شرح كتاب التحف 4

الدرس في شرح كتاب التحف 4، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

رد الشوكاني على الجبائي ومقارنة حال أهل الأهواء بأهل السنة

ينقل الشيخ كلام الإمام الشوكاني في تكفير من يدعي علمه بما في نفس الله تعالى مستشهداً بقول أبي علي الجبائي، مبيناً شناعة هذا القول. ثم يقارن بين تناقض أهل الأهواء وتكفير بعضهم بعضاً، وبين احترام أهل السنة واختلافهم مع بقاء الألفة بينهم.

الأدلة على بطلان دعوى علم الغيب ومنهج السلف في الصفات

يستعرض المؤلف أدلة سمعية وعقلية لبطلان ادعاء علم ما يختص الله بعلمه، مبيناً أن آيات الإحاطة العلمية تنفي علم المخلوقين بذات الله وصفاته، وأن منهج السلف هو إمرار الصفات على ظاهرها دون تأويل أو تعطيل.

منهج أهل السنة في الأسماء والصفات والتحذير من علم الكلام والكتب المعاصرة

يؤكد المقطع على تمسك أهل السنة بظاهر النصوص الشرعية وعدم تجاوزها، محذراً من الاشتغال بعلم الكلام وكتب المفكرين المعاصرين لاحتوائها على الضلال، وموضحاً أن آية ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ هي القاعدة الجامعة لنفي التشبيه والتعطيل معاً، رداً صريحاً على أهل التمثيل الذين يشبهون الخالق بالمخلوق.

  • 11 جمادى الآخرة 1429هـ - 15/06/2008مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه. أما بعد: قال الإمام محمد بن علي الشوكاني رحمه الله رحمة واسعة: «ثم قابلهم المخالف لهم بنقيض قولهم، فافترى على عقله بأنه قد تعقل خلاف ما تعقله خصمه، وجعل ذلك أصلاً يرد إليه أدلة الكتاب والسنة، وجعل المتشابه عند أولئك محكماً عنده، والمخالف لدليل العقل عندهم موافقاً له عنده، فكان حاصل كلام هؤلاء أنهم يعلمون من صفات الله ما لا يعلمه، وكفاك هذا، وليس بعده شيء، وعنده يتعثر القلم حياءً من الله سبحانه وتعالى». وربما استبعد هذا مستبعد، مستنكره مستنكر، وقال: «إن في كلامي هذا مبالغة وتهويلاً وتشنيعاً وتطويلاً، وإن الأمر أيسر من أن يكون حاصله هذا الحاصل، وثمرته مثل هذه الثمرة التي أشرت إليها». فأقول: «خذ جملة البلوى ودع تفصيلها، واسمع ما يسك سمعك، ولولا هذا الإلحاح منك ما سمعته ولا جرى القلم بمثله». هذا أبو علي، وهو رأس من رؤوسهم، وركن من أركانهم، واستوانة من استواناتهم، قد حكى عنه الكبار، وآخر من حكى عنه ذلك صاحب شرح القلائد. المحققة عندكم؟ من هو صاحب القلائد هذا؟ اقرأه. قال: «اسم الكتاب: الدرر الفرائد شرح القلائد، للإمام المهدي أحمد بن يحيى بن المرتضى، الذي ولد بمدينة ضمار يوم الاثنين،مار لعله سابع شهر رجب سنة خمس وسبعين وسبعمائة للهجرة. قرأ علم العربية حتى برع فيها، ثم أخذ علم الكلام ونهل من علم الفقه، ودرس الكشاف، وتبحر في العلوم، واشتهر فضله وبعد صيته، وله مؤلفات عديدة. توفي في شهر القعدة سنة أربعين وثمانمائة للهجرة، وقبره بضفير حجة مشهور». نعم، تابعا: قال: «هذا أبو علي، وهو رأس من رؤوسهم، وركن من أركانهم، واستوانة من استواناتهم، قد حكى عنه الكبار، وآخر من حكى عنه ذلك صاحب شرح القلائد: والله لا يعلم الله من نفسه إلا ما يعلمه». فخذ هذا التصريح حيث لم تكتفِ بذلك التلويح، وانظر هذه الجراءة على الله سبحانه وتعالى التي ليس بعدها جراءة. فيا لأم أبي علي، الويل! أنهيق مثل هذا النهيق، ويدخل نفسه في هذا الضيق؟ أنهيق مثل هذا النهيق، ويدخل نفسه في هذا المضيق؟ وهل سمع السامعون بيمين أفجر من هذه اليمين الملعونة، أو نقل الناقلون كلمة تقارب معنى هذه الكلمة المفتونة، أو بلغ مفتخر إلى ما بلغ هذا المختال الفخور، أو وصل من يفجر في أيمانه إلى ما يقارب هذا الفجور؟ وكل عاقل يعلم أن أحدنا لو حلف أن ابنه أو أباه لا يعلم من نفسه إلا ما يعلمه هو، لكان كاذباً في يمينه، فاجراً فيها؛ لأن كل فرد من الناس ينطبع على صفات وغرائز لا يحب أن يطلع عليها غيره، ويكره أن يقف على شيء منها سواه. ومن ذا الذي يدري بما يجول في خاطر غيره ويستكن في ضميره؟ ومن المدعي المذلك أنه يعلم من غيره من بني آدم ما يعلمه ذلك الغير من نفسه، ولا يعلم ذلك الغير من نفسه إلا ما يعلمه هذا المدعى أو المدعي؟ فهو إما مصاب العقل، يهدي بما لا يدري ويتكلم بما لا يفهم، أو كاذب شديد الكذب، عظيم الافتراء؛ فإن هذا أمر لا يعلمه غير الله سبحانه، فهو الذي يحول بين المرء وقلبه، وما توسوس به نفسه، وما يسرون وما يعلنون وما يكتمون، كما أخبرنا بذلك في كتابه العزيز في غير موضع. هنا حسبك. الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فهذا الكلام الذي سمعناه من الشيخ محمد بن علي الشوكاني رحمه الله يمكن تلخيصه في أمور: الأمر الأول: اختلاف أهل الأهواء فيما بينهم، وحمل بعضهم على بعض، مع اتفاقهم على أن مرد الأمر إلى العقل عندهم، وأنه هو الذي يتبع وهو الإمام. وعلى سبيل المثال أقول: المرجئة تناقض الخوارج، والخوارج تناقض المرجئة، وكل واحدة تحمل على الأخرى وتُسفه أخذها. والقدرية تناقض الجبرية، والجبرية تناقض القدرية، والكل تحمل على الأخرى وتُسفه عقلها وتتهمه، وتزعم أن ما أوتيت من العقل أفضل مما أوتيته تلك. أما أهل السنة، فنسأل الله، ونسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يجعلنا وإياكم من خواص أهلها في الدنيا والآخرة. وإن اختلفوا فهم أهل حلم وفضل وعلم، وكل يوقر الآخر ويحترمه، لأن الجامع لهم السنة، الجامع لهم على الهدى كتاب ربهم وسنة نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم. حتى لو أن بعضهم شد على الآخر وأغلب له، لكن قلوبهم صافية، كما قال قائلهم: «يختلفون ويتزاورون». يختلفون ويتزاورون. وهاكم مثالاً: تارك الصلاة متهاوناً مع إقراره بوجوبها، أهل السنة فيه على قولين: أحدهما أنه يكفر، أنه كافر كالجاحد، والثاني أنه فاسق. ولم نعلم إماماً يقتدى به ويصدر عن قوله، ولم نعلم عالماً صاحب علم وحلم من الطائفتين حمل على الآخر أبداً. فالمفسقون لم يصفوا المكفرين بأنهم خوارج، والمكفرون لم يصفوا المفسقين بأنهم مرجئة. هكذا عرفناه عنهم، ولا عبرة بمن شذ وند، العبرة بعموم أهل القول في هذا. الأمر الثاني: رد الشيخ شبهة، أظنه قد مضى مثيلها، ملخصها أنه قد يتهم بالمبالغة فيما ينقله عن أهل الأهواء، وهذا لا نزال نسمعه إلى اليوم. فإن