الدرس في شرح كتاب التوحيد 156، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح الحديث النبوي "الطيرة شرك" ويوضح أنواع الشرك المتعلقة بالتشاؤم، وأن جعل شيء سببا للشر دون دليل يعد شركا أصغر. كما يشير إلى أن التوكل على الله يمكن أن يزيل التشاؤم.
يشرح سبب حذف عبارة في حديث نبوي لأدب الكلام وتجنب ذكر ما يكره، ويبين أهمية اختيار الكلمات الطيبة وتجنب الإفصاح بما قد يؤثر على النفس أو الغير.
يشير إلى انتهاء الدرس مع الدعاء والتسليم، ويظهر احترام وتقدير للرسول محمد وعائلته وصحابته، ويؤكد أن الله تعالى هو الأعلم.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، لازلنا في هذا الباب الذي بوب عليه المؤلف رحمه الله بقوله: باب ما جاء في التطير. وأشرنا أن التطير بمعنى التشاؤم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وله من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه مرفوعا: «الطيرة شرك، الطيرة شرك، وما منا إلا، ولكن يذهبه الله بالتوكل». قال: رواه أبو داود والترمذي وصححه، وجعل آخره من قول ابن مسعود. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث الذي فيه الكلام عن الطيرة، فيقول عليه الصلاة والسلام في مطلع الحديث حاكما على الطيرة بقوله: «الطيرة شرك، الطيرة شرك». فها هنا نبينا صلى الله عليه وسلم أوجد لنا الحكم وأثبت الخبر الذي لا مناص منه، وبهذا نعلم أن مسألة التشاؤم بالأسباب وبالأشياء أنها من أعمال المشركين، وأن من وقع فيها فقد وقع في الشرك. لكن ينبغي أن نعلم أن العلماء ذكروا أن التشاؤم يكون شركا على أحد قسميه، إما من الشرك الأكبر وإما من الشرك الأصغر. فالشرك يختلف من حالة إلى حالة، قد يكون التشاؤم من الشرك الأكبر المخرج من الدين والملة إذا اعتقد صاحبه أن هذا الشيء استقلالا يؤثر، أن هذا الشيء استقلالا يؤثر بذاته، يؤثر بنفسه، أن هذا الحيوان -هذا البومة- هو بنفسه هو الذي يجلب الشر، يجلب الشر، أو أن تلكم الحالة وهذا الصوت هو الذي بنفسه مستقل بذاته يجلب علينا شرا. إذا اعتقد الإنسان هذا الاعتقاد فقد وقع في الشرك الأكبر؛ لأن الله عز وجل هو المقدر، ليست الحيوانات ولا الأسباب ولا الأشياء. فمن اعتقد في شيء ما كائنا ما كان أنه مؤثر بنفسه مستقيل بذاته يجلب الشر للخلق، فقد أشرك بالشرك الأكبر. وقد يكون التطير والتشاؤم من الشرك الأصغر إذا اتخذ سببا وهو ليس بسبب، اتخذ سببا وهو ليس بسبب، كما قلنا: بعض الناس يربط الشر ببعض الأسباب. فلما ننظر في هذه الأسباب نراها أنها لا تعلق لها بالشر لا عقلا ولا شرعا. انتبهوا لهذه: أحيانا بعض الناس يجعلون أسبابا، هذه الأسباب تجلب الشر، هو لا يقول: إن هذا الشيء يأتي بالشر، لا يقول: إن الضار والنافع هو الله جل في علاه، لكن هذا سبب من أسباب الشر. فإذا نظرنا إلى هذا السبب وجدناه أنه لا سبب، لا شرعي، من أدلة شرعية دلت على أنه سبب، ولا أنه عقلي كوني أنه سبب. إذا من أين جئت بهذا؟ كما مثلنا إخواني في الله: البومة، صوت الغراب، رؤية الأعور، يوم الأربعاء، شهر صفر، هذه الأشياء أعدها الناس أنها من الأشياء سبب من أسباب الشر. السؤال: ما الدليل على أن هذا الشيء سبب عقلي أو شرعي؟ ونعرضه عقلا: ائتني: أن صفر عقلا يأتي بالشر، ما عندك دليل حتى عقلا كونا، أو أن مرور البومة تأتي بالشر، وإذا مرت بغبغاء ما تأتي بالشر، واش علاقة البوم بالبغبغاء حتى تجلب خير أو شر عقلا؟ ما يعقل الإنسان هذا. وهكذا الشرع دل على أن هذه الأسباب ليست لها علاقة. فإذا وجدنا أن إنسانا ما جعل شيئا ما سببا من أسباب التشاؤم، قل: وقعت في الشرك الأصغر. والشرك الأصغر -إخواني في الله- يعد من المحرمات، لا تستهين به، يعد من المحرمات. وقد أخطأ بعض العلماء وحكموا على هذا النوع من التشاؤم بأنه مكروه، كما ذكر ذلك ابن مفلح رحمه الله تعالى عن بعض الحنابلة: أنه وجد أن بعض الحنابلة يقول عن هذا النوع أنه مكروه. واستغرب ابن مفلح هذا الكلام جدا، قال: ومتى كان الشرط مكروها؟ ومتى؟ وعنى ابن مفلح من الحنابلة: ومع ذلك مرتضى قول أصحابه الذين قالوا بأن هذا النوع من أنواع التشاؤم مكروه، بل عاب هذا عليهم وخرج له بمخرج آخر، قال: إلا إذا أردتم أن الكراهة كراهة تحريمية، نعم يقبل قولكم، وإلا الطيرة شرك، إما أكبر وإما شرك أصغر -بين قوسين- محرم من كبائر الذنوب لا يستهان به. هذا في قوله عليه الصلاة والسلام: «الطيرة شرك». ثم قال: «وما منا إلا». هنا «إلا» أداة استثناء، استثناء لماذا؟ هذا الكلام وهذا الكلام محذوف، قدر هذا الكلام العلماء كالمنذري وجماعة أتوا بالكلام المحذوف، قالوا: والكلام المحذوف هو: «الطيرة شرك، وما منا إلا يقع في قلبه شيء من التطير». هذا التقدير: «يذهبه الله بالتوكل». لماذا الحديث جاء بحذف هذه العبارة؟ قال العلماء: من باب الأدب، من باب الأدب في الكلام، أن الشيء الذي يكره ذكره لا تذكره، الشيء الذي يكره وهو الكلام بالشر؛ لأن معنى الحديث: «الطيرة شرك، الطيرة شرك، وما منا إلا يقع في قلبه شيء من التطير، لكن يذهبه الله بالتوكل». هذه العبارة ما هي طيبة، وهو أن نقر على أنفسنا بشيء من السوء هو واقع من حيث الوقوع، هو واقع، لكن من باب كمال الأدب. ليس كل شيء تذكره، وهذا -أخواني في الله- ما يسمى بلباقة الكلام، عندما تتكلم مع شخص ما، ليس الذي في قلبك على لسانك تتلفظ به، أحيانا تأتي بعبارة أخرى، مثل ما إذا أراد شخص ما أن يتكلم بمسائل العشرة الزوجية، يكفي أن يقول: «وإذا أتى الرجل أهله». عبارة واضحة ما فيها أي خجل، فما أنت محتاج لأن تأتي بكلمة عامية فجة فضة، تقول: وإذا فعل الرجل كذا وكذا، لا تأتي، ما فيه داعي، هذا من الذوق. ومن هنا كان كثير من فعل رسول الله وأحاديثه أنه يختار الكلمات الطيبة، هذا من أدب الكلام، أو أحيانا أنت لا تستبدل كلمة بكلمة، أو تحذف العبارة كلها تحذفها، لا تأتي بها إذا كان الكلام واضحا. مثال: تتحدث أو تريد أن تتحدث مع الشخص عن حادثة ما، وأنت تخشى أن ذكر الحادثة تؤثر على صاحبك، وأنت