطيع أن يجلس ولا أن يقوم ولا حتى يتجوز من كثرة الألم. وهذا كله بسبب أنه تعدى أولياء الله عز وجل، فحتى أنهم يضعونه على النار لا يبرد حتى يضع نفسه على النار تحرقه النار ثم يبرد. يعني الله عز وجل جعله يتعذب بالنار، ومع أنه كما قلنا ليس مثل المأمون، المأمون كان عن اعتقاد، والواثق أخذها فقط كأنه يريد أن يمر ما كان عليه أخوه، لكن بعد ذلك كأنه تندم في آخر عمره، والله أعلم. وعندما جاء المتوكل لم يسر على طريقتهم، بل نصر السنة، وانزاحت هذه الفتنة عنها السنة، وأخرج الجهمية من عنده، بل وجعل الأمر لأبي عبد الله أحمد بن حنبل، أنه من أراده في القضاء أبقاه. فكان يرسل وزيره إسحاق إلى أبي عبد الله ويسأله عن هؤلاء القضاة، فمن عرفه وعرف أنه من أهل السنة أبقاه، لكن كان أكثرهم كانوا على مذهب جهم، فلهذا كان الإمام محمد يقول لهم: هؤلاء جهمية، وهؤلاء كذا. فأخرجهم المتوكل وأبدلهم بأهل السنة. قال: وهكذا من لم يسعه ما وسع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين لهم بإحسان. وهذه المناظرة ليست فقط في هذه البدعة، بل في كل بدعة انتشرت عند الناس ودعا إليها هؤلاء المبتدعة. يقال لهم: هل علمها رسول الله والخلفاء والصحابة؟ فإن لم يعلموها فكيف أنت علمتها وأنها من دين الله؟ أنا شيء من دين الله عز وجل لا يعلمه، أو لا فكيف الله عز وجل يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾. أن هناك نقص كمله هذا المبتدع، والعياذ بالله. فلهذا كما قال الإمام مالك: من ابتدع بدعة في دين الله فقد اتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه خان الرسالة. الذي يبتدع شيئًا في دين الله كأنه يتهم النبي صلى الله عليه وسلم أنه خان الرسالة، لم يؤديها كلها حتى أصبح هناك نقصًا فيكمل هؤلاء المبتدعة. نسأل الله عز وجل السلامة والعافية. فدين الله عز وجل كامل، فالله عز وجل لم يمت نبيه صلى الله عليه وسلم حتى أكمل هذا الدين وأتم النعمة على هذه الأمة. قال: وهكذا من لم يسعه ما وسع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين لهم بإحسان ولأمة من بعدهم، والراسخين في العلم من تلاوة آيات الصفات وقراءة أخبارها وإمرارها كما جاءت، فلا وسع الله عليه. فهذا شيء ذكره المؤلف كأنها مقدمة جعلها على هذا الكتاب. فنكتفي بهذا والله تعالى أعلم.