الدرس في التعليق على العقيدة الطحاوية 4، ألقاها
العقيدة الطحاوية مبنية على مذهب فقهاء الملة، وهم أئمة المذهب الحنفي، وقد ألفها الإمام الطحاوي على مذهب الإمام أبي حنيفة. بعض أتباع أبي حنيفة انحرفوا إلى الجهمية والماتريدية.
الإمام أبي حنيفة رجع عن بعض الآراء المخالفة لأهل السنة والجماعة في قضايا مثل خلق القرآن وإثبات الصفات الإلهية. تلاميذه مثل أبي يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني اتبعوه في معظم آرائه.
الانتساب إلى مذهب معين لا يعني التقليد الأعمى، بل يتبع الأدلة واختلف مع الأئمة في مسائل معينة. المتجرد للحق يتبع الأدلة ولا يتقيد بالتقليد.
الإمام الشافعي انتقد مذهب أبي حنيفة في القياس على أصل غير صحيح، لكنه أثنى على أئمة الحنفية وأصول دينهم. هذا يبين أن الانتقاد كان في مسائل فقهية معينة وليس في العقيدة.
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، أخذنا في درس الماضي في العقيدة الطحاوية قول المؤلف رحمه الله تعالى: «هذا ذكر بيان عقيدة أهل السنة والجماعة»، وذكرنا ما فيها مما ذكره العلماء في مسألة اعتقاد أهل السنة والجماعة. قال رحمه الله تعالى: «على مذهب فقهاء الملة»، قال: «هذا ذكر بيان عقيدة أهل السنة والجماعة على مذهب فقهاء الملة: أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي، وأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري، وأبي عبد الله محمد بن الحسن الشيباني، رضوان الله عليهم أجمعين، وما يعتقدون من أصول الدين ويدينون به رب العالمين». فهذا يذكر المؤلف رحمه الله أن هذا الاعتقاد هو الذي عليه فقهاء الملة، وأراد بالفقهاء فقهاء مذهب الأحناف وأئمتهم. ولأن هذه العقيدة ألفها الإمام الطحاوي على هذا المذهب، وهو مذهب الإمام أبي حنيفة، فلذلك قد ذكرنا قبل أن هذه العقيدة توافق عقيدة أهل السنة رحمهم الله تعالى في مواضع كثيرة. ولأن أبا حنيفة الأصل أنه على مذهب السنة، وإنما غلط في بعض الأشياء التي تخالف أهل السنة، وسيئاته -إن شاء الله تعالى- ذكرها، وأكثرها في الإيمان. فالحافظ الطحاوي رحمه الله لَفَّ هذا المعتقد على مذهب أبي حنيفة، أي على ما كان يعتقده أبو حنيفة، لا على ما صار عليه أصحابه من أهل المذهب؛ لأن كثيرًا من الحنفية صاروا بعد ذلك جهمية، ومنهم بعض أبناء أبي حنيفة، مثل حماد بن إسماعيل بن أبي حنيفة، فإنه كان جهميًّا جلدًا. وكذلك أيضًا هناك بشر المريسي، فإنه أيضًا من الحنفية، وهو جهمي من رؤوس الجهمية. فانتشر في مذهب الحنفية مذهب الجهمية، مع أن الإمام أبا حنيفة قد حذر من الجهمية، قد حذر من الجهمية، وقال: «إن رأيين جاء من المشرق، هما رأيين ضلال»، أو كذا: «رأي جهم، ورأي المشبهة». أو أتباع ابن الحكَم، يعني يقول: إن هناك رأيين باطلين وضلالة حذر منهما الإمام أبو حنيفة: مذهب جهم، وكذلك مذهب أتباع الحَكَم، وهو مذهب المشبهة. وأبو حنيفة -كما