محتاج أن تتكلم في هذا الموضوع، فقل له مشيرا: قل يا أخي وأنت تعرف الحادثة، الحمد لله الذي حصلت، تمشي، صاحبك قد عرف الموضوع وعرف الحادثة، ما أنت تحتاج أن تقول: الحادثة التي مات فيها ابنك، والذي انقلبت فيها السيارة، ما فيه تشغل قلبه وتخرج ماضيه، وأنت كله بإمكانك تحذف العبارة، قل: يا أخي وأنت تعرف الحادثة، الحمد لله الذي صارت، نستفيد منها، تذكر أشياء. فالإنسان -إخواني في الله- في كلامه مع الغير يكون لبقا، وهذا الحديث من هذا الباب. فذكر العلماء أن هذا الحديث فيه حذف عمدا، لماذا؟ لأنه مما يكره ذكره، أنك تصرح بنفسك بالسوء، «وما منا إلا يقع في قلبه تطير»، كان ما في، دعني أذكرها، ولهذا حذفت في الحديث: «الطيرة شرك، الطيرة شرك، وما منا إلا»، ولكن مباشرة استدراك: «ولكن يذهبه الله بالتوكل». هذا معنى الحديث. فقوله عليه الصلاة والسلام: «ولكن يذهبه الله بالتوكل»، أي: أن هذه الأشياء هي نعم حاصلة، والناس متفاوتون، هي حاصلة، أحيانا الإنسان لا يقول: إن الطيرة هي مصدر الشر، حاشا، حاشا، ولا يقول: إن الطيرة سبب للشر، حاشا، ولا يقول: أنها قد تؤثر، حاشا، لكن يبقى شيء من أثرها في نفسه، مثل رجل قد تعلم التوحيد وأراد أن يبرهن للناس أن التشاؤم خيال، فقال: إن شاء الله يا شيخنا، قالوا: ونحن في شهر صفر، قالوا: ستزوج يا رجل، أنا سأتجوز في صفر حتى أبعد عن الناس هذه الضلالة التي في العقول. ولما أراد أن يقدم قام العامة يرقبوا، الله ما وجدت إلا صفر، صفر، يعني أشهر، الله ضاقت عليك الأوقات والأعمار قصرت، ما تختار إلا هذا، خيقدموا إلى آخره، قال: لا أنويد صفر، طيب، هو سيقدم على الزواج، وفي قلبي نسبة، نبض صفر، صفر، طيب، هذا الشيء الذي يقع في النفس، هل يؤثر؟ الجواب: ما يؤثر، بشرط أنك لا تلتفت إليه، هو وقع من حيث الوقوع، يقع، والنفوس البشرية ضعيفة، أحيانا يقع هذا. واحد من تصبح الصبح وأنت ناوي على سفر، فما أصبحت إلا بالخبر في التواصل: مات فلان، لا أحاول أكلمه، وبعدها بساعة مات فلان، لا أحاوله، ولا أقول: أصبحنا على الوفيات، وأنت قادم على سفر، وقع شيء في نفسك، لكن اقدم وامشي، قال رسول الله: «يذهبه الله بالتوكل». طيب السؤال: أنت قد أمضيت قدما وملتفت، لكن هذا الذي وقر في قلبك، هل يؤثر؟ الجواب: ما يؤثر، ولا يضرك؛ لأن هذه من الأشياء النفسية التي يبتل بها الإنسان، وهو خواطر النفس، بشرط أن لا تؤثر فيك، ولا تصدك، ولا تكون شاغلا لك، ولا في بالك. وهذا -إخواني في الله- أحيانا هذه الهواجس التي تهجم على الإنسان، والإنسان يدافعها يؤجر عليها، يؤجر عليها، مثال ما جاء في أمر الوسواس، عندما أخبر الصحابة رضي الله تعالى عنهم نبينا عما يجده أحدهم من الخطرات، من هجوم الشيطان عليهم بالوساوس، حتى قال أحدهم: يا رسول الله، والله والله لئن يخرج أحدنا من السماء، ولا يتجرع على أن يتلفظ بالذي في خاطره، ما نستطيع، أمر عظيم، والشيطان يلعب بنا، هذا ليس في حق هذا الأرض المتأسفل، بل كلنا، ما منا من أحد إلا ويدخل الشيطان من قلبه من شق ويخرج من شق آخر، يلعب بنا بالهواجس، بمسائل الخلق والبعث، والمسائل الكثيرة من الهواجس يأتي، لكن ندفعها دفعا. فقال بعض الصحابة: يا رسول الله، على أن مثل هذه الخواطر ما هي عظيمة في ذات الله وفي قدر الله، لكن لئن يخرج أحدنا من السماء، وذن يتجرع على قولها، فماذا قال نبينا؟ ما دامهم، قال: «هذا صريح الإيمان»، هذا صريح الإيمان، قال: في رواية: «الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة»، هذا منكم مجاهدة الشيطان، أراد أن يفعل بنا أعظم من ذلك، أراد أن نشكك، أراد أن نتردد، أراد أن نعبر عن هذه الإشكالات، لكن ما وجد الشيطان منا إلا الصرامة والسكوت والرضا بحكم الله. فقال نبينا: «الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة»، وفي رواية: «ذاك من صريح الإيمان». فدل على الذي يهجم عليك يا عبد الله ويجد منك الصد وعدم الالتفات، مثل مسائل التطير، هذا تقدم على شيء، يأتيك الهاجس النحس، التشاؤم، لكن ترده بالتوكل على الله، أسوأ هذا الهاجس يضرك، لا يضرك، ولا تؤثم عليه؛ لأنه خاطر، ولأنك لم تلتفت إليه. فقال عليه الصلاة والسلام: «ولكن يذهبه الله بالتوكل». مسألة أخيرة -إخواني في الله- وهي: هذا الحديث الذي سمعتموه ينبغي أن نقسمه إلى قسمين: قسم قاله عليه الصلاة والسلام، وقسم لم يقله نبينا، الحديث: «الطيرة شرك، الطيرة شرك»، هنا أقفل القوس، وقل: حديث قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم، انتهينا، هذا قوله، هذا قوله. طيب، والعبارة: «وما منا إلا ويذهب ولكن يذهبه الله بالتوكل»، الصحيح من أقوال العلماء من المحققين: أن هذا ليس من قول رسول الله عليه الصلاة والسلام، وإنما من قول من؟ قالوا: من قول عبد الله بن مسعود، هذا هو القول الصحيح، والذي عليه جماعة من المحققين، صرح بذلك الإمام البخاري، صرح بذلك الإمام الترمذي، صرح بذلك الإمام المنذري، صرح بذلك الحافظ بن حجر، أئمة بيّنوا على أن هذا الحديث لابد أن يفهم بهذا الفهم: «الطيرة شرك، الطيرة شرك»، هذا فقط قوله عليه الصلاة والسلام. وأما ما زاد: «وما منا إلا، لكن يذهبه الله بالتوكل»، هذا من قول ابن مسعود. وهل معنى هذا أن الصحابة كانوا يتطيرون؟ الجواب: لا، أشرنا، إنما أعنى ابن مسعود بقوله: «وما منا إلا»، أي: وما منا إلا وقد يقع في نفسه شيء من أثر الطيرة، لكن من أثر الطيرة قد يقع، لكن لا نلتفت إليه، وهذا لا يضرهم. وأخيرا -إخواني في الله- من فوائد الحديث: التأكيد على مسائل الشرك، بقوله: «الطيرة شرك، الطيرة شرك». وأهم من ذلكم -إخواني في الله- هذا الحكم، وما هو الحكم؟ شرك، من الذي قال: «الطيرة شرك»؟ هو نبينا عليه الصلاة والسلام. فلو وجدنا أن رجلا ما تطير، ماذا يقال في حقه؟ يقال: يا عبد الله، أنت أشركت، هذه الكلمة: أنت أشركت، عندنا أقوام هنا في أزماننا لربما أشعل الدنيا نارا، أيش؟ تقول: فلان أشرك؟ يقول: نعم، فلان أشرك، هذا ليس من قولي أنا، هذا من قول نبيك عليه الصلاