الدرس في شرح كتاب التوحيد 155، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يبدأ الشرح بتوضيح حديث عروة بن عامر وأحكام التطير والفأل، مع بيان علل الحديث وتصحيحه. يُظهر أن الحديث ضعيف الإسناد لكن له دلالة صحيحة مدعومة بأدلة أخرى.
يتناول تحذير النبي من الطيرة والتشاؤم، ويوضح الفرق بين الطيرة والفأل. يُبين أن الفأل الحسن بدون سبب مقبول بينما التفاؤل بفتح المصحف عشوائيًا غير جائز.
يُفصل في أن الإيمان بالقضاء والقدر هو المعتقد الصحيح لرد الطيرة، حيث يُعزز علاقة العبد بالله ويُزيل التشاؤم، ويمنح القلب الطمأنينة والراحة.
ينتهي الشرح بدعاء بأن ينفع الله بما قيل، ويليه صلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه، معبرًا عن الختام والرغبة في نيل البركة.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال مؤلفنا -رحمه الله تعالى-: ولأبي داود عن عقبة بن عامر، وصوابه عروة بن عامر، ليس عقبة، وإنما عروة، عن عروة بن عامر قال: ذكرت الطيرة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أحسنها الفأل، ولا ترد مسلمًا، فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك. أورد المؤلف -رحمه الله تعالى- هذا الحديث في معرض كلامه عن التطير وعن أحكامه وعن مسائله. وهنا -رحمه الله- يذكر لنا ما رواه أبو داود في سننه من حديث عروة بن عامر. وهذا الحديث -إخواني في الله- من أوائل المسائل النظر إلى صحته وما يتعلق بالكلام على إسناده. فـهذا الحديث جاء من طريق حبيب بن أبي ثابت عن عروة بن عامر. وهذا الحديث قد تكلم فيه العلماء من جهتين اثنتين. الجهة الأولى: أولًا في رواية عروة هذا عن نبينا صلى الله عليه وسلم، هل هي من قبيل المتصل أم من قبيل المرسل؟ هل عروة هذا من عداد الصحابة أم لا؟ هنا اختلف العلماء في هذه المسألة، فذهب جماعة من أهل العلم إلى عده من الصحابة، فحديثه متصل. ومن أهل العلم من أنكر أن يكون عروة هذا من الصحابة، كما فعل ذلك الإمام المزي -رحمه الله- وجماعة. فهذه علة في الحديث، إذا قيل: إن عروة ليس بصحابي، فحديثه ليس متصلًا بل مرسل. العلة الثانية: وهي رواية حبيب بن أبي ثابت عن عروة. رواية حبيب بن أبي ثابت عن عروة، ذكر العلماء أن حبيبًا هذا مدلس، وها هو يعنعن، وعنعنة المدلسين مؤثرة. وحبيب مدلس وقد عنعن، وهذه علة ثانية. ولهذا أشار الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى- إلى أن رواية حبيب هذه منقطعة، أن رواية حبيب هذه منقطعة. ولهذا -أخواني في الله- للعلة الأولى والثانية يتضح معنا أن هذا الحديث لا يصح. ولهذا الشيخ الألباني -رحمه الله تعالى- أعل هذا الحديث وضعف هذا الحديث للعلة الموجودة. لكن على القول بضعفه، إلا أن معنى الحديث بشكل عام صحيح، فقد دلت عليه الأدلة. فهذا الحديث في أوله: أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكرت له الطيرة، ذكرت له الطيرة، فقال عليه الصلاة والسلام: أحسنها الفأل، ولا ترد مسلمًا. جعل نبينا أن الفأل من الطيرة، مع أن هناك فرق قد أشرنا في درس سابق: الفرق بين الطيرة وبين الفأل. الطيرة هو التشاؤم، وفي الأمور المكروهة تستوحش منها، تجعلها نحسًا. أما التفاؤل: على عكس، ويأشياء تتفاءل منها. فالتشاؤم والتطير في المكروهات، والتفاؤل في المحبوبات. فكيف في هذا الحديث جعل نبينا أن الفأل من الطيرة؟ فمما يجمع في هذه المسألة، قال العلماء: الجمع بينهما أن الطيرة وأن التفاؤل ليس له سبب، ليس له حقيقة. وهذا هو الصحيح، ليس له حقيقة وليس له سبب. وقد أشرنا إلى هذه المسألة عندما تحدثنا عن التفاؤل. ليس هناك شيء يمكن أن تجعله سببًا لجلب الخير، كما أننا نمنع الناس أن يجعلوا أسبابًا يعتقدونها أنها تجلب الشر عليهم من النحس والتشاؤم. بالمقابل نمنع الناس أنهم يتخذوا أشياء يظنونها أنها تجلب لهم الخير بحجة التفاؤل. فالتفاؤل ليس هو سبب، إنما هي حالة، حالة يستغلها الإنسان فيما هو قادم عليه. يستغلها كما قلنا: رجل أراد أن يتزوج، أراد أن يسافر، فوجد أن الجو مهيئ لذلك، فيزداد نشاطًا، فقط يزداد حسن ظن بالله. فتجد أن الفأل فيه من الخيرة، مع أنه ليس أنك تستنتج سببًا تنشئه تعتمد عليه، هذا ليس بصحيح. وقد أشرنا إلى أخطاء الناس في هذا الباب. ومما يذكر كذلكم من الصور الخاطئة في باب التفاؤل: ما يفعله بعض الناس من فتح المصحف. لقد أشار إلى هذه المسألة شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: أن بعض الناس إذا أراد أن يقدم على أمر يقول: اسمع بيني وبين كتاب الله. يقول: كيف؟ يقول: أنا سأفتح المصحف على أي ورقة، على أي ورقة، فأنظر في وسطها، فإذا كانت الآيات تبشر بخير سأمضي على بركة الله. ذكر شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-: أن هذا نعم قد وقع فيه النزاع عند المتأخرين في العمل بهذا النوع من التفاؤل، لكنه نقل عن السلف أنهم ما كانوا يفعلون هذا. والشيخ ابن عثيمين -رحمه الله تعالى- يشدد النكير على هذا الأسلوب من أن الإنسان إذا أراد أن يتفاءل بأمر أتى بالمصحف ويقول: خلاص أفتح المصحف على صفحة عشوائية، وأنظر بما فيها، وعلى الله، وعلى الله، وأنظر ماذا في المصحف؟ هل هذا صحيح؟ شيخ ابن عثيمين -رحمه الله تعالى-: أن هذا يجعل فعله كفعل أهل الجاهلية، لا يجوز. فلا تصمع شيئًا يا عبد الله تظن أنه يجلب لك الخير، كما أنه لا تسمح لنفسك بأن تتخذ أشياء تجلب لك الشر. فالحاصل: أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل أن الطيرة كما أنها لا تجوز، كذلك الفأل لا يجوز إن كان قائمًا على سبب. أما إن كان من غير سبب فلا بأس من غير السبب. كما إنسان أراد أن يذهب إلى مكان فوجد الجو مهيئًا، أراد مثلًا أن يبرم اتفاقية، فسأل عن القاضي أو عن العاقد، فإذا بيّن أن اسمه حسن، فاستبشر بالخير، كما فعل نبينا في صلح الحديبية، قال: أتاكم سهيل، سهل الله أمركم. هو قادم، هو قادم، هو قادم، قادم، ما رده، وإنما استبشر بقدومه. فتجد أن الفأل الحسن يعطيك دافعًا إلى الاستمرار، وانشراح صدر، وقبل هذا وذاك يعطيك حسن ظن بالله جل وعلا. وفي هذا الحديث كذلكم ما ذكره نبينا صلى الله عليه وسلم بقوله: ولا ترد مسلمًا. الطيرة، الطيرة لا ترد مسلمًا، لأن الطيرة أصلا من فعل الكفار، هم الذين يتشاؤمون بالأشياء. لهذا ليست من صفات أهل الإسلام. بل إن الإنسان كلما ترفّع عن الطيرة فإن ذلك يزيد في إيمانه. ومن هنا كان من صفات السبعين ألفًا الذي يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب ولا عقاب ولا شيء، مباشرة من الحشر إلى الجنة. صنف من الناس حباهم الله بالمنزلة العلية، سبعون ألفًا يدخلون الجنة مباشرة من غير حساب ولا عذاب. من صفتهم: ولا يتطيرون، ما عندهم شيء اسمه تشاؤم. هذه من صفات المؤمن، ما يتشاءم لا بزمان، لا بمكان، لا بأصوات، لا بمعلومات، لا بأضواء، لا بأشخاص، لا بشيء، لا يتعلق بشيء، هذا كمال إيمانه. فإن ابتليت -كما يبتلى بعض الناس- مما تعلق قلبه سابقًا أو مما يسمعه أو مما ألفه، فوقع في قلبه التشاؤم، إن وقع، امض، امض، امض، ولا تبالي بالذي وقع في نفسك، هذا من هواجس الشيطان. لأن الطيرة لا ترد المسلم، لا تردك فيما أنت قادم عليه. قدمت على سفر فوقع أمر تكرهه، لا تبالي به، ولا تكترث له، تمضي -عبد الله- ولا يسوءك شيء. ثم أشار نبينا إلى مسألة على هذا الحديث، قال في قوله عليه