قلنا- أصحابه قد تشبثوا في هذا المذهب، وكثير من الحنفية دخلوا مذهب الجهمية. وكذلك أيضًا كثير من الحنفية كانوا ماتريدية -واللفظ الصحيح «مُتَوَرِّدِيَة»- لكن لعله يصعب نطقه، فتجد كثيرًا من أهل العلم ينطقه «ماتريدية»، يعني لا يأتي بالواو بعد الراء، وإنما يضمها. والأصل أنه «مُتَوَرِّدِيَة». قال هنا: «على مذهب فقهاء الملة: أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي»، النعمان بن ثابت الكوفي إمام من أئمة المسلمين، وكان من أذكياء الناس، حتى قال سفيان الثوري: «ما رأيت ذكيًّا مثل أبي حنيفة»، ولكن وقع في بعض الأشياء التي تخالف مذهب الإسلام، تخالف أهل الإسلام. لكن الظاهر أنه رجع عنها، الظاهر أنه رجع عنها، منها خلق القرآن. فقد ذكر بعضهم -كشريك بن عبد الله النخعي- أنه استتاب منها، وذكر أنه رجع عنها وتاب. ولهذا الإمام الطحاوي رحمه الله ذكر هذه المسألة، وذكر أن من قال: «إن هذا القرآن مخلوق فقد كفر»، وهذا يبين أن أبا حنيفة رجع عن هذه المسألة. وإلا من نظر إلى كتاب الخطيب «تاريخ بغداد» في ترجمة أبي حنيفة، فقد ذكر عن أئمة كثير أنهم قالوا: إنه يقول بذلك. وقد ذكر بعضها الإمام أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن حنبل، ذكر بعض الآثار التي عن الأئمة في ذكر هذا عن أبي حنيفة. وكذلك ذكرها شيخنا مقبل في الجزء الذي ألفه سماه «النشر»، وذكر أشياء ذكرها الأئمة في أبي حنيفة. وأيضًا ظاهر أنه -كما قلنا- رجع عن مثل هذه المسائل. ويثبت الصفات صح عن أبي حنيفة من عدة طرق أنه كان يثبت صفات الله جل وعلا، خلافًا لمن بعده من أصحابه؛ فإنهم معتزلة أو جهمية أو ماكرودية أو أشعرية، والذي على السنة قليل منهم. منهم هذا المؤلف، وهو أبو جعفر الطحاوي رحمه الله. قال: «وأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري»، أيضًا أبو يوسف القاضي كان أيضًا على مذهب أهل السنة، إلا في هذه المسائل اتبع فيها أبا حنيفة -مسألة الإيمان- اتبع فيها أبا حنيفة، وإلا فهو على مذهب أهل السنة. وأيضًا كان يقول بالسنة، لم يؤثر عنه شيء من البدع إلا ما كان من هذه المسألة. وأيضًا كان فقيهًا من فقهاء مذهب الأحناف، إلا أنه لم يكن مقلدًا، لم يكن يقلد أبا حنيفة، بل قال بعض العلماء: إن أبا يوسف ومحمد بن الحسن خالف أبا حنيفة في ثلث المذهب، إن أبا يوسف ومحمد بن الحسن خالف أبا حنيفة في ثلث المذهب. وهذا يدل على تجردهم لإيثار الحق، لم يكونا مقلدين، لا أبو يوسف ولا محمد بن حسن الشيباني، فكانا على الاتباع. إذا جاءهم الحق اتبعوه، ولا يقلدون. وهذا هو العالم، المقلد ليس بعالم، المقلد ليس بعالم، وإن حوى علومًا كثيرة؛ لأن المقلد إنما هو نسخة من الذي يقلده. ولهذا ذكر الإمام ابن عبد البر رحمه الله في «جامع بيان العلم وفضله»: ذكر أن العلماء قد أجمعوا على أن المقلد ليس بعالم، على أن المقلد ليس بعالم؛ لأنه إنما نسخة من ذاك الذي يقلده، فهو