التبيان في آداب حملة القرآن 22

الدرس في التبيان في آداب حملة القرآن 22، ألقاها

أهمية إكرام العلم وآداب حملته

يتناول أهمية إكرام العلم وتبجيله، ويحذر من إهانة العلم بالتوجه إلى الأغنياء أو السلاطين لطلب العلم أو لنيل منافع دنيوية. كما يشير إلى ضرورة صيانة العلم وتعظيمه كما فعل السلف الصالح.

آداب المتعلم وتفرغه للعلم

ينبغي للمتعلم أن يتحلى بالأخلاق الرفيعة ويجتنب الأسباب الشاغلة عن التحصيل، وأن يخلص قلبه لطلب العلم. كما يجب عليه أن يتفرغ للعلم ويتجنب الانشغال بالأمور الدنيوية إلا إذا كانت ضرورية.

تطهير القلب وتواضع الطالب لمعلمه

ينبغي لطالب العلم أن يطهر قلبه من الأدناس ليقبل على طلب العلم، وأن يتواضع لمعلمه ويتأدب معه، وأن ينقاد لمعلمه ويقبل قوله. يجب على الطالب طاعة أوامر معلمه إذا كانت موافقة للكتاب والسنة.

وجوب طاعة المعلم وخاتمة الدرس

المعلم كالطبيب الذي يعالج قلب الطالب، فيجب على الطالب طاعة أوامره إذا كانت موافقة للكتاب والسنة. الخاتمة تكون بالصلاة على النبي وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه «التبيان في آداب حملة القرآن»: فصل في إعزاز العلم. ومعنى إعزاز العلم أي إكرام العلم وتبجيل العلم ورفع العلم عن كل ما يدنسه من الأسباب؛ لأن العلم عزيز، والعلم شريف، فينبغي لحامل العلم أن يقدر ذلك العلم الذي يحمله بأن لا يدنسه بشيء من الأمور التي تشين ذلك العلم. قال رحمه الله تعالى: ومن آدابه المتأكدة وما يعتني بحفظه أن لا يذل العلم، فيذهب إلى مكان ينسب إلى من يتعلم منه ليتعلم منه فيه، وإن كان المتعلم خليفة فمن دونه، بل يصون العلم عن ذلك كما صانه السلف رضي الله عنهم. وحكايات في هذا كثيرة مشهورة. ومعنى هذا أن من رزقه الله جل وعلا بحمل العلم لا ينبغي له أن يدنس العلم وأن يشين العلم بأن يكون عند أبواب الأغنياء أو السلاطين أو ما شابه ذلك. هذا لا يصدر من إنسان قدر العلم وعرف للعلم قدره. بل كما ذكر رحمه الله تعالى الحكايات الكثيرة المتكاثرة عن السلف عن الأئمة رحمهم الله تعالى، كانوا يصونون العلم صيانة عظيمة، كانوا يصونون العلم صيانة عظيمة، فيحفظونه وعن كل شيء يدنسه. فلا يعلمون أحدًا من أبناء السلاطين في قصور السلاطين، وإنما من أراد العلم منهم أتى إلى ذلك العالم وجثا على ركبتيه بين يديه؛ لأن العلم يؤتى إليه، العلم جليل، العلم عظيم، العلم شريف، فيؤتى إليه لا أن العالم يذهب فيقرع أبواب السلاطين وأبواب الأغنياء لأجل أن ينال شيئًا من لعاعة هذه الدنيا. بل ينبغي لهم أن يصونوا العلم عن ذلك. وكما ذكر رحمه الله تعالى حكايات السلف في ذلك كثيرة متكاثرة في صيانتهم للعلم في غاية الصيانة. الأئمة رحمهم الله تعالى لما عظموا العلم في قلوبهم صانوه عن كل ما يدنسه وعن كل ما يشينه وعن كل شيء قد يكون فيه غضاضة من العلم ومن أهله؛ لأن العلم كما سمعتم العلم شريف، والعلم كريم، والعلم عظيم، فينبغي أن يعظم. وكما قيل: ولو أن أهل العلم عظموه لعظما، ولو أن أهل العلم صانوه صانهم، ولو عظموه في النفوس لعظما جاء لعظما ولعظما. ولو أن أهل العلم صانوه - أي صانوا العلم بأن نزهوه عن كل ما يدنسه - صانهم، أي صانهم العلم، صانهم الله جل وعلا بالعلم. ولو عظموه في النفوس - أي ولو كان العلم معظمًا في النفوس - لعظما، أي عظما العلم أهله، عظما العلم أهله. والجزاء من جنس العمل، والعكس بالعكس، العكس بالعكس. من لم يصن العلم لم يصان، ومن لم يعظم العلم لم يعظم. لذا انظروا إلى أولئك العلماء من علماء السوء الذين دائمًا وأبدًا حالهم أنهم على أبواب السلاطين، منذ القدم إلى زماننا هذا، تجدهم في محل ريبة وتنقص وازدراء عند عامة الناس، فضلًا عن العلماء. والعكس بالعكس، العلماء الذين صانوا العلم وعظموا العلم تجدهم قد صانهم الله جل وعلا وعظمهم الله جل وعلا بصيانتهم للعلم وتعظيمهم للعلم، والجزاء من جنس العمل. قال رحمه الله تعالى: فصل في توسيع مجلس العلم. قال: وينبغي أن يكون مجلسه - أي مجلس المعلم - واسعًا؛ ليتمكن جلساؤه فيه. ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «خير المجالس أوسعها»، رواه أبو داود في سننه في أوائل كتاب الأدب بإسناد صحيح من رواية أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وأرضاه. والحديث قد صححه العلامة الألباني رحمه الله. وهذا كذلك كما ذكر رحمه الله تعالى مما ينبغي أن يكون في مجلس العالم، في مجلس معلم الناس الخير. لماذا؟ لأن المجلس كلما كان واسعًا كان أوعى للطلاب، فلا يحصل فيه شيء من الازدحام ولا شيء من التضايق، ولا شيء كذلك مما يجربه ذلك الضيق. فيكون الطالب في مجلس متهيئ للسماع، ويكون كذلك المعلم في مجلس مهيئ للإلقاء وللإقراء. وكما سمعتم: «خير المجالس أوسعها»، خير المجالس أوسعها. فإن ضاق المجلس فينبغي للطلبة فيما بينهم أن يوسع بعضهم لبعض. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا﴾ [المجادلة:11]. فأشهد من هذا أن مسألة التوسيع والتوسعة هذا أمر مطلوب، هذا أمر مطلوب للحديث الذي بين أيدينا، ولما يترتب عليه كذلك من حسن الإصغاء والاستماع والاستحضار. قال رحمه الله تعالى: فصل في آداب المتعلم. بعد أن فرغ من الكلام على آداب المعلم، انتقل إلى الكلام على آداب المتعلم. قال رحمه الله تعالى: جميع ما ذكرناه من آداب المعلم في نفسه آداب للمتعلم. أي ما تقدم مما ينبغي أن يتحلى به المعلم من الآداب، كذلك ينبغي أن يتحلى به الطالب؛ لأن الآداب مطلوبة، والأخلاق الرفيعة مطلوبة من كل أحد، كل مسلم ينبغي له أن يكون حريصًا على الأخلاق العالية، على الأخلاق الرفيعة، على الأخلاق الكريمة. قال رحمه الله تعالى: أي إلى جانب ما تقدم ذكره أن يجتنب الأسباب الشاغلة عن التحصيل، أن يجتنب الأسباب الشاغلة عن التحصيل إلا سببًا لا بد منه للحاجة. وينبغي أن يطهر قلبه من الأدناس ليصلح لقبول القرآن وحفظه واستثماره. قوله رحمه الله تعالى: ومن آدابه أن يجتنب الأسباب الشاغلة عن التحصيل، سواء كانت في مجلس التحصيل أو كانت خارج المجلس. في مجلس التحصيل إذا كان وقت السماع وحضور الدرس، ينبغي للمتعلم أن يقطع كل الشواغل التي تعيقه عن الاستماع والإنصات والحضور. ومن هذا يعلم خطأ بعض الناس ممن يحضر مجالس العلم في زمننا هذا، وتجد الجوالات مفتوحة، ينتظر مكالمة، فإذا رن الهاتف رن الجوال، جعل ينظر وخرج من مجلس التعليم. وآخر ربما فتحه لغير ما حاجة في وقت التعليم، يعني ما جاء اتصال هو ينظر، يقلب في الجوال أو ما شابه ذلك. هذا خلاف الآداب، هذا الفعل خلاف الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها الطالب. أو أن ينشغل الطالب بكتاب غير كتاب الدرس، يكون كتابًا مثلا في الفقه، فيفتح كتابًا في التوحيد، كتابًا في النحو، يفتح كتابًا في المصطلح، وما شابه ذلك. هذا كذلك من الإخلال وسوء الأدب في المجلس. وكذلك من إساءة الأدب في المجلس، وقل غير ذلك من الأمور التي تكون شاغلة للطالب عن الإنصات والاستماع. هذا باعتبار ماذا؟ باعتبار المجلس، وباعتبار خارج المجلس. لا يفتح الإنسان على نفسه أبواب المشاغل، لا يفتح الإنسان على نفسه أبواب الانشغال، لا سيما من فرغ نفسه لطلب العلم أو أقبل به ربه جل وعلا على طلب العلم. فطلب العلم نعمة، نعمة عظيمة، ينبغي للإنسان أن يحرص عليها وأن يتوجه لها، فلا يفتح لنفسه أبواب المشاغل. يوم يفتح عملًا من الأعمال يقول: سأفعل كذا وكذا. وفي اليوم الآخر يقول: أترك العمل. ماذا؟ يقول: سأقبل على العلم يومين أو أيام أو شهر، يعني شهر أو أشهر، ثم رجع سأنظر لدخل من الأعمال. يفتح لنفسه ماذا؟ أبواب المشاغل التي قد يكون في غنى عنها. إن كان عند الإنسان ما يغنيه، إن كان عند الإنسان ما يغنيه من أمور المعاش، هيأها الله جل وعلا له، فليحمد الله جل وعلا وليقبل على طلب العلم، ولا يجعل قلبه منشغلًا بشيء غير طلب العلم. بل يكون مقبلًا على طلب العلم إقبالًا كليًا، يقبل على العلم إقبالًا كليًا. لا يكون أمرهم وشغله الشاغل أن ينظر اليوم: أريد كذا، أريد أن أعمل. لماذا؟ فلان قالوا: نزلت جوالات جديدة وأسعارها غالية، أريد أن أعمل مدة أسبوعين، ثلاثة أسابيع حتى أشتري جوالًا. هذا إن شغل أم من شغل؟ هذا قدر العلم، هذا ما قدر العلم. لكن لو كان لحاجة، لو احتاج إلى أن يقوت نفسه، إلى أن يقوت من يعول، فهذا لا بأس؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يعول». فيعولهم بما يسره الله جل وعلا له، ويقبل على العلم، يقبل على العلم. فالحاصل كما ذكر: أن يجتنب الأسباب الشاغلة عن التحصيل إلا سببًا لا بد منه للحاجة. إذا كان السبب لا بد منه فهذا لا بد منه، وهذا لا بد منه. وبقية الوقت يقبل على العلم. وكما قيل: من جد وجد، ومن زرع حصد. وكما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «إن تصدق الله يصدقك». في ذلك الرجل الذي أسلم فدخل مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة من الغزوات، فقاتلوا، فغنم النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة، فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم نصيبه من الغنيمة. فقال: ما هذا يا رسول الله؟ والله ما على هذا بايعتك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم متعجبًا: فما؟ قال: إنما بايعتك لأجل أن يدخل سهم منها هنا - وأشار إلى مكان في حلقه - فيخرج منها هنا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن تصدق الله يصدقك». فقاموا لمواجهة العدو في المرة الثانية، فوجده النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن انتهت المعركة قد أصابه سهم حيث أشار، قد أصابه سهم حيث أشار. