الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 32، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض المقطع دليلاً قرآنياً من سورة الزمر يثبت أن الأصنام لا تكشف ضراً ولا تمنع خيراً، ويقيس عليه تعليق الحلقات والخيوط والتمائم كشرك لعدم كونها أسباباً شرعية أو قدرية. ثم يناقش حديث عمران بن حسين في النهي عن لبس حلقة من صفر للوهنة، مبيناً ضعف سنده بمبارك بن فضالة وإرسال الحسن البصري، مع توضيح أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب لا يورد إلا أحاديث ضعفها يسير.
يشرح المقطع حديث الرجل الذي كان يرتدي حلقة من صفر (نحاس) للتداوي من الواهنة (الروماتزم)، فأنكر النبي ﷺ ذلك وأمره بنزعها لأنها من الشرك الأصغر، مبيناً أن الشرك يضعف البدن ويورث الخذلان، وأن من مات عليه لم يفلح أبداً، مع التأكيد على أهمية الاستيثاق قبل الإنكار وعلى أن العاقبة بالخواتيم.
يفسر المقطع حديث عقبة بن عامر النهي عن تعليق التميمة والودعة، مبيناً أن التعلق يشمل القلب لا مجرد التعليق الظاهري، وأن صيغتي «فلا أتم الله له» و«فلا ودع الله له» تحتملان الخبر والدعاء معاً، ويوضح أن قول النبي «فقد أشرك» يُحمل على الشرك الأكبر إن اعتقد المؤثر بذاته، وعلى الشرك الأصغر إن اعتقده سبباً فقط.
يوضح المقطع أن تعليق التمائم أو الحلق يعد شركاً صريحاً استناداً إلى حديث «من تعلق تميمة فقد أشرك». ويختتم المتحدث الجلسة عند هذا الحد.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وبعد: قال الإمام المجدد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في باب من الشرك: لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه. ذكر تحت هذا الباب عدة أدلة من القرآن والسنة، فقال: وقول الله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾. ووجه الشاهد من هذه الآية في مناسبتها لهذا الباب: أن هذه الأصنام لا تنفع أصحابها لا بجلب نفع ولا بدفع ضر، فليست أسباباً لذلك، ويقاس عليها كل ما ليس بسبب شرعي أو قدري، قدري يعني حسي كما مر معنا، فيعتبر اتخاذه سبباً إشراكاً مع الله سبحانه وتعالى لأن العلة واحدة. كما أن هذه الأصنام لا تنفع ولا تضر، فيدعوها هؤلاء من دون الله سبحانه وتعالى ويتخذونها أسباباً، فكل ما كان بمعناها مما تتخذ أسباباً كتعليق الحلقة أو الخيط أو التميمة أو نحو ذلك فهو يدخل في هذا المعنى. فيقال لهذا اللابس: أفرأيت الذي تعلق؟ إن أراد الله بك ضراً هل هذا المعلق سيدفع عنك هذا الضر؟ أو أراد الله عز وجل بك نفعاً هل ستمنع هذه الحلقة وصول الخير إليك؟ فوجه الشاهد من هذه الآية ظاهر، وهو أن كل من اتخذ سبباً غير شرعي ولا قدري فقد وقع في الشرك، فقد وقع في الشرك. ثم يحكم عليه بما تقدم من تفصيل: إن كان يعتقد أن دفع الضر بذاته هذا المعلق سبباً وبذاته فهذا من الشرك الأكبر، وإن كان يعتقد فقط أن هذا سبباً فقط لدفع الضر فهذا شرك أصغر. فهذا هو وجه الشاهد من هذه الآية. ولذلك قال الله عز وجل: ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ بعد قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِخَيْرٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾. ومعنى حسبي الله: أن يكفيني الله سبحانه وتعالى، ليس هذه الأصنام التي تمنع عني الخير أو تصل إلي الشر، فحسبي الله. وهذا فيه تفويض الكفاية إلى الله دون الأسباب الوهمية. هذا هو وجه الدلالة من هذه الآية في هذا الباب. ثم قال: الدليل الثاني: عن عمران بن حسين رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم رأى رجلاً في يده حلقة من صفر، فقال: «ما هذه؟» قال: من الواهنة. فقال: «انزعها، فإنها لا تزيدك إلا وهناً، فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبداً». رواه