لا يستفاد منه شيء، إلا أنه يقلد ذاك العالم الذي التزم بتقليده. وأما المتجرد للحق والمتجرد للأدلة، وإن انتسب إلى هذا الشخص أو هذا العالم، لكنه يتجرد عن التقليد ويتبع الأدلة، إن رأى أن الأدلة تخالف ما عليه إمامه فإنه يخالفه. ولهذا تجد أكثر طلاب الأئمة -سواء كان لأئمة الأربعة أو غيرهم- تجد أكثر طلابهم يخالفونهم في أشياء كثيرة من المذهب. فعندك هنا أبا حنيفة، فقد خالفه أبو يوسف، وكذلك محمد بن الحسن -كما قلنا- في كثير من المذهب. وأيضًا كذلك عندك الشافعي، المزني رحمه الله خالف الشافعي في مسائل كثيرة. وكذلك أيضًا الإمام أحمد رحمه الله له أيضًا أصحاب يخالفونه في مسائل، القاضي أبو يعلى أيضًا خالف أحمد في مسائل قال بها، وهو يخالفه على أن هذا ليس على أصوله -هكذا يقول-. وكذلك الكلداني، صاحب «التمهيد»، وغيرهم من أئمة الحنابلة، تجد أنهم متجردون. وخاصة أئمة الشافعية أيضًا كذلك: ابن خزيمة، وابن المنذر، وغيرهم، هؤلاء من أئمة الشافعية، لكنهم أهل اجتهاد، ما قلدوا الشافعي رحمه الله، وإنما كانوا يتبعون الكتاب والسنة. وأما الانتساب فلا بأس أن الإنسان ينتسب لأجل أن هذا أمر مشهور عند العلماء، لكن ليس معنى الانتساب أن هذا العالم يقلد من انتسب إليه ويقلده. فهذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ينتسب إلى مذهب أحمد، وكذلك الذهبي وغيرهم من هؤلاء ينتسبون إلى هذه المذاهب، لكن تجد أنهم يرجحون الدليل. هذا الحافظ ابن حجر وغيرهم كثير، فلهذا تجد أن كثيرًا من أتباع الأئمة ممن يتبع الدليل تجده يخالف ما خالف فيه صاحب المذهب الدليل. وكذلك هنا كما ذكرنا، فإن أبا يوسف، وكذلك محمد بن الحسن خالف أبا حنيفة في كثير من مذهبه. وأما عقيدتهما فهي عقيدة أبي حنيفة في أكثرها، إلا في القول بخلق القرآن وغيره. لكن كما قلنا أن أبا حنيفة ظاهر أنه رجع عن ذلك. وكذلك أيضًا مما أخذ على هؤلاء مسألة القياس والرأي، أن كثرة القياس وكثرة الرأي خاصة أن القياس يكون على غير أصل، يكون على غير أصل، الأصل هو الكتاب والسنة. فمن قاس عليهما بعلة صحيحة جاءت في النصوص فهذا لا شك في صحة قياسه. أما من يقيس على غير الكتاب والسنة أو على علة مستنبطة بعيدة، فهذا غالبًا قياسه غير صحيح. فلهذا قال الإمام الشافعي رحمه الله: «إن أبا حنيفة يقيس على أصل غير صحيح»، يعني يقيس على الأصل، الأصل الذي عنده غير صحيح، ثم يقيس عليه كيف سيكون القياس؟ فلهذا انتشر في مذهب الحنفية مسألة القياس. أو الأحناف -بعضهم يقول «الحنفية»، وبعضهم يقول «الأحناف»؛ لأن الأحناف من «الحنيف»، وبعض العلماء يقول: «كلاهما صحيح». قال: «وأبي عبد الله محمد بن الحسن الشيباني، رضوان الله عليهم أجمعين، وما يعتقدون من أصول الدين ويدينون به رب العالمين». أن هذا اعتقاد هؤلاء الثلاثة، ومن كان على دابهم. فهذا ما نكتب به -إن شاء الله تعالى- هذا، ونكمل في الدرس اللاحق. فالحمد لله رب العالمين.