الدرس في شرح كتاب الطهارة من عمدة الأحكام 12، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يؤكد المتحدث على مكانة الصحابة وعدالتهم في نقل الوحي محذرًا من الطعن فيهم، ثم يعرّف بمؤلف العمدة عبد الغني المقدسي ويشرع في شرح حديث عائشة عن حب النبي صلى الله عليه وسلم للتيمن في أموره كلها. يستدل بقول الصنعاني أن محبة الله ورسوله للتيمن تدل على مشروعيته بين الوجوب والندب.
يستعرض المقطع سنة التيمن في لبس النعال وترجيل الشعر والوضوء مستدلاً بأحاديث نبوية وإجماع العلماء على استحبابه دون وجوبه عند الجمهور. يذكر خلاف الشيعة وابن حزم في الوجوب ويوضح حديث نعيم المجمر عن غرر المحجلين يوم القيامة.
يشرح المقطع حديث أبي هريرة عن الغرة والتحجيل يوم القيامة ويناقش خلاف العلماء في صحة زيادة "فليطيل غرته وتحجيله" وهل هي مرفوعة أم موقوفة. يستعرض أقوال الفقهاء في جواز الزيادة على المرفقين والكعبين مرجحاً أن الغرة والتحجيل خاصية لهذه الأمة.
يُبيّن المتحدث أن النبي صلى الله عليه وسلم يعرف أمته يوم القيامة بآثار الوضوء متميزة عن غيرهم. يختم الدرس بالصلاة على النبي والحمد لله رب العالمين.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه، وسراجًا منيرًا، وعلى آله. أما بعدُ: فمرّ معنا في الدرس الماضي الكلام حول حديث عبد الله بن زيد بن عاصم الأنصاري في صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعبد الله بن زيد بن عاصم المازني الأنصاري وصف لنا ونقل لنا وضوء النبي صلى الله عليه وسلم كما فعل عثمان بن عفان. وهذا يا إخوان يدل على فضل الصحابة؛ إذ أنهم نقلوا إلينا القرآن، ونقلوا إلينا السنة، نقلوا إلينا هذا الدين، فهم أمناء، هم عدول، رضي الله تعالى عنهم. ولهذا لا يجوز الطعن في هؤلاء العدول، وفي هؤلاء النقلة لهذا الدين، والأمناء على هذا الوحي. ومن أراد أن يطعن في الإسلام فماذا يفعل؟ يطعن في الصحابة، يطعن في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، كما فعل بعض أهل البدع حين طعنوا في أبي هريرة مثلًا؛ لماذا؟ يروي أحاديث تهدم بدعهم وتخالف بدعهم. وهكذا فعلوا مع عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما. عابد الصحابة تكلم فيه المعتزلة؛ لماذا؟ روى أحاديث تخالف بدعهم ومعتقداتهم الفاسدة. وهكذا يفعل الروافض؛ الروافض عندهم عشوائية في الطعن في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، يكفرون الصحابة، ويلعنون الصحابة، ويسبون الصحابة، ويتكلمون في الصحابة، لا يستثنون أحدًا إلا عددًا يسيرًا كعلي وفاطمة والحسن والحسين والمقداد وأبي ذر، وقليل جدًا يستثنونهم. أما أبو بكر فقالوا كافر، وعمر كافر، وعثمان كافر، وهكذا غيرهم من السابقين الأولين والمبشرين بالجنة. فحين أن نذكر الأحاديث يا إخوان ينبغي أن نستشعر فضل الصحابة ومكانة الصحابة، وأن الطعن في الصحابة طعن في ماذا؟ طعن في الدين، طعن في الدين. وكما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن هذا خالف فيه هؤلاء الأمم السابقة؛ لو قيل لليهود: من خياركم؟ من خياركم؟ لقالوا: أصحاب موسى. ولو قيل للنصارى: من خياركم؟ لقالوا: أصحاب عيسى. لكن هؤلاء كالروافض وغيرهم إذا قيل لهم: من شراركم؟ لقالوا: أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، هم شرارنا. فينبغي يا إخوان أن نظهر فضل الصحابة وما قدموه للأمة من علم نافع، وهكذا أيضًا من معتقد صافٍ وتوحيد خالص واتباع صحيح للنبي صلى الله عليه وسلم، وغيرها من المجالات الأخرى. قال المصنف رحمه الله تعالى: ما اسمه؟ صاحب العمدة، هذا ما اسمه؟ نعم، أعد: عبد الواحد بن مغني... لا، هناك فيه تقديم وتأخير وخلط، نحتاج من يعدل... لأبي العباس... نعم يا محمد، أحسنت: عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي، أبو محمد المقدسي. نصبه إلى ماذا؟ نعم، أحسنت: إلى بيت المقدس. وينسب إلى بيت المقدس جماعة يا إخوان من الأئمة الأعلام، وهذا غير الإمام ابن قدامة المقدسي صاحب كتاب المغني، هذا غيره. قال رحمه الله تعالى: قال عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله، وفي شأنه كله. أما عائشة أم المؤمنين فقد سبق معنا الحديث حول شيء من ترجمتها، من ترجمتها عند أي حديث تكلمنا حول عائشة؟ يا أبا الفاروق، أحسنت: عند حديث "ويل للأعقاب من النار". وذكرنا أن هذا الحديث جاء عن ثلاث من الصحابة، جاء عن ثلاث من الصحابة: حبيب معنا "ويل للأعقاب من النار"، عم عائشة، وحافظ الصحابة، وعابد الصحابة. اثنان: أحدهم يقال له حافظ الصحابة، والثاني عابد الصحابة، وعائشة أم المؤمنين الثالثة. نعم يا خان: يوسف، أبو هريرة حافظ الصحابة. ومن عابد الصحابة الثالث؟ نعم، هو عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه. لما تكلم الزمخشري المعتزلي صاحب تفسير الكشاف - وفيه معتزليات دقيقة جدًا قل أن يتنبه لها الكثير من الناس - تكلم الزمخشري على عبد الله بن عمرو بن العاص، فرد عليه العلماء، ومنهم العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى، قال له: "إلى أين يا محمود برجلك العرجاء وعينك العوراء تريد أن تتناول نجوم السماء، تريد أن تتناول نجوم السماء". فرد الشوكاني على ذلكم المعتزلي الزمخشري. وحديث عائشة ها هنا: أولًا يا إخوان فيه فضيلة أمهات المؤمنين عامة، أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وعائشة على وجه الخصوص؛ حيث أنهن نقلن للأمة من أفعال النبي صلى الله عليه وسلم ما لا يطلع عليه إلا أزواجه في بيته عليه الصلاة والسلام، فقد نقلن إلى الأمة علمًا كثيرًا نافعًا. ومن ذلكم ما في هذا الحديث: قول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه التيمن". أي: كان يحب التيمن. وما هو المقصود بالتيمن؟ نعم: البدء باليمين قبل الشمال. وهذا يكون في كل ما له يعني جزآن: كاليدين والرجلين بالنسبة للوضوء، وهكذا أيضًا مثلًا الرأس يمين وشمال عند الترجل، وهكذا أيضًا في لبس النعال وغيرها كما سيأتي. قال: قال العلامة الصنعاني اليماني رحمه الله تعالى: "كل فعل يحبه الله أو رسوله صلى الله عليه وسلم فهو يدل على مشروعيته المشتركة بين الإيجاب والندب". أي: ما كان مشتركًا فقد يكون ذلك المشروع واجبًا، أو قد يكون مستحبًا. قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه التيمن في تنعله"، أي: في لبس النعال، يبدأ باليمين ثم الشمال، ثم الشمال. وبوّب الإمام البخاري رحمه الله تعالى على هذا الحديث في صحيحه في كتاب اللباس، منه قال: "باب يبدأ بالنعل اليمنى". هذا اليوم من الأمور يا إخوان التي لربما لا يهتم بها البعض؛ البخاري يقول: "باب"، أو "باب يبدأ بالنعل اليمنى". قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى معلقًا ومعقبًا: "وما جاء في الانتعال باليمين"، وما جاء في الانتعال باليمين، نقل القاضي عياض الإجماع على استحبابه، الإجماع على استحبابه. وقال ابن عبد البر: "من بدأ بالانتعال باليسرى أساء لمخالفته السنة، ولكن لا يحرم عليه"، ليس حرامًا لكن خالف ماذا؟ خالف السنة. وقال غيره: ينبغي له أن ينزع النعل من اليسرى ثم يلبس اليسرى، يعني إذا بدأ باليسار يعيد فيلبس اليمين ثم يلبس اليسار. قال: "ويعجبه التيمن في تنعله وترجله". ما المقصود بالترجل عندك؟ نعم، أنت... آه، ما المقصود بالترجل؟ أراك تنظر إلى شيء فلا أدري إلى ماذا تنظر. ما هو الترجل؟ ما هو الترجل؟ نعم، عندك... نعم: تسريح الشعر. الترجل هو عبارة عن تسريح شعر الرأس، وهكذا اللحية بالمشط، بالمشط. وكان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يترجل، أي يسرح شعره، لكن لا كما يفعل الكثير من الناس اليوم؛ فكان ترجله غبًا. كيف غبًا؟ يعني أحيانًا يوم بيوم، أو مثلًا في اليوم مرة واحدة، ليس كما يفعل البعض اليوم: عامل له مشط في جيبه، بعد ربع ساعة قام يمشط ويسرح. هذا يا إخوان لا يليق بالرجولة؛ الرجل من طبيعته الخشونة، من طبيعته الخشونة، وأما التنعم فهذا... هذا أقرب ما يكون إلى حال النساء، إلى حال النساء. وقد ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى قال: "وفي الحديث استحباب البداءة بشق الرأس الأيمن في الترجيل والغسل والحلق، والحلق، ولا يقال إنه من باب الإزالة، بل هو من باب العبادة". وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر الحلاق بمنى، أي في الحج، بمنى، فأخذ شق رأسه الأيمن ثم الأيسر، وهذا كما جاء في حديث أنس المتفق عليه، المتفق عليه. إذن الترجل يبدأ بالجانب الأيمن ثم الجانب الأيسر، ثم الجانب الأيسر. قال: "وطهوره وفي شأنه كله". وقوله: "وطهوره"، أي: عند الوضوء وعند الاغتسال يبدأ بالأيمن ثم الأيسر. وقد نقل غير واحد من أهل العلم الإجماع على استحباب التيمن، وأنه من باب الأفضلية لا الوجوب، ليس واجبًا. وممن نقل استحباب ذلك الإمام ابن المنذر رحمه الله تعالى كما في كتابه "الأوسط"، حيث قال: "وأجمع العلماء على تقديم اليمنى على اليسرى في اليدين والرجلين، وأنه سنة في الوضوء، ولو خالف فاته الفضل وصح وضوءه". قال: "فاته الفضل وصح وضوءه". وقالت الشيعة: هو واجب. قال: "ولا اعتداد بخلاف الشيعة". ابن المنذر يقول: خالفت الشيعة، قالوا: واجب البدء باليمين، ولا يعتد بخلاف الشيعة. وجاء الخلاف كذلك أيضًا عن الإمام أبي محمد بن حزم رحمه الله تعالى، فذهب إلى وجوب، وجوب البدء باليمين، واستدل على ذلك بحديث أبي هريرة في قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا توضأتم فابدأوا بأيمانكم". وهذا الحديث صححه الإمام الألباني رحمه الله، وهو في "الصحيح المسند" لشيخنا الإمام الوادعي رحمه الله تعالى. لكن الأمر هنا هو للندب والإرشاد، ليس للوجوب. قال: "وفي شأنه كله، وفي شأنه كله". وهذا يعتبر قاعدة للمسلم أنه ماذا؟ أنه يتيامن فيما يتعلق بأموره العامة. قال رحمه الله تعالى: قال عن نعيم المجمر، وهكذا أيضًا بالتخفيف: المجمر، كلاهما منقول في ترجمة نعيم. قال: عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن أمتي يدعون يوم القيامة غُرًّا محجلين من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل، أن يطيل غرته فليفعل". قال: وفي لفظ: "رأيت أبا هريرة توضأ فغسل وجهه ويديه حتى كاد يبلغ المنكبين، ثم غسل رجليه حتى رفع إلى الساقين، ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن أمتي يدعون يوم القيامة غُرًّا محجلين من آثار الوضوء، من آثار الوضوء". وسبق معنا التفريق بين الوضوء بالضم والوضوء بفتح الواو، فما هو الفرق بينهما يا أبا عبد الله؟ ما حضرت؟ طيب، أبو طاهر معنا: الوضوء بضم الواو: الفعل، بضم الواو، والوضوء بفتح الواو: الماء. وهنا قال: "من آثار الوضوء"، أي: أفعال الوضوء، ويصلح أيضًا أن يكون بالفتح: أي من آثار الماء الذي يتوضأ به. قال: "فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل". قال: وفي لفظ لمسلم: "سمعت خليلي صلى الله عليه وسلم يقول: تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء". وهذا الحديث حديث نعيم المجمر أو المجمر، هو نعيم بن عبد الله، وقيل: نعيم بن محمد، أبو عبد الله القرشي المدني، أو المدني القرشي العدوي، مولى عمر رضي الله تعالى عنه، وهو تابعي ثقة، سمع من ابن عمر، وسمع من أنس، وجالس أبا هريرة قرابة عشرين سنة. وقيل: كان يجمر المسجد، كان يجمر المسجد. ما معنى يجمر المسجد عندك؟ ما معنى يجمر المسجد؟ ما معنى يجمر المسجد؟ نعم، يجمر... هناك على الطاولة مطروحة... يجمر أي... من عندنا يجمر حماس أو من... نعم: يبخر المسجد، يبخر المسجد. وقيل أن المجمر ليس نعيم وإنما هو أبوه عبد الله، قيل: كان يأخذ المجمر أمام عمر بن الخطاب إذا خرج إلى الصلاة في رمضان، إذا خرج إلى الصلاة في رمضان. ولهذا ذكر الإمام النووي رحمه الله قال: "والمجمر صفة لعبد الله، ويطلق على ابنه نعيم مجازًا، ويطلق على ابنه نعيم مجازًا". وقول أبي هريرة رضي الله تعالى ها هنا عن النبي صلى الله عليه وسلم: "قال: إن أمتي"، والمقصود بهم أمة الإجابة الذين استجابوا للنبي صلى الله عليه وسلم. قال: "يدعون"، وهذا النداء نداء تشريف وتكريم لهم، تشريف وتكريم لهم. قال: "يوم القيامة غُرًّا محجلين من آثار الوضوء". وقوله: "غُرًّا"، جمع "أغر"، وأصلها: لمعة أو بياض تكون في جبهة الفرس، في جبهة الفرس، فأطلقت على نور وجوههم. وقوله: "محجلين"، من التحجيل، وهو بياض يكون في قوائم الفرس، بياض يكون في قوائم الفرس، والمراد به هنا: النور الكائن في هذه الأعضاء يوم القيامة، تشبيهًا بتحجيل الفرس، بتحجيل الفرس. قال: "غُرًّا محجلين من آثار الوضوء". وقوله: "من آثار الوضوء" هنا بيان لعلة وسبب هذه الغرة وهذا التحجيل الذي ناله هؤلاء المؤمنين، هؤلاء المؤمنون... نعم، ناله هؤلاء المؤمنون أنه بسبب ماذا؟ الوضوء. قال: قال: "فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل". وفي الصحيحين: "أن يطيل غرته وتحجيله فليفعل". إلا أن العلماء اختلفوا في صحة هذه اللفظة: هل هي من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، أم أنها مدرجة من كلام أبي هريرة رضي الله عنه؟ جاء في مسند الإمام أحمد أن نعيمًا قال في آخر الحديث: "لا أدري قوله: فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل، من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم أو من قول أبي هريرة". ولهذا نقل ابن القيم رحمه الله عن شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كما في كتابه "إعلام الموقعين": قال ابن تيمية: "هذه اللفظة لا يمكن أن تكون من كلامه صلى الله عليه وسلم"، قال: "فإن الغرة لا تكون في اليد"، أي: حتى يطيلها الإنسان، لا تكون في اليد، لا تكون إلا في الوجه، وإطالتها غير ممكنة إذ تدخل في الرأس، فلا تسمى تلك غرة، فلا تسمى تلك غرة. وهكذا الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في "فتح الباري" علق على هذه الرواية قائلًا: "لم أر هذه اللفظة في رواية أحد ممن رووا الحديث، وهم عشرة من الصحابة، ولا من رواها عن أبي هريرة غير رواية نعيم هذه". وممكن يراجع كلام العلامة الألباني رحمه الله تعالى في كتابه "تمام المنة في التعليق على فقه السنة". وبناء على ذلك اختلف العلماء في إطالة التحجيل، في إطالة الغرة والتحجيل. فكما مر معنا: ذهب داود والطبري، ونقل عن بعض أصحاب مالك وزفر، أنهم يقولون: أن المرفقين والكعبين لا يدخلان في الغسل، لأن "إلى" عندهم تفيد الغاية، فإذا ماذا؟ غاية الغسل إلى المرفق، وهكذا أيضًا إلى الكعب. ومر معنا أن هذا غير صحيح، وإنما قوله: "إلى المرافق" و"إلى الكعبين"، أي: مع المرافق ومع الكعبين. وذهب الكثير من أهل العلم وهم الجمهور إلى استحباب ذلك، عملا بماذا؟ بهذا الحديث، على اختلاف فيما بينهم في قدر هذا المستحب، في قدر هذا المستحب. وقد مر معنا حديث أبي هريرة أيضًا في صحيح مسلم: قال: "رأيت النبي صلى الله عليه وسلم غسل يديه حتى شرع، أي: بدأ في العضد، وغسل رجليه حتى شرع في الساق، أي: حتى بدأ". أما ما ينقل عن أبي هريرة أنه كان يغسل يديه إلى الإبط، فهذا غير صحيح. ولهذا جاء أن أبا هريرة كان يستخفي بذلك، لا يفعله أمام الآخرين، أمام الآخرين. ولما رآه أحد التابعين، أظنه أبا حازم أو غيره، قال: "ما هذا يا أبا هريرة؟" فأنكر أبو هريرة وجود من يراه يفعل ذلك، من يراه يفعل ذلك. ومن أهل العلم من ذهب إلى أنه يغسل موضع الفرض: المرفق، ولا يزاد عليه، لأن الله تعالى يقول: "إلى المرافق"، وهكذا الرجلين: "إلى الكعبين"، ولا يزاد على ذلك لأن الله تعالى يقول: "إلى الكعبين"، إلى الكعبين. وهذا هو الأقرب والله تعالى أعلم. وتتمة الحديث: يعني قوله هنا: "رأيت أبا هريرة توضأ فغسل وجهه ويديه حتى كاد يبلغ المنكبين"، هذا اجتهاد منه، وليس إلى النبي صلى الله عليه وسلم. قال: "ثم غسل رجليه حتى رفع إلى الساقين"، وهذا اجتهاد منه. قال: "ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول"، ثم ذكر الحديث. قال: وفي لفظ لمسلم: "سمعت خليلي صلى الله عليه وسلم يقول: تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء". وهذا فيه ماذا؟ فضيلة لهذه الأمة، حيث إن الله عز وجل خصها بهذا الفضل. واختلف العلماء: هل الوضوء من خصائص هذه الأمة، أو أن الغرة والتحجيل هي من خصائص هذه الأمة؟ والذي عليه جماعة من المحققين، واختاره الحافظ ابن حجر والعلامة الصنعاني: أن الوضوء ليس من خصائص هذه الأمة، وإنما هو موجود في الأمم قبلها، لكن الغرة والتحجيل هي من خصائص هذه الأمة، لقوله عليه الصلاة والسلام: "إن أمتي يدعون يوم القيامة غُرًّا محجلين من أثر الوضوء". ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم يعرف أمته من بين سائر الأمم بهذه الآثار التي سببها الوضوء، التي سببها الوضوء. طيب، نكتفي بهذا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.