أحمد بسند لا بأس به. وهذا الحديث فيه ضعف، هذا الحديث فيه ضعف بسبب رجل يقال له مبارك بن فضالة، ففيه هذا الراوي ضعفه، ومع ضعفه كذلك مدلس. وأيضاً هناك علة أخرى لهذا الحديث، وهو أن هذا الحديث ورد من رواية الحسن البصري عن عمران بن حسين، والحسن البصري لم يسمع من عمران بن حسين. فلعلتين ضعفهم العلماء، ومن ذلك ومن هؤلاء العلماء العلامة الألباني كما في ضعيف ابن ماجه وفي غيرها من كتبه. ولكن ذكر علماء أهل السنة أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله لم يذكر في كتابه حديثاً شديد الضعف، وإنما الأحاديث التي يذكرها إما صحيحة وإما ضعيفة لكن ضعفها يسير، ضعفها يسير، فمن أجل ذلك يوردها. لكن أن يحكم عليها بالصحة من ناحية الحديثية فبعضها ضعيف، وضعف هذه الأحاديث جماعة من المحدثين. ومعنى هذا الحديث ونحن نأخذه كما تناقل العلماء ذلك، لأن كما تقدم الحديث يعني ليس بشديد الضعف، بل الشيخ ابن باز يسلك هذا الحديث ويقول أنه ورد من طرق أخرى كما في شرحه لبعض أو في كلامه على هذا الحديث. فقوله: رأى رجلاً في يده حلقة من صفر، الصفر هو النحاس، هو النحاس أو ما يشبهه، ولو كان حديداً أو قيوطاً يقال له صفر. فاستنكر النبي صلى الله عليه وسلم منه ذلك، فأراد أن يتثبت فقال له: «ما هذه؟» يعني ما هذه الحلقة، سؤال استثبات، فأراد أن يتثبت قبل الإنكار لأنه قد يظن ما ليس بمنكر منكر. ما هذه؟ مسألة مهمة جداً، يعني قد تجد إنساناً في ظاهره مقيم على منكر لكن قد يكون له عذر، قد يكون له عذر من الأعذار، كأن تجد مثلاً إنساناً الناس يصلون وهو جالس، فلا تنكر عليه، تقول له: لماذا أنت جالس هاهنا ولم تصلي؟ من باب الاستثبات، فلعله مسافر، ولعله مريض صاحب عذر، فلا بد من ذلك قبل أن تنكر. وقوله: «من الواهنة»، الواهنة هو مرض داء يصيب العظام، قال الشيخ ابن عثيمين: مثل الروماتزم، يعني ما يعاني منه بعض الناس من آلام في المفاصل، من آلام في المفاصل يسمى بالمصطلح الحديث الروماتزم. ففعل هذا ظناً منه أن هذه الحلقة تخفف وتهون عليه ألم المرض هذا أو تحميه منه، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بنزعها لأنه اتخذ ما ليس سبباً سبباً، اتخذ ما ليس سبباً سبباً، فأنكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأمره بنزعها، فقال له: «انزعها»، والنزع هو الإخراج بشدة، الإخراج بشدة. ثم قال له: «لا تزيدك إلا وهناً»، والسبب في ذلك ومعنى «لا تزيدك إلا وهناً»: أي ضعفاً في الجسم، ضعفاً في الجسم. لماذا؟ لأن الشرك بالله عز وجل هو ضعف، وهو كذلك خذلان، كما قال الله عز وجل: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولاً﴾. فمن أعظم ما يضعف الإنسان ويجعله في خور وفي كذلك ضيق وضعف: الشرك بالله سبحانه وتعالى، وهذا من الشرك بالله سبحانه وتعالى. فأنت كالذي يزيد الطين بلة، أنت تريد المخلص بشيء لا يخلصك بل يزيدك مرضاً وضعفاً، بل يزيدك مرضاً وضعفاً. مثل بعض العصاة الآن لما يشعر بضيق ويشعر بألم المعاصي يذهب إلى معاصٍ أخرى، يذهب مثلاً إلى الغناء، قل: لماذا أنت تفعل هذا؟ يقول: أنا في ضيق، أريد الضيق هذا يذهب. هل سيذهب الضيق؟ هذا سيزيد الضيق فوق ضيقه، لأن المعاصي سبب لكثرة الهموم والغموم والضيق ونحو ذلك. فالمرض لا يزال بالشرك والمعاصي، وإنما يزال بالأسباب الشرعية والقدرية الحسية. فهذا هو معنى ذلك الحديث. وفي الحديث أيضاً خطر الشرك بالله عز وجل، وأنه سبب للخسارة الدنيا والآخرة، بقوله: «فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبداً». والفلاح، والفلاح هو نيل المطلوب والنجاة من المرهوب، هذا هو الفلاح: نيل المطلوب والنجاة من المرهوب. من مات على الشرك فقد خسر خسراناً مبيناً وخسراناً