شرح أسماء الله الحسنى 39

الدرس في شرح أسماء الله الحسنى 39، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

اسم الله العليم ومعناه

المقطع الأول يتناول اسم الله 'العليم' من أسماء الله الحسنى، وشرح معنى الاسم وأنه يعني علم الله الشامل لكل شيء في الكون. ورد الاسم في أكثر من مئة وخمسين موضعا في القرآن الكريم.

مقتضيات الإيمان باسم الله العليم

المقطع الثاني والثالث يتناولان مقتضيات الإيمان باسم الله العليم، حيث يبين أن العلم المطلق لله وحده، وأهمية إثبات مرتبة العلم لله، والإخلاص في العمل، وطلب العلم الشرعي، والتوسل إلى الله باسمه العليم.

الدعاء بالتوفيق للإيمان والعلم النافع

المقطع الأخير ينتهي بدعاء الله أن يجعلنا من المؤمنين حق الإيمان بالله العليم، وأن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح، ويتضمن الصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد، فمن أسماء الله الحسنى التي ذكرها الشيخ العلامة محمد صالح بن عثيمين رحمه الله تعالى في كتابه "القواعد المثلى" اسم الله جل وعلا "العالم". ذكر الشيخ رحمه الله تعالى "العالم" من أسماء الله جل وعلا الحسنى، واستدل له بقوله جل وعلا: ﴿وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾، أي أنه جل وعلا العالم الذي علم كل شيء سبحانه وتعالى. وهكذا بمعنى اسم الله "العالم" "العليم"، قد ذكره الشيخ رحمه الله تعالى. واسم الله جل وعلا "العليم" ورد في أكثر من مئة وخمسين موضعا في كتاب الله جل وعلا. كما ذكر بعضها للعلم، اسم الله "العليم" ذكر في أكثر من مئة وخمسين موضعا في كتاب الله جل وعلا. ومن هذه النصوص التي ورد فيها اسم الله جل وعلا "العليم" قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾، قال جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، قال جل وعلا: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. واقترن اسم الله جل وعلا "العليم" باسمه جل وعلا "الحليم"، قال جل وعلا بعد ذكره لبعض أقسام الميراث: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾. واقترن اسم الله جل وعلا "العليم" باسمه جل وعلا "الحكيم"، قال جل وعلا: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. واقترن اسمه جل وعلا "العليم" باسمه جل وعلا "الخبير"، قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾، قال جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾. قال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾. واقترن اسمه جل وعلا "العليم" باسمه جل وعلا "القدير"، قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾، ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾. وكذلك اقترن اسمه جل وعلا "العليم" باسمه جل وعلا "الواسع"، قال جل وعلا: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾. واقترن اسمه جل وعلا "العليم" باسمه جل وعلا "الشاكر"، قال جل وعلا: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾. واقترن اسمه جل وعلا "العليم" باسمه جل وعلا "السميع"، قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. واقترن اسمه جل وعلا "العليم" باسمه جل وعلا "الخلاق"، قال جل وعلا: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾. واقترن اسمه جل وعلا "العليم" باسمه جل وعلا "العزيز"، قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾. واقترن اسمه جل وعلا "العليم" أيضا باسمه جل وعلا "الفتاح"، قال جل وعلا: ﴿ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾. فهذه بعض المواضع في كتاب الله جل وعلا التي ذكر فيها اسم الله جل وعلا "العليم" مفردا ومقرونا بغيره. وفي سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام ثبت عند أبي داود والترمذي من حديث عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «من قال بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم ثلاث مرات لم تصبه فجأة بلاء حتى يصبح، ومن قالها حين يصبح لم تصبه فجأة بلاء حتى يمسي». وفي استعاذته عليه الصلاة والسلام كان يقول: «أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم»، «أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم». ومعنى اسم الله جل وعلا "العالم" و"العليم" يقول من قيم رحمه الله تعالى في نونيته في ذكره لاسم الله جل وعلا "العليم": «وهو العليم أحاط علمه بالذي في الوجود من سر ومن إعلاني»، قال: «وبكل شيء علمه سبحانه فهو المحيط وليس ذا نسياني». وكذلك يعلم ما يكون في غد وما قد كان والموجود في ذا الآن، وكذلك أمر لم يكن لو كان كيف يكون ذا إمكاني. فبين رحمه تعالى أن اسم الله جل وعلا "العليم" أي الذي علم كل شيء في الكون سبحانه وتعالى، علم السر والإعلان والسر