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «صدق الله فصدقه الله». أو كما قال صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. فالشاهد من هذا أن طالب العلم ينبغي له أن يكون حريصًا حريصًا على طلب العلم. وإن احتاج إلى شيء كما ذكر لا بد منه، فإنه يقضي حاجته ويقبل على طلب العلم. قال رحمه الله تعالى: وينبغي أن يطهر قلبه من الأدناس ليصلح لقبول القرآن وحفظه واستثماره. هذا باعتبار القلب، لا بد أن يطهر قلبه بعد أن يفرغ قلبه من المشاغل، أن يطهر قلبه عن الشواغل وعن الأدناس. ومنها كما ذكر - كما سيأتي ذكره - قال: وينبغي أن يطهر قلبه من الأدناس. لماذا؟ ليصلح لقبول القرآن؛ لأن القرآن كريم، القرآن طاهر، من عند الله رب العالمين جل وعلا، لا يمسه إلا المطهرون، كريم جليل. فكلما كان القلب كذلك، كلما كان القرآن أمكن في قلبه، كلما كان القلب مقبلًا على الله بعيدًا عن الأدناس، كلما كان القرآن كذلك، كلما كان القرآن ثابتًا في قلبه، وكلما - كما ذكر - حصل الحفظ والاستثمار. قال: «فقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب». إذن ينبغي لطالب العلم أن يحرص حرصًا عظيمًا على إصلاح قلبه، وعلى متابعة قلبه، وعلى النظر في قلبه دائمًا وأبدًا. يكون طبيبًا لقلبه، كلما حصل له شيء عالجه، بادره بالدواء، بادره في التصفية والنقاء. فلا بد من متابعة للقلب أشد من متابعة العبد للجسد. الإنسان إذا أصابه شيء من الأمراض الجسدية الظاهرة، كلما سارع إلى ماذا؟ إلى علاجها. وإذا حصل له ما يحصل من أمراض القلب، كثير من الناس لا يتفطن للعلاج لها، ولا يتفطن لتلك الأمراض إلا من رحم الله، وإلا من وفق الله جل وعلا. فينبغي للطالب أن يكون حريصًا على مراقبة قلبه، وعلى شفاء قلبه من كل الأسقام. فإن وقع عالجه، وبادره بالتوبة والرجوع إلى الله جل وعلا، والخوف من الله جل وعلا، إلى غير ذلك من المعاني التي تعين العبد على إصلاح قلبه. وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب». فهو محل الصلاح، إن صلحت صلح الجسد، والعكس بالعكس، إن فسدت فسد الجسد. قال: وقد أحسن القائل: يطيب القلب للعلم كما تطيب الأرض للزراعة. هذا ينبغي للطالب أن يكون كذلك، يطيب قلبه - أي يطهره - ينقيه، يصفيه. قال: وينبغي أن يتواضع لمعلمه ويتأدب معه، وإن كان أصغر منه سنًا. أي وإن كان المعلم أصغر سنًا من المتعلم؛ لأن العلم أعلى، والعلم أشرف، والعلم أجل. قال: وأقل شهرةً ونسبًا وصلاحًا وغير ذلك. ويتواضع للعلم لا للأشخاص، ولكن للعلم الذي يحمله ذلك المعلم تواضع، ويتأدب الطالب له، ولو كان أعظم منه جاهًا ومالًا وأكبر منه علمًا، إلى وأكبر منه عمرًا. بعظمه العلم الذي يحمله ذلك المعلم، فكلما عظم الإنسان العلم، كلما عظم من حمل ذلك العلم، والعكس بالعكس. قال رحمه الله تعالى: فبتواضعه للعلم يدركهم. وقد قالوا: «العلم حرب للفتى المتعالي». كالسيل حرب للمكان العالي، كلما علت الأرض جاء السيل فأتلفها. أي كلما علت نفس الإنسان عن معلمه كلما حرم العلم، والعكس بالعكس. والعكس بالعكس. قال: وينبغي أن ينقاد لمعلمه، ويشاوره في أموره، ويقبل قوله كالمريض العاقل يقبل قول الطبيب الناصح الحاذق. قال: وهذا أولى. لماذا؟ لأن المعلم طبيب لقلبك أيها الطالب، كما أن الطبيب طبيب لجسدك، وأنت تمتثل، فكذلك المعلم هو طبيب لقلب الطالب، فينبغي له أن يمتثل أمره، ولا سيما إن كانت أوامره بالرشاد، ودلت عليها أدلة السنة والكتاب. والله تعالى أعلى وأعلم. صلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على