السذج والمغفلين من أهل السنة أحياناً تصدر كلمات تحمل في ثناياها الاتهام بالمبالغة، وهذا في الحقيقة يدل على أن من صدرت منه هذه المقولة جاهل، فلو أنه تبحر وترسخ في العلم ما قال هذه المقولة. وقد رأى رد الشيخ رحمه الله بنقل مقولة عن أبي علي، وأظنه يعني أبا علي الجبائي، واسمه محمد بن عبد الوهاب، وهو شيخ المعتزلة في زمانه، وهو الذي علم أبا الحسن الأشعري الاعتزال أول أمره، لأنه تربى في حجره، إذ كان الجبائي زوج أم علي بن إسماعيل، أبي الحسن الأشعري. هذه المقولة سمعتموها، مقولة كفرية، وهي من مقولات القدرية: أقسم الرجل أن الله لا يعلم من نفسه، يعني من نفس أبي علي، إلا ما يعلمه هو. وقد دلل المؤلف رحمه الله على بطلان هذه المقولة وأنها كفر، بدليلين: أحدهما من قبيل العقل، والآخر من قبيل السمع. أما الدليل السمعي: فهو ما جاء في التنزيل الكريم من إحاطة علم الله سبحانه وتعالى بما يخفيه العباد وما يعلنون، وما يظهرون وما يكتمونه. وهاكم آية واحدة فقط تدل على أن تلكم المقالة رد عن دين الله: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ﴾. ما توسوس به النفس هو معلوم لله عز وجل لا يخفى، والآيات في هذا الباب معلومات مشهورات، أظنها لا تخفى على صغار أهل السنة، الأطفال في الصفوف الأولى يعرفون هذه الآيات ويقرؤون ويحفظون. وأما الدليل العقلي: فإنه لو قال إنسان إنه يعلم من نفس ابنه -أقول- أو زوجته أو خادمه ما لا يعلمونه من أنفسهم، لكذبه السفه، هذا من عندي، أقول: لكذبه السفه، فضلاً عن العقل؛ لأن كل إنسان تهجس في نفسه هواجس، وتحدث لها خطرات، وتنتابها أفكار لا يعلمها إلا هو بنفسه، يعني من المخلوقين، لا يعلمها من المخلوقين سوى، وهذا باتفاق العقل، باتفاق العقل والفطنة. نعم، تابعا: قال: «فقد خاب وخسر من أثبت لنفسه من العلم ما لا يعلمه إلا الله من عباده، فما ظنك من جاوز هذا وتعداه، وأقسم بالله سبحانه أن الله لا يعلم من نفسه هو إلا ما يعلمه هو؟ ولا يصح لنا أن نحمله على اختلال العقل، فلو كان مجنوناً لم يكن رأساً يقتدي بقوله جماعات من أهل عصره ومن جاء بعده، وينقلون كلامه في الدفاتر، ويحكون عنه في مقامات الاختلاف. ولعل أتباع هذا ومن يقتدي بمذهبه لو قال لهم قائل وأورد عليهم مورد قول الله عز وجل: ﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا ﴾، وقوله: ﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ﴾، وقال لهم: هذا يرد ما قال صاحبكم، ويدل على أن يمينه هذه فاجرة مفتراة، لقالوا: هذا ونحوه مما يدل دلالته ويفيد مفاده من المتشابه الوارد على خلاف دليل العقل المزعوم بالأصول المقررة. وبالجملة، فإطالة ذيول الكلام في مثل هذا المقام إضاعة للأوقات، واشتغال بحكاية الخرافات، المبكيات للمضحكات». وليس مقصودنا هاهنا إلا إرشاد السائل إلى أن المذهب الحق في الصفات هو إمرارها على ظاهرها من غير تأويل ولا تحريف ولا تكلف ولا تعسف ولا جبر ولا تشبيه ولا تعطيل، وأن ذلك هو مذهب السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم. فإن قلت: ماذا تريد بالتعطيل في في هذه العبارات التي تكررها؟ فإن أهل الملاهب الإسلامية يتنزهون عن ذلك ويتحاشون عنه، ولا يصدق معناه، ولا يوجد محله إلا في طائفة من طوائف الكفار، وهم المنكرون للصانع. قلت: يا هذا، إن كنت ممن له إلمام بعلم الكلام الذي اصطلح عليه طوائف من أهل الإسلام، فإنه لا محالة قد رأيت ما يقوله كثير منهم ويذكرونه في مؤلفاتهم، ويحكونه عن أكابرهم: أن الله سبحانه وتعالى تنزه وتقدس، لا هو جسم، ولا جوهر، ولا عرض، ولا داخل في العالم، ولا خارجه. فأنشدك بالله، فأنشدك الله: أي عبارة تبلغ مبلغ هذه العبارة في النفي، وأي مبالغة في الدلالة على هذا النفي تقوم مقام هذه المبالغة؟ فكأن هؤلاء في فرارهم من شبهة التشبيه إلى هذا التعطيل، كما قال القائل: «فكنت كساعي إلى مثعب موئلاً * من سبل الرعدي أو كالمستجير من الرمضاء بالنار * والهارب من لسعة الزنبور إلى لدغة الحية ومن قرصة النملة إلى قضمة الأسد». وقد يغني هؤلاء وأمثالهم من المتكلمين المتكلفين كلمتان من كتاب الله تعالى وصف بهما نفسه وأنزلهما على رسوله، وهما: ﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا ﴾، و﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾. فإن هاتين الكلمتين قد اجتمعتا على فصل الخطاب، وتضمنتا بما يعين للألباب السالكين في تلك الشعاب. فالكلمة منها دلت دلالة بينة على أن كل ما تكلم به البشر في ذات الله وصفاته على وجه التدقيق ودعاوى التحقيق، فهو مشوب بشعبة من شعب الجهل، مخلوط بخلوط هي منافية للعلم ومباينة له؛ فإن الله سبحانه قد أخبرنا أنهم لا يحيطون به علماً، فمن زعم أن ذاته كذا أو صفته كذا، فلا شك أن صحة ذلك متوقفة على الإحاطة، وقد نفيت عن كل فرد من الأفراد علماً، فكل قول من أقوال المتكلمين صادر عن جهل، إما من كل وجه أو من بعض الوجوه، وما صدر عن جهل فهو مضاف إلى جهل، ولا سيما إذا كان في ذات الله وصفاته، فإن ذلك من المخاطرة في الدين ما لم يكن في غيره من المسائل، وهذا يعلمه كل ذي علم، ويعرفه كل عارف. ولم يحط بفائدة هذه الآية ويقف عندها ويقتطف من ثمراتها إلا الممرون الصفات على ظاهرها، المريحون أنفسهم من التكلفات والتعسفات والتأويلات والتحريفات، وهم السلف الصالح كما عرفت. فهم الذين اعترفوا بالإحاطة، وأوقفوا أنفسهم حيث أوقفهم الله، وقالوا: الله أعلم بكيفية ذاته وما هي صفاته، بل العلم كله له. وقالوا كما قال من قال ممن اشتغل بطلب هذا المحال فلم يظفر بغير القيل والقال: «العلم للرحمن جل جلاله * وسواه في جهلاته يتغمغم ما للتراب وللعلوم * وإنما يسعى ليعلم أنه لا يعلم». أستبقي لكم أمرين أو ثلاثة نستخلصها من قول المصنف رحمه الله، وبعضها قد سبق، وهو كتوكيد للسابق. فالذي قد سبق: أن أهل السنة وقافون حيث يوقفهم الله ورسوله، ولا يجاوزون ذلك. وهذا يذكرنا بوصايا السلف في التمسك بالسنة والأخذ بها. ومن تلكم المقولات العظيمة والنصائح الغالية: قول الإمام مالك رحمه الله: «السنة سفينة نوح، من ركبها نجا». وقال الشافعي رحمه الله: «أجمع المسلمون على أن من استبان له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فليس له أن يدعها لقول أحد من البشر». وقال ابن شوذب، عبد الله بن شوذب: «إن من نعمة الله على الأعجم والحدث إذا نسك -يعني استقام على الدين كما يقول العامة في عرف اليوم- قال القائل: ابن شوذب رحمه الله: إن من نعمة الله على الأعجم والحدث إذا نسك أن يواخي صاحب سنة فيحمله عليها». الأمر الثاني: ما السبب في وقوف أهل السنة على ظاهر النص، ولم يجاوزوه، ولم يجاوزوه إلى ما وراء ذلك؟ والجواب: أولاً، نهي الله إياهم عن ذلك، ومن نهي الرب جل وعلا عن هذا الذي استأثر الله به بعلمه، وهو ما وراء ظاهر النصوص، قوله تعالى: ﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا ﴾، وقوله: ﴿ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾، إلى غير ذلك من الآيات. فالعلم كله لله سبحانه وتعالى، ومن أنعم، ومن أنعم عليه بباب أو أبواب منه فهو فضله سبحانه وتعالى، يؤتيه من يشاء، يؤتيه من يشاء. فكان أهل السنة ولله الحمد، لاحقهم يرث عن سابقهم هذا الباب، ولا يجاوزون ما هو، ولا يجاوزون ظاهر النصوص، لأنه متقرر عندهم أن ما أراده الله منهم أنزله في كتابه أو جاء به نبيه صلى الله عليه وسلم. ولهذا فإنهم يسمون أهل السنة، ويسمون أهل السنة والجماعة. نعم، تابعا: قال: «بل اعترف كثير من هؤلاء المتكلفين بأنه لم يستفد من تكلفه وعدم قنوعه بما قنع به السلف، بما قنع به السلف الصالح، إلا مجرد الحيرة التي وجد عليها غيره من المتكلفين. فقال: لقد طفت في تلك المعاهد كلها، وصرعت طرفي بين تلك المعالم، فلم أرى إلا واضعاً كف حائر على ذقن، أو قارعاً عن سن نادم. وها أنا أخبرك عن نفسي وأوضح لك ما وقعت فيه في أمس، فإني في أيام الطلب وعنفوان الشباب شغلت بهذا العلم الذي سموه تارة علم الكلام، وتارة علم التوحيد، وتارة علم أصول الدين، وأكببت على مؤلفات الطوائف المختلفة منهم، ورمت الرجوع بفائدة والعودة بعائدة، فلم أظفر من ذلك بغير الخيبة والحيرة، وكان ذلك من الأسباب التي حببت إلي مذهب السلف، على أني كنت قبل ذلك عليه، ولكن أردت أن أزداد منه بصيرة وبه شغفاً». وقلت عند ذلك في تلك المذاهب: «وغاية ما حصلته من مباحثي ومن نظري من بعد طول التدبر هو الوقف ما بين الطريقين حيرة، فما علم من لم يلقَ غير التحيير، على أنني قد خضتُ منه غماره، وما قنعت نفسي بغير التبحر». وأما الكلمة وهي ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾، فلحظة. حسبك. وها هنا يدعو المصنف رحمه الله أهل الإسلام إلى التفقه في السنة، إلى التفقه في الكتاب الكريم، وفي سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ويحذرهم من الاشتغال بغير ذلك. فإن الدين دين الإسلام من الأدلة، والأدلة ذكرناها لكم فيما مضى، ولا يحتاج إلى إعادة. وما وراء، وما وراء الكتاب والسنة على فهم السلف الصالح، هو: إن لم يضر لم ينفع، إن لم يضر ويشغل ويضيع الوقت ويجلب الحيرة والوساوس، فإنه لا ينفع. فكتاب ربنا وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم فيهما الهدى والنور، لا في غيرهما. وقد دلل رحمه الله على هذا بدليلين: الأول: شعر بعضهم، فهو شهادة منهم على أنفسهم