الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 571، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع الأول سنة النبي صلى الله عليه وسلم في قبول الهدية وعدم قبول الصدقة، ويبين أهمية الهدية في توطيد العلاقات بين الناس. كما يتناول المقطع الثاني أحكام الهدية والصدقة في الإسلام وتأثيرها على تقوية العلاقات بين الجيران والإخوة.
يتناول المقطع الثاني أحكام الهدية والصدقة في الإسلام، ويشير إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل الهدية ويحث عليها، بينما يمنع قبول الصدقة على آل بيته لاستحقاقهم الخمس. كما يوضح اختلاف العلماء حول جواز أخذهم الصدقة عند منع الخمس.
يتحدث المقطع الثالث عن آل بيت النبي عليه الصلاة والسلام وأعمامه، ويبين أن هناك غلوا في محبة آل البيت من قبل بعض الطوائف. كما يوضح المقطع الرابع أن الاحترام يكون لمن يتبع مذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته، بينما لا يستحق المبتدع الاحترام حتى لو كان من آل بيته.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مقبل الوادعي رحمه الله: قال الإمام محمد -رحمه الله تعالى-: حدثنا هشام بن سعيد، هو البغدادي، قال: حدثني الحسن بن أيوب الحضرمي، وهو حضرمي حمصي، أن أصله حضرمي، قال: حدثني عبد الله بن بسر، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقبل الهدية ولا يقبل الصدقة. قال: هذا حديث حسن. ومعنى لا يقبل الصدقة: إلا يأكلها، بل يعطيها أصحابه، كما ثبت في حديث آخر. فهذا الحديث فيه سنة من سنن النبي عليه الصلاة والسلام التي كان عليها، وهي عدم قبول الصدقة، هذا خاص به وآل بيته صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما قبول الهدية، فهي سنة من سنن النبي عليه الصلاة والسلام، كان يقبل الهدية. وجاء في صحيح البخاري، في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: أنه كان صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها، معنى يعطي عليها. لذا كان العرب يهدون لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ثم يريدون الإثابة حتى غضب النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: «لقد هممت أن لا أقبل هدية ولا دعوة إلا من قرشي أو أنصاري أو دوسي». لأن العرب دائمًا يهدونه ويريدون أن يثيبهم عليها، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يثيب عليها أكثر مما أعطى، فكان العرب يتعمدون هذا. والهدية هي من الأمور التي تحبب الناس بعضهم إلى بعض، وهي أيضًا من العوامل التي تربط بين المسلمين وبين محبة بعضهم لبعض ومودة بعضهم لبعض. ولهذا جاء في الحديث: «تهادوا تحابوا»، فإن الهدية تسل سخيمة القلب، أي تذهب بسخيمة القلب. والمراد بالسخيمة: ما يكون من الضغائن، وقد يكون أيضًا بعض الحقد وغيره في إرادة الانتقام وغيرها مما يكون في بعض الخصومات وغيرها. فهذه الهدية تسلها، تخرجها. فلهذا حث النبي عليه الصلاة والسلام على الإهداء. وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يقبل الهدية. وجاء في الصحيحين، قال صلى الله عليه وسلم: «إن دعيت إلى كراع أو إلى ذراع أو أهدي إلي ذراع أو كراع لقبلت». وقال: «لو دعيت إلى ذراع أو كراع لأجبت». والمراد أن النبي عليه الصلاة والسلام يريد أن يبين أن الإنسان يقبل الهدية ولو شيئًا يسيرًا. والكراع المراد به: العظم الذي يكون فيه شيء من اللحم، العظم الصغير الذي يكون عند الأصابع. فالذراع شيء يسير، ما يكون فيه لحم كثير. فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: «لو دعيت إليه لقبلت أو لو أهدي إليه لقبلت». وهذا يدلك على أن الهدية ينبغي للإنسان أن