الدرس في التعليق على آداب المعلمين والمتعلمين للسعدي 9، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يبيّن هذا المحور عظمة حق المعلم على المتعلم لبقاء نفع التعليم في الدنيا والآخرة وتفضيله على نفع الوالدين والهدايا المادية. ويؤكد الواجب في توقير المعلم وحسن الأدب معه مستشهداً بحديث النبي صلى الله عليه وسلم في مكافأة المعروف.
يشدد هذا المحور على آداب المتعلم مع معلمه من إظهار الحاجة إلى علمه والدعاء له وعدم إظهار المعرفة المسبقة. ويستشهد بأثر السلف في الإنصات للمحدث وكأنهم يسمعونه لأول مرة لتحصيل الفائدة الكاملة.
يسلط هذا المحور الضوء على تواضع العلماء وإصغاءهم للمتعلمين رغم سبقهم بالعلم مستشهداً بإمام الطحاوي والربيع بن سليمان مع الشافعي. ويختم بالتحذير من خوارم المروءة وسوء الأدب في مجالس العلم داعياً إلى التخلق بآداب التلقي.
يختتم المتحدث بدعاء يسأل الله فيه أن يجعلهم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ويرزقهم الأدب والخلق والعلم والعمل. ويختم بالصلاة على النبي محمد والحمد لله رب العالمين.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: قال العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى في رسالته «آداب المعلمين والمتعلمين»: «قال: وأما حقه الخاص»؛ أي حق المعلم الخاص الذي يتعلق بالمتعلمين. قال: «وأما حقه الخاص على المتعلم: فلما بذله من تعليمه والحرص على ما يرشده ويوصله إلى أعلى الدرجات، فليس نفع الآباء والأمهات نظيرًا لنفع المعلمين والمربين للناس، بصغار العلم قبل كباره، البادلين نفائس أوقاتهم وصفوة أفكارهم في تفهيم المسترشدين بكل طريق ووسيلة يقدرون عليها». وهذا يا إخوان، إن دل على شيء، دل على عظيم النفع الذي يسديه المعلمون إلى المتعلمين. فما أعظم أثرهم على الناس عامة، وعلى المتعلمين على وجه الخصوص، على وجه الخصوص. قال رحمه الله تعالى: «قال: وإذا كان من أحسن إلى الإنسان بهدية مالية ينتفع بها ثم تذهب وتزول، له حق كبير على المحسن إليه، فما الظن بهدايا العلم النافع الكثيرة المتنوعة، الباقي نفعها ما دام العبد حيًا وبعد مماته، المتسلسل بحسب حال تلك الهدايا؟ فحينئذٍ يعرف حقه، حينئذٍ يعرف حقه، ويوقره، ويحسن الأدب معه، ويحسن الأدب معه». والنبي صلى الله عليه وسلم كان يقول، كما في حديث ابن عمر: «ومن صنع إليكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئوه -أو ما تكافئونه- فادعوا الله حتى تروا أنكم قد كافأتموه». هذا في باب -لربما في باب من أبواب الدنيا- ساعدك بمبلغ من المال، أو حملك معه على دراجة، على سيارة، أو غيرها من أبواب النفع الدنيوي. فما ظنك وما بالك إذا كان النفع يتعلق بأمر من أمور الدين؟ وهكذا يعود نفعه -آه ماذا- إلى الأمور الأخروية، فهذا أعظم وأجل. قال رحمه الله تعالى: «قال: ولا يخرج عن إشارته وإرشاده، وليجلس بين يديه متأدبًا، ويظهر غاية حاجته إلى علمه، ويظهر غاية حاجته إلى علمه. قال: ويدعو له حاضرًا وغائبًا». ويدعو له؛ أي لمن يعلمه، سواء كان حاضرًا موجودًا أو كان غائبًا. «قال: وإذا أتحفه بفائدة وتوضيح لعلم، فلا يظهر له أنه قد عرفه قبل ذلك، وإن كان عارفًا له». وما أجمل هذا الأدب يا إخوان! وإن كنا قد نفتقده في أحيان كثيرة. قد يأتي المعلم بفائدة قد مرت على المتعلم، فما يصبر بعض المتعلمين، يقول: «نعم، نعم، أنا قد قرأت هذه الفائدة». هذا ليس من الأدب، هذا ليس من الأدب. وإنما الأدب هو أن الشخص يظهر للمعلم أنه استفاد هذه الفائدة. عطف رحمه الله تعالى يقول: «إن الرجل ليحدثني بالحديث، قال: فأصغي إليه وكأني لم أسمعه -يعني إلا هذه الساعة-، قال: وأنا قد سمعته من قبل أن يولد»؛ يعني سمع الحديث قبل أن يولد هذا المتحدث، هذا المتحدث. ومع هذا كان ماذا؟ يظهر للمتحدث أنه استفاد هذه الفائدة منه. ورحم الله شيخنا عبد الرحمن العدني، كان يا إخوان عجيبًا في هذا الباب. ومن جالسه وتحدث معه يرى عجبًا عجابًا، أدبًا عظيمًا جمًّا. فلما يأتي بعض طلاب العلم فيتحدث مع الشيخ، الشيخ -ما شاء الله- يظهر الانبساط: «نعم، ما شاء الله، هذه فائدة طيبة». والشيخ لربما قد مرت عليه هذه الفوائد قبل عقود من الزمان، قبل عقود من الزمان. قال: «بل يصغي إليه إصغاء المتطلب بشدة إلى الفائدة». هذا فيما يعرفه، هذا فيما يعرفه. قال: «فكيف بما لا يعرفه؟». ولهذا كان هذا الأدب مستحسنًا مع كل أحد في العلوم والمخاطبات، في العلوم والمخاطبات، في الأمور الدينية والدنيوية. ويا إخوان، كم اهتم العلماء ببيان ما يتعلق بأدب المتعلم مع العالم، حتى أنهم ذكروا ذلك في أبواب الاعتقاد وكتب الاعتقاد، كما فعل الإمام أبو جعفر الطحاوي رحمه الله تعالى. قال في عقيدته: «علماء السلف السابقين والتابعين ومن بعدهم، أهل الخير والأثر، وأهل الفقه والنظر، لا يذكرون إلا بالجميل، لا يذكرون إلا بالجميل». وذكر رحمه الله تعالى أن من ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل. الإمام الربيع بن سليمان رحمه الله تعالى، أحد خواص وكبار تلاميذ الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، يقول: «والله ما اجترأتُ -أي ما تجرأت- أن أشرب الماء والشافعي ينظر إلي»، هيبة له، الشافعي ينظر إليه. قال: «ما أتجرأ أن أشرب ماء». وهذه هيبة لإمام الشافعي رحمه الله تعالى. فكيف بمن لربما يفعل أشياء من خوارم المروءة ومن العادات السيئة في الدرس، في المجلس، أو في الحلقة، أو أمام معلمه، أو أمام معلمه؟ فهذا يا إخوان كما يقال: بحر لا ساحل له. لكن حسبنا أن نأخذ ما يسر الله عز وجل، علّى الله عز وجل أن ينفعنا جميعًا بما نقول أو نسمع. ونسأله جل وعلا أن يجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، وأن يرزقنا أدبًا وخلقًا وعلمًا وعملًا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد، وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.