تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 84

تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 84

الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 84، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

دعاء الربانيين بالثبات وأثر الذنوب في الخذلان

يستعرض المقطع دعاء المؤمنين الصالحين بالاستغفار والثبات والنصر، مبيناً أن صبرهم وتوجههم إلى الله سبب لحسن الثواب. ويؤكد أن الذنوب والإسراف تقيد العبد وتعد من أعظم أسباب الخذلان في مواطن الشدة، بينما ترك المعاصي والاستغفار يجلب التأييد والنصر الإلهي.

أسباب الثبات المعنوية: الدعاء وأنواع الصبر وثواب المحسنين

يبيّن المقطع أن من أبرز أسباب الثبات سؤال الله تثبيت الأقدام والنصر، ويوضح تقسيم الصبر إلى ثلاثة أنواع: الصبر على الطاعة، والصبر عن المعصية، والصبر على أقدار الله المؤلمة. ويختم بأن الله يجازي المحسنين بثواب الدنيا من نصر وغنيمة، وحسن ثواب الآخرة من رضوان ونعيم مقيم.

خاتمة الجلسة والاستعانة بالله في العلم والعمل

يختتم المتحدث الجلسة مكتفياً بما تم طرحه من فوائد حول الثبات وأسبابه، مستعيناً بالله تعالى في أن ينفع بالعلم والعمل. ويختم بالتأكيد على ضرورة التوكل على الله وسؤاله التوفيق والسداد.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال الإمام سعد رحمه الله عند قوله جل وعلا: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ ﴾. وقبلها، وما كان قوله؟ قال العلامة سعد رحمه الله عند قول الله جل وعلا: ﴿ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾. قال رحمه الله: ثم ذكر قولهم واستنصارهم لربهم، فقالوا: ﴿ مَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾. أي: هؤلاء أهل الإيمان، هؤلاء الربانيون، وهؤلاء الصابرون؛ صبروا وثبتوا، وصبروا على ما أصابهم في سبيل الله، وما ضعفوا وما استكانوا، بل كانوا أهل ثبات. ولهذا وصفهم الله عز وجل بهذا الصبر، وأنه يحب الصابرين. وأيضًا من تمام قولهم - لأن العبد إذا كان بقول وعمل - كم وهم ثابتون بأقوالهم وأعمالهم التي هي ثبات القلب؛ لأنها تدل على ثبات القلب. فكانوا يقولون: ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين. فقولهم: ﴿ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا ﴾؛ لأجل أن الذنوب تخون العبد أحوج ما يكون إلى نصر الله، وإلى تأييد الله، فتخونه ذنوبه، فهو يحتاج إلى تأييد الله عز وجل في تلك المواقف الصعبة، المواطن الصعبة. فبسبب ذنوبه يهان، وكذلك أيضًا يتخلى عنه الرب جل وعلا، فتخونه ذنوبه. وكذلك الإسراف في الأمر، وهو مجاوزة الحد إلى ما حرم. علموا أن الذنوب والإسراف من أعظم أسباب الخذلان، وأن التخلي منها من أسباب النصر. الإنسان إذا تخلى عن الذنوب فإنها من أسباب النصر، ومن أسباب الارتباط بالله. ولهذا لما قيل للحسن، قال بعضهم للحسن: إنا لنصلي ونريد أن نقوم الليل فلا نستطيع. فقال: «قيدتكم ذنوبكم، تعصونه بالنهار، فكيف يقيمكم بالليل؟ كيف يقيمكم عنده بالليل وأنتم تعصونه بالنهار؟». فلهذا، كما ذكرنا قبل، أن تلك المرأة أو الأمة التي اشتراها بعض العرب في زمن بني أمية، اشترى امرأة جارية، وكانت كثيرة العبادة، تقوم الليل، وكانت توقظ سيدها ليصلي، فكان لا يقوم، ويقول: إنما هي جثة هامدة، ما أقوم حتى يؤذن الفجر. فمرة كانت تصلي فسمعها تقول: يا رب، بحبك إياي فاغفر لي، وكذا. فقال: يا جارية، وما أعلمك أن الله يحبك؟ ما الذي أعلمك أن الله يحبك يحبك؟ فقالت: لو لم يحبني ما أقامني وأنامك، لولا أنه يحبني ما أقامني وأنامك. فلهذا، فالارتباط بالله عز وجل هو بالتخلي عن الذنوب. إنسان يتخلص عن هذه الذنوب التي تقيده، فهذا تقيده في أصعب المواضع. ومن هذه المواضع العظيمة: الجهاد في سبيل الله، ومواجهة الكفار؛ فإن للمعصية دورًا في ذلك الأمر. وكذلك في الفتن والبلايا، الذنوب أيضًا تخذل، حتى في الفتن تخذلك في الفتن المدلهمة، فتبقى بسبب ذنوبك ما يوفقك الله. فلهذا الواجب على المسلم أنه يتقي الله عز وجل حيثما كان. قال المؤلف رحمه الله: علموا أن الذنوب والإسراف من أعظم أسباب الخذلان، وأن التخلي منها من أسباب النصر، فسألوا ربهم مغفرتها. ثم إنهم لم يتكلوا على ما بذلوا جهدهم به من الصبر، بل اعتمدوا على الله عز وجل، وسألوه أن يثبت أقدامهم عند ملاقات الأعداء والكافرين. لأن التثبيت في ذلك المكان أيضًا له أهمية عظيمة. الله عز وجل يقول: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ ﴾. وقال أيضًا: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا ﴾. فأمرهم بالثبات، وأمرهم بذكر الله جل وعلا. وهم الآن يسألون هذا الثبات من الله، لأن العبد يحتاج إلى الإعانة من الله جل وعلا في كل أموره، فهو يبذل الجهد، ويطرق الأسباب، لكن التوفيق من الله جل وعلا. فإذا كان العبد لا يبذل الأسباب ولا يتخذها، ويريد هذه الأفعال - مثلاً الثبات وغيره - وهو ليس عنده تلك الأسباب، لا الأسباب الحسية ولا المعنوية، فكيف يثبته الله عز وجل؟ فلذا من الأسباب المعنوية: سؤال الله عز وجل الثبات. سألوه أن يثبت أقدامهم عند ملاقات الأعداء الكافرين، وأن ينصرهم عليهم. فجمعوا بين الصبر، وترك ضده، أي: الخذلان، وكذلك عدم الصبر. وإما أن يكون هذا عدم الصبر من ضجر، وإما أن يكون من خور وجبن، وإما أن يكون من جزع، فكل بحسبه ذلك المكان الذي هو فيه. فالصبر أنواع، وهو يجتمع في ثلاثة أنواع: الصبر على الطاعة، والصبر عن المعصية، والصبر على أقدار الله عز وجل المؤلمة. فالصبر على الطاعة في كل طاعة له موقف. فالصبر في الجهاد: ثبات. والصبر عند الصلاة أيضًا: الدوام في هذه الطاعة، وكذلك القرب إلى الله جل وعلا فيها، والارتباط بالله سبحانه وتعالى. وهكذا، فكله يعتبر صبرًا وثباتًا من الله جل وعلا. قال: والتوبة والاستغفار والاستنصار بربهم، لا جرم أن الله نصرهم، وجعل لهم العاقبة في الدنيا والآخرة. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿ فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾. فآتاهم الله ثواب الدنيا: من النصر والظفر والغنيمة، هذا ثواب الدنيا. وحسن ثواب الآخرة: وهو الفوز برضى ربهم والنعيم المقيم. ليس فقط بالثواب، بل بحسنه، بأعظم شيء فيه، وهو الفوز برضى ربهم جل وعلا، كما جاء في الحديث: «يقول الله عز وجل: يا أهل الجنة، هلم، أدخلكم الجنة، هلم، أبيض وجوهكم». ثم قال: «يقول: يا أهل الجنة، ماذا تريدون؟ فيقولون: ألم تدخلنا الجنة؟ ألم تبيض وجوهنا؟ فيقول رب عز وجل: فإني أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعدها أبدًا». ورضوان من الله أكبر. هذا أعظم وأعظم ما في الجنة: رؤيته سبحانه وتعالى. قال: وهو الفوز برضا ربهم والنعيم المقيم، الذي قد سلم من جميع المنغصات. وما ذاك إلا أنهم أحسنوا الأعمال، فجازاهم بأحسن الجزاء. فلذا قال: ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾: في عبادة الخالق، ومعاملة الخلق. لأن الإحسان للخالق وللمخلوق: إحسان الخالق في عبادته جل وعلا. ومن الإحسان: أن يفعل عند جهاد الأعداء كفعل هؤلاء المؤمنين. هذا إحسان: يقاتلون، ويطلبون النصر من الله جل وعلا، ويصبرون على ما أصابهم. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.