الصلاة والسلام: وإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك. هذا الدعاء ضعيف، لأن الحديث ما صح. هذا الذكر ما صح في باب رد الطيرة، لكن المعنى صحيح، وهو أن تعتقد هذا، وهو أن من أعظم أسباب رد الطيرة، وأنك تغلق باب التشاؤم من أوله إلى آخره، أن تعلم -عبد الله- أن الأمور بيد الله، من قبل ومن بعد، ليس لهذه الأشياء تعلق بها لا من قريب ولا من بعيد. فالأمور كلها بيد الله، خيرًا وشرًا. قل: اللهم مالك الملك، تؤتي الملك من تشاء، وتنزع الملك ممن تشاء، وتعز من تشاء، وتذل من تشاء، بيدك الخير، إنك على كل شيء قدير. هذه عقيدة، عقيدة يا عبد الله، أنت تعلم كل ما يجري في الكون، خيرًا أو شرًا، من سلم أو حرب، من صحة أو مرض، من غنى أو فقر، أو صحة أو سقم، كل شيء بيد الله. إذن من أين جاءتك الطيرة حتى تقدم أو تؤخر أو تؤثر في نفسك؟ ومما يجعلك -يا عبد الله- تزداد بعدًا من الطيرة: أن تؤمن بالقضاء والقدر، وتعلم أن الله جل وعلا هو الذي قدر عليك الأقدار. أقول: الذي قدر عليك الأقدار في يوم الأربعاء الذي يتشاءم منه أناس، كما ذكرنا عن بعض المجتمعات: إيش اليوم؟ قالوا: اليوم ربوع، والشر مرفوع، تشاؤمهم. فإذا وقعت مصيبة في هذا اليوم، قال: أخبرناكم ربوع، ربوع، نعوذ بالله من شر هذا اليوم، نعوذ بالله. لا تعلق الحادثة لأجل هذا اليوم، هذا يوم من أيام الله، لا يقدم ولا يؤخر، لا الأربعاء، ولا السبت، ولا الأحد، ولا الاثنين، لا شهر رمضان، ولا شهر صفر، كلها أيام من أيام الله. من الذي يقدر فيها الأقدار؟ هو الله جل وعلا. فتؤمن أن ما ابتليت به من مرض أو من شدة أو من حرج أو من قلة أو من ضعف أو من فقر، اعلم أنها بيد الله سبحانه وتعالى. هذا ماذا؟ مفاده: أنك ستزداد تعلقًا بالله. لكن قل لي: بالذي يتعلق بهذه المشؤومات، ما الذي سيزيد تعلقه؟ سيزيد تعلقه بالأسباب، سيضعف توكله على الله. ومن هنا كانت الطيرة شركًا، كما سيأتي معنا: الطيرة شرك، من أسباب شركها أنها تقطع علاقة العبد بالله. فأصبح الإنسان منذ أن يصبح إلى أن يمسي وهو ينظر حوله: ما هي الأصوات التي حوله؟ من هم الأشخاص الذين سيقابلهم؟ من الأسماء الذين سيستضيفهم؟ ما هي الألوان؟ ألوان البشر، أليس يدخلون عليه؟ فلا يزال قلبه متعلقًا بالأسباب، أين تعلقه بالله؟ صفر على الشمال. هذه من مشائم ومن أضرار التشاؤم. لهذا -يا عبد الله- اعتقد، وهذا الحديث إن كان الدعاء ضعيف، لكن المعنى صحيح: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، سبحانك، الأمر من قبل ومن بعد. ومن هنا كان المسلم إذا أصيب بشيء من أعظم ما يصاب به من الآلام، فعليه أن يتسلى بقضاء الله وقدره، فهي تهون عليه ما في قلبه. كما قال سبحانه: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾. ذهب جماعة من المفسرين من السلف إلى أن هذه الآيات في حق الرجل يصاب بمصيبة، فيعلم أنها من عند من؟ من عند الله، أثرها يهدي الله قلبه، يعطيك الله الطمأنينة والراحة، وستمر هذه المصيبة بكل أريحية، ولن تؤثر فيك، ولن تضرك؛ لأنك أظهرت توحيدك لله. وكان من دعاء المؤمنين: قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا، هو مولانا، فإذا كان المسلم دائمًا يتعلق بقضاء الله وقدره في كل أحواله، والله ما وجد للتشاؤم فيه مدخلًا. ولهذا الإنسان يفتش في توحيده وإيمانه، وخاصة في مثل هذه المواقف، الطيرة والتشاؤم منها، من خلالها تحدد -يا عبد الله- مقدار إيمانك بربك جل وعلا. فالشاهد: كما قلنا: الحديث وإن كان فيه ضعف من حيث الإسناد، والدعاء فيه لا يثبت، إلا أن المعنى صحيح لعمومات الأدلة. فأسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.