عظيماً، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً﴾. وفي هذا الحديث أيضاً: الأعمال بالخواتيم، الأعمال بالخواتيم. فقوله: «لو مت» أي: لو لم يمت على ذلك وتاب قبل الموت فستكون خاتمته حسنة، وإذا مات على ذلك ستكون خاتمته سيئة. «لو مت وهي عليك ما أفلحت أبداً». انظر إلى لفظة «أبداً» لتدل على الخلود، تدل على الخلود والأبدية. ووجه الشاهد من هذا الحديث ظاهرة واضحة، فالنبي صلى الله عليه وسلم أنكر على هذا الذي قد لبس الحلقة لدفع البلاء، لدفع البلاء. ثم قال: الدليل الثالث، وله، له يعني الإمام أحمد، هذا الحديث عند الإمام أحمد. قال: وله عن عقبة بن عامر مرفوعة، أي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من تعلق تميمة فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له». وفي رواية: «من تعلق تميمة فقد أشرك». وهذا الحديث صحيح، صححه العلامة الألباني في مجموعة من كتبه. ومعنى الحديث أولاً حتى نفهم وجه الدلالة منه: «من تعلق تميمة» أي علقها وتعلق قلبه بها، فالتعلق أبلغ من مجرد التعليق، من مجرد التعليق، لأن التعليق قد يكون في الظاهر فقط وليس هناك تعلق بالباطن وهو القلب. فقوله: «من تعلق تميمة» أي علقها في الظاهر والباطن بمعنى تعلق بها بقلبه كما علقها في جسده، كما علقها في جسده. ولهذا قال: «تعلق» ولم يقل «علق»، وإنما قال: «تعلق» ليشمل ذلك الظاهر والباطن. وأما قوله: «فلا أتم الله له»، فهذه الجملة لفظها لفظ الخبر، معنى الخبر يعني ما فيه دعاء، لأن الدعاء هو الإنشاء، هو ما دعا هنا ما دعا باللفظ، وإنما اللفظ ظاهره ماذا؟ ظاهره الخبر، يعني الذي يعلق تميمة فالله لا يتم له، هذا معنى هذا اللفظ. لكن ذكر الشراح أن في اللغة العربية قد يؤتى باللفظ الخبر ويراد به الدعاء، ويراد به الدعاء، مثل هذا، يعني قوله: «فلا أتم الله له» أي: اللهم لا تتم له مقصودة، كأنه يدعو عليه. فإذا هذا اللفظ يحتمل أن يكون دعاء عليه أو أن يكون خبر، وكل المعنيين صحيحان: أي من علق هذه التميمة إما أنه يخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن الله لا يتم له مقصودة، وإما أن أراد النبي صلى الله عليه وسلم بذلك الدعاء عليه، أي: اللهم لا تتم له مقصودة، لا تتم له مقصودة. وهذا تجده كثيراً في القرآن وفي السنة، في القرآن وكذلك في السنة. مثل الذي ينشد في المسجد، فقولوا له: «لا ردها الله عليك»، «لا ردها» هذا خبر، هذا خبر لأن «لا» هنا نافية، «لا ردها الله لك» فهي بمعنى الإنشاء، يعني كأنك تدعو أن الله لا يردها عليك. أمثلة كثيرة وردت بهذا المعنى في القرآن وكذلك في السنة. وقوله: «ومن تعلق ودعة»، الودعة هي أشياء تأخذ من البحر كالأصداف، تجد مثلاً أحجاراً كريمة تخرج من البحر أو أصدافاً خفيفة جميلة صغيرة، يأخذها البعض ويعلقها لدفع العين أو لذهاب الألم أو نحو ذلك، فهذا أيضاً تدخل في هذا المعنى المتقدم. وقوله: «فلا ودع الله له» أي: لا تركه الله في دعه، أي في سكون، الدعه هنا بمعنى السكون والراحة وكذلك عدم الألم ونحو ذلك. فهذا يقال فيه ما قيل في ما قبله: أي إما أنه خبر بمعنى لا يجد سكون من يفعل ذلك، لا يجد سكون ولا دعه، وإما دعاء: اللهم لا تجعله في دعة وسكون، قد يكون هذا وهذا. قوله: «فقد أشرك»، هذا قلنا على تفصيل: «من تعلق تميمة فقد أشرك»، هل هو الشرك أكبر أو الأصغر؟ على التفصيل المتقدم: إن اعتقد أنها تؤثر بذاتها فهذا شرك أكبر، إن اعتقد أنها تؤثر بذاتها دون الله عز وجل فهذا شرك أكبر، وإلا إنما اعتقد أنها سبب مجرد فهي شرك أصغر. وهذا الحديث فيه تصريح بأن تعليق شيء من التمائم أو الحلق أو نحو ذلك من الشرك صريح، لأنه قال: «من تعلق تميمة فقد أشرك»، فقد أشرك. طيب، إن شاء الله انتهاء الوقت، نكتفي بهذا، وإلى هنا والله.