أن نهاية أمرهم في الاشتغال بالكلام الحيرة، ولهذا صرح بعضهم: «ها أنا ذا أموت على عقيدة العجائز»، وبعضهم يقول: «ها أنا ذا أموت على عقيدة أمي». الدليل الثاني: تجربة الشخصية منه رحمه الله، تجربة الشخصية وصل من خلال بحثه وسبره مؤلفات القوم أنه لا، أنه لا علم فيها، وأنه ليس فيها إلا المشغلة. فيا شباب الإسلام، من المسلمين والمسلمات: أكبوا على الفقه في دين الله، وعلى الفقه في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنهما لا من غيرهما، خذوا أحكام الله عز وجل، وإياكم والرأي. نعم، نحكم فهم السلف الصالح، ونراه تفسيراً لما أشكل علينا فهمه. وإياكم يا قلاب العلم وطالباته خاصة، ويا أيها المسلمون والمسلمات عامة، أن تنشغلوا بالكتب الفكرية، الكتب الفكرية، كتب المفكرين، مثل كتب سيد قطب، وكتب القرضاوي، وكتب الغزالي، فإنها ليس فيها من الفقه في دين الله شيء، وإن وجد فيها ما يوافق الكتاب والسنة فإنه مغمور بأضعاف مضاعفة من الباطل والضلال والزيغ والانحراف. أقول هذا والله، وبالله، وتالله، لا بمجرد العاطفة، وأني بين أهل السنة والحمد، من إخواني وأبنائي وأخواتي وبناتي هنا وفي سائر أرجاء اليمن، حرسها الله، وجمع أهلها، الحكام والمحكومين، والعلماء والقضاة والمفتين، على الإسلام والسنة، آمين، آمين، آمين. أقول عن خبرة وفهم: فمنذ نحو خمسة عشر سنة أو تزيد ونحن نصارع القوم، ولله الحمد، ونجول بالذهن من خلال مطالعاتنا لعبارات الضلال من هذه الكتب التي سميتها وما ماثلها، كما نتجول في كتب أهل السنة حتى يستبين الحق بدليله. نعم، قال: «وأما الكلمة وهي ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾، فبها يستفاد نفي المماثلة في كل شيء، فيدفع بهذه الآية في وجه المجسمة، وتعرف به الكلام عند وصفه سبحانه بالسميع البصير، وعند ذكر السمع والبصر واليد والاستواء ونحو ذلك مما اجتمل عليه الكتاب والسنة، فيقرر بذلك لتلك الصفات لا على وجه المماثلة والمشابهة للمخلوقات، فيدفع به جانبي الإفراط والتفريط، وهما: المبالغة في الإثبات المفضية إلى التجسيم، والمبالغة في النفي المفضية إلى التعطيل، فيخرج من بين الجانبين وغلو الطرفين حقية مذهب أهل السلف، مذهب السلف الصالح، وهو قولهم بإثبات ما أثبته لنفسه من الصفات على وجه لا يعلمه إلا هو، فإنه القائل: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾». انتهى، انتهى. الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. وهذه خاتمة جيدة لما قرأناه اليوم من كلام المصنف رحمه الله، ينضم إلى ما تضمنته هذه الرسالة النفيسة من درر غالية في بيان المعتقد الحق الذي سلكه أهل السنة في صفات الرب جل وعلا وأسمائه، وفي غير ذلك من قبل الإشارة. ولكن الشيخ رحمه الله هنا ركز القول أو شدد القول في الصفات، لأن مسألة السائل عن الأسماء والصفات. وهذه الآية: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾، فقوله: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ رد على أهل التمثيل، فالله ليس كمثله شيء في جميع نعوته وأفعاله وأسمائه وصفاته وحكمه في أمر