يقبلها. بل كان النبي عليه الصلاة والسلام يقبل حتى هدية الكفار، يقبل حتى هدية الكفار. فقد أهدى إليه المقوقس بجارية وبثياب، فقبلها النبي عليه الصلاة والسلام. وأيضًا أهدى إليه غيره، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يقبل أو يقبل الهدية ولا يردها. وجاء سلمان الفارسي رضي الله عنه ومعه أن من علامة النبي أنه يقبل الهدية ولا يقبل الصدقة، فجاء بصدقة، فقال: «كلوها لأصحابي». لما قال: «صدقة». فلما جاء في المرة الأخرى، قال: «هدية»، فقال: «كلوها»، وأكل منها أو وأكل معهم. فكان صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية، بل حث النبي عليه الصلاة والسلام على التهادي بين الجيران خاصة، فقال عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين: «يا معشر النساء، لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسناة». وفرسناة: عظم صغير يكون أيضًا في الرجل، هذا لا تحتقره. فالمراد أنها تعطيها ولو شيئًا يسيرًا، لا تحتقرن هدية. فإن الجار أو الجارة تفرح بالهدية ولو كانت يسيرة، لماذا؟ لأجل أنها تعرف أن جيرانها يعطونها وأنهم يبادلونها. ولهذا إذا بذل الجار لجاره، فإن أيضًا الجار يبادل له، وتجد أنهم بعد ذلك يتعاونون على الهدايا. ولهذا النبي ربنا جل وعلا ذكر أن من صفات الكفار أنهم يمنعون الماعون. والماعون كما ذكر المسعودي كما في البخاري: هو ما يعين بعض الناس بعضًا، وخاصة الجيران، مثل الدلو والفأس وغيرها من هذه الأشياء التي تستعمل. فمثلًا الجار يستعير من جاره دلوًا أو تستعير لأجل مثلًا يطبخ الطعام فيه عنده ضيوف، أو مثلًا يأتي بفأس أو يأتي بشيء من هذه الأشياء التي تستعمل في البيوت غالبًا يحتاجها الناس، سلم أو كذا. فهذه من الأمور التي يتعاون بها الجيران، يستعيرها من بعض. فيدخل في هذا أيضًا الاستعارة، وكذلك يدخل هدية الهدية في المأكول أو في المشروب أو في بعض الأشياء التي يتعاون بها الناس. فكل هذا مما يقوي أواصر الجيران، وكذلك الإخوة. فإن الهدية كما ذكرنا قبل من كلام النبي صلى الله عليه وسلم تسل سخيمة قلب. فلهذا فالهدايا تدل أيضًا هذه الهدايا على بذل النفس وكرمها وسخائها. وكلما كان الإنسان يهدي لإخوانه ولأصحابه، فهذا يدل على سخاوة نفسه. قال: ولا يقبل الصدقة أيضًا من علامات النبي عليه الصلاة والسلام أنه لم تحل لهم الصدقة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنها لا تحل لنا الصدقة ولا لأهل بيت». وإنما ما كانت تحل لهم الصدقة لأنهم يعطون من الخمس، هكذا قال العلماء. ولهذا رتب جمهور العلماء على أنه إذا منع الخمس عن أهل البيت فإنهم يجوز لهم أن يأخذوا الصدقة، يجوز لهم أن يأخذوا الصدقة، كما هو اختيار شيخ الإسلام رحمه الله. ومن أهل العلم من قال: لا يجوز ولو منعوا الخمس، لا يجوز أن يأخذوا الصدقة، كما هو قول الشافعي ومالك، وهو أيضًا مشهور عند الحنابلة. فلكن كما قلنا: كما قال شيخ الإسلام، من لم يعط الخمس من آل البيت وهو محتاج إلى الصدقة، فأخذه للصدقة أفضل من أن يسأل الناس. معنى قول الجمهور: أنه لا يأخذ، بل بعضهم يقول: حتى ولو سأل، لو حلت المسألة، لا يأخذ الصدقة، هذا كلام غير صحيح. فأخذه للصدقة أفضل من أن يسأل الناس، أعطوه أو منعوه. فلهذا جواز أخذ الصدقة هو القول الصحيح إذا منع الخمس. وكذلك احتاج الرجل من آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم احتاج إلى المال وإلى الصدقة، فلا بأس أن يأخذ، أفضل من أن يسأل الناس. فلهذا فالصدقة على آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تحل. وقال في حديث زيد بن أرقم، فقال له الراوي -والظاهر أنه إسماعيل بن أبي علي أو غيره-: ومن أهل بيته يا زيد؟ ومن أهل بيته يا زيد؟ قال: آل النبي عليه الصلاة والسلام، وآل العباس، أو قال: آل العباس، وآل علي، وآل جعفر، وآل عقيل. عن هؤلاء الذين لهم نسل من المسلمين من آل بيت رسول الله. أما البقية، فليس حمزة ليس له نسل، له بنت واحدة. وأما أعمام النبي عليه الصلاة والسلام الآخرون، فمعناهم كفار. وإلا أولاد أبي طالب، أولاد عمي أبي طالب. وأما الآخرون، غالبًا قد انقطع نسلهم. أبو سفيان بن الحارث وهو ابن عم النبي عليه الصلاة والسلام، لكن لا يعرف أن له نسلًا. أما ابن الزبير عم النبي عليه الصلاة والسلام، أيضًا لا يعرف له نسل. وبعضهم أيضًا بعض أعمام النبي عليه الصلاة والسلام كان لهم ثم انقرض هذا النسل. فبقي هؤلاء الذين هم أهل الإسلام من ولد العباس بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه، وكذلك من ولد علي وعقيل وأيضًا جعفر، أولاد عم النبي عليه الصلاة والسلام أبي طالب. فهذا الباب باب آل بيت النبي عليه الصلاة والسلام حصل فيه غلو وجفاء. من ناحية محبة آل بيت الرسول هذا واجب، محبتهم، وكذلك تعظيم إجلالهم، إجلالًا للنبي عليه الصلاة والسلام. وقد أوصى النبي عليه الصلاة والسلام على أهل بيته: «أوصيكم الله في أهل بيتي»، «أوصيكم الله في أهل بيتي»، «عترتي»، «عترتي»، معنى أهل بيتي. لكن هناك أناس غلوا في هذا الباب كالروافض أخزاهم الله، وأيضًا الشيعة بجميع مكوناتهم، وكذلك أهل التصوف أيضًا غلوا في هذا الباب. وادعى كثير من الناس أنه من آل بيت رسول الله، وغالب الآن من ينتسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم غالبًا ينتسب إليه أنسابهم مقطوعة. غالبًا ينتسب إلى النبي عليه الصلاة والسلام أنسابهم مقطوعة، معنى: تجد فيها مجاهيل، تجد فيها مجاهيل، أو أنها تأتي إلى مكان وتنقطع، ثم يوصلونها بأشياء موهومة أو بأشياء مجهولة بأناس مجهولين، فلا يعرفون. فمثلًا أحمد بن عيسى المهاجر إلى حضرموت، قالوا: إنه من أولاد موسى الكاظم. وذكر بعضهم أنه لا يعرف هذا. لكن مسألة الطعن في أنساب الناس لا يجوز. لكن هل هناك شيء يثبت عن هذا؟ الله أعلم. فهل هذا الكلام صحيح؟ تجد فيه بعض الجهالات أو بعض المجهولين في الأسانيد. وبعض من لا يعرف حتى في التاريخ. أنا تجد في بعض أسانيد من يدعي آل البيت، تجد فيهم من لا يعرف أنه كان موجودًا، معنى: ما يذكر. وهذا ليس معنى أنه غير موجود، معنى: عندما لم يذكر أو لم يعرفه الناس ولم يعرفه التاريخ، ليس معنى ذلك أنه غير موجود، قد يكون موجودًا، لكن الإثبات أفضل. أنه يثبت. فمثلًا أحمد بن عيسى هذا المهاجر إلى حضرموت، جاء من العراق إلى حضرموت، وادعى أنه من آل بيت رسول الله، ولم يذكر أحد أنه من آل بيت رسول الله، من آل موسى الكاظم أو غيره. لكن قد يكون صحيحًا أو قد يكون كذبًا، هو ادعاء. وصحح الناس أو بعض الناس في ذلك الوقت كلامه ومشوا على هذا. لكن كما قلنا: إن الإنسان لا ينبغي أن يطعن في نسب أحد. والنسب لا يرفع الشخص ولا ينقصه، وإنما يرفعه عمله. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه»، «من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه»، ولو كان من آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن بني فلان وبني فلان ليس لي بأولياء»، وهم من أبياته أو من آل بيته رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتبرأ منهم النبي عليه الصلاة والسلام لأنهم ليسوا على طريقته وليسوا من أتباعه. فتبين أن الذي يجل ويحترم ويحب هو من كان على مذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى اتباع السنة. وأما من كان مبتدعًا، فليس له كرامة أبدًا، ولو كان من آل بيت رسول الله صلوات الله وسلامه عليه.