والنجوى والظاهر والباطن. وهكذا علم جل وعلا ما يكون في الغد وما قد كان في الماضي وما يكون في المستقبل وما يكون في الحاضر، وهكذا يعلم جل وعلا الأمور التي لم يقدر أنها تكون لكن لو قدر أنها تكون فهو جل وعلا يعلمها كيف تكون. قال السعدي رحمه الله تعالى في شرحه لاسم الله "العليم الخبير": «العليم أي الذي أحاط علمه بالظواهر والبواطن وبالسر والإعلان وبالواجبات والمستحيلات والممكنات وبالعالم العلوي والسفلي وبالماضي والحاضر والمستقبل، لا يخفى عليه شيء». فالعليم جل وعلا قد علم كل شيء، أحاط علمه بكل شيء بالظواهر وبالبواطن وبالسر وبالإعلان وبالواجبات والمستحيلات والممكنات. قال جل وعلا: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾، فعلمه وسع كل شيء كما أن رحمته وسعت كل شيء. وهكذا قال جل وعلا: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾، وقال جل وعلا: ﴿وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾. وقال جل وجل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾. قال جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾. وقال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَلَا يَظْهَرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾، ﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾. قال جل وعلا: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾. وقال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. فالله جل وعلا يعلم كل شيء، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، فعلمه جل وعلا محيط بكل شيء سبحانه وتعالى. وهذا في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، في حديث عبد الله بن مسعود في الصحيحين قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو الصادق المصدوق: «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات: يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد». ففيه بيان علم الله جل وعلا الشامل لكل شيء. وللإيمان باسم الله جل وعلا "العالم" و"العليم" مقتضيات، فمن مقتضى الإيمان التعبيد لله جل وعلا باسمه "العالم" وباسمه "العليم" سبحانه وتعالى. أولا: إثبات العلم المطلق لله جل وعلا "العليم" وحده لا شريك له، فالعلم المطلق إنما هو للعليم العالم جل وعلا وحده لا شريك له. من زعم أنه يعلم شيئا مما هو من خصائص الله جل وعلا فهذا قد كفر وأشرك بالله جل وعلا. فمن ادعى علم الغيب أو ادعى شيئا مما يختص بعلم الله جل وعلا وأنه ليس لأحد إلا له جل وعلا فقد أشرك بالله جل وعلا، لأنه لا يعلم الغيب إلا رب العالمين "العليم" "الحكيم" وحده لا شريك له. قال جل وعلا: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾. فالعلم المطلق لله جل وعلا، وعلم الغيب لله جل وعلا. فإذن الدجالون من الكهنة والمشعوذين والسحرة والرمالين والقراء على الفنجان والذين ينظرون في النجوم ويزعمون أنهم يعلمون الغيب، وغير ذلك كل من ادعى شيئا من علم الغيب فقد كفر وأشرك بالله جل وعلا. وما آمن بأن الله جل وعلا هو "العليم" "العالم" الساحر، وما آمن بأن الله "العليم" الكاهن، والدجال والمنجم والرمال كل هؤلاء لم يؤمنوا بأن الله جل وعلا هو "العليم". إذ مقتضى الإيمان باسم الله جل وعلا "العليم" وأنه "العليم" جل وعلا أن يكون هو المتفرد بعلم الغيب لا شريك له. وهؤلاء يزعمون أنهم يعلمون الغيب مع الله جل وعلا، إذن ادعاؤهم علم الغيب يناقض إيمانهم بأن الله جل وعلا هو "العالم" وأنه "العليم" جل وعلا. ومن مقتضى الإيمان والتعبد لله جل وعلا باسمه "العالم" و"العليم" إفراده جل وعلا بالعلم، وإثبات مرتبة العلم التي هي أحد مراتب القدر. فالقدر له أربعة مراتب: الإيمان بالعلم الأزلي لله جل وعلا، ثانيا الكتابة، الثالث المشيئة، المرتبة الرابعة الخلق. هذه مراتب القدر، أول المراتب العلم، فمن لم يثبت مرتبة العلم لله جل وعلا السابق وأنه جل وعلا قد علم ما كان وما يكون وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، فهذا لم يؤمن بالقدر. ويكون كافرا بالله جل وعلا، ولذلك لما ظهرت القدرية في آخر عهد الصحابة في البصرة كما جاء في حديثهم في صحيح الإمام مسلم، وهو أول حديث في ذكر هذه الطائفة القدرية، كفرهم الصحابة. قال عبد الله بن عمر لأولئك الذين جاءوه من البصرة: «إذا لقيت هؤلاء فأخبرهم أني منهم بريء وأنهم مني برآء»، والذي يحلف به عبد الله بن عمر: «أنه لا يؤمن أحدكم حتى يؤمن بالقدر خيره وشره». ثم ذكر حديث جبير بن نفير عن أبيه في ذكر الإيمان وأحد مراتب الإيمان وهو الإيمان بالقدر. فلابد من الإيمان بمرتبة العلم السابق، فمن لم يؤمن بمرتبة العلم فهو كافر. ولذلك أنكرت القدرية حديث عبد الله بن عمر بن العاص، كفر بهذا الحديث وجحده، حتى لو سمعه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما قبله، ولو سمعه من رب العالمين لما قبله. ولقال: «ما على هذا خط امتناعنا»، لأنه قاصمة الظهر للقدرية، لأن فيه بيان أن الله جل وعلا قد علم كل شيء قبل أن يكون. والقدرية إنما يقولون: الله جل وعلا إنما يعلم الأشياء بعد وقوعها، أما قبل وقوع الأمور فلا يعلمها الله، إنما إذا وقعت علمها. وهذا يناقض إثبات العلم الكامل والمطلق لله سبحانه وتعالى. فلا بد من إثبات مرتبة العلم لله جل وعلا. ومن مقتضى الإيمان والتعبد باسمه جل وعلا "العالم" "العليم" الإخلاص والتقوى والخشية والإنابة والخوف من الله سبحانه وتعالى. إذا علم العبد أن "العليم" جل وعلا مطلع عليه، يعلم أحواله، يعلم سره وباطنه، ظاهره وباطنه، يعلم سره ونجواه، يعلم أحواله كلها، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. فهذا يقتضي الإخلاص في العمل والإحسان في العبادة والخشية. فاسم الله جل وعلا "العليم" أكبر واعظ نزل إلى الأرض، كما يقول العلامة محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى: «أكبر واعظ وأعظم زاجر نزل إلى الأرض هذا الاسم، وهو اسم الله جل وعلا "العليم"». وهو اسم الله جل وعلا "العليم". فكيف يتجرأ الناس على انتهاك محارم الله؟ وكيف كذلك يقعون في الريب فيما يتعلق بشرع الله جل وعلا وبرب العالمين سبحانه وتعالى؟ فأعظم واعظ وأكبر زاجر للعبد أن يعلم أن الله جل وعلا هو "العليم" مما يدفعه إلى الإخلاص وإلى الإحسان وإلى الابتعاد عما لا يرضي "العليم" جل وعلا وإلى الخشية وإلى تقواه سبحانه وتعالى. ومن مقتضى الإيمان باسم الله جل وعلا "العالم" و"العليم" أن يكثر الإنسان من العبادات والأعمال الصالحة، وأن يكون من المسارعين في مرضاة الله جل وعلا ومن المتنافسين ومن المتسابقين في مرضاة الله جل وعلا. لماذا؟ لأن العبد علم أن الله جل وعلا هو "العليم" وأنه جل وعلا يعلم أحواله. وقد جاءت آيات في كتاب الله جل وعلا فيها بيان علمه سبحانه وتعالى بأعمال العباد، والمراد بذكر علمه جل وعلا بأعمال العباد أنها محل جزاء، وأنه سيجازي هؤلاء العاملين. مثل ما قال جل وعلا: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾. فائدة الإخبار من الله جل وعلا بأنه يعلم نفقات العباد ونذور العباد: أن العبد يعلم من الله جل وعلا أنه يعلم هذه الأعمال التي يعملها، ومعنى ذلك أن الله جل وعلا سيجازيه. فعلمك عبد الله بأن الله جل وعلا يعلم أعمالك ويعلم ما تقدم به من نفقات ومن نذور ومن أعمال صالحة، وأن الله جل وعلا يعلمها ولا يخفى عليه شيء. والمراد من ذلك أن يكون هذا دافعا لك، يخبرك الله جل وعلا "العليم" بأنه يعمل هذه الأعمال، وهو لا شك لا يخفى عليه شيء، لكن المراد أن يكون هذا دافعا لك وعونا لك على الإكثار من الأعمال الصالحات والإخلاص في عبادة الله جل وعلا. إذا علمت أن ذلك غير ضائع عند الله جل وعلا "العليم"، وسيجازيك الله جل وعلا بذلك. ومن مقتضى الإيمان باسم الله جل وعلا "العالم" و"العليم" أن يجتهد الإنسان في طلب العلم، علم العقيدة، العلم بالله جل وعلا، العلم الشرعي الذي يحبه الله سبحانه وتعالى. ف"العليم" جل وعلا "العالم" يحب من عباده العلماء، يحب من عباده العلماء، فهو "العليم" جل وعلا الذي يحبه العلماء. ولذلك كان أعلم الناس بربهم جل وعلا الأنبياء، وكان على رأس الأنبياء رسول الله عليه الصلاة والسلام محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، فكان أخشى الناس لله وأعلمهم بالله جل وعلا. ولذلك كان العلماء هم أهل خشية الله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾. ولذلك كان العلماء هم أشهد الخلق على عباد الله جل وعلا، بل أشهدهم الله جل وعلا على أعظم مشهود وهو توحيده سبحانه وتعالى. شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط، لا إله إلا هو العزيز الحكيم. وهكذا كان أهل العلم العلماء الذين هم أعلم الناس بالعليم جل وعلا هم أهل الرفعة: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾. وهم شهداء الله جل وعلا في الأرض، وهم شهداء هذه الأمة يوم القيامة على الأمم كلها، كما قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾. فإذا من مقتضى إيمان العبد باسم الله جل وعلا "العالم" و"العليم" أن يكون من الذين يطلبون العلم الشرعي الذي يحبه "العالم" "العليم" جل وعلا. ومن مقتضى الإيمان والتعبد لله جل وعلا باسمه "العالم" و"العليم" أن يخلص العبد في العبادة، وأن يتوسل إلى الله جل وعلا باسمه "العالم" "العليم"، وأن يجعل ذلك وأن يحقق ذلك في قوله وعمله، وكذلك في جوارحه حتى يظفر بثواب "العالم" "العليم" جل وعلا. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن آمن بأنه "العليم" جل وعلا حق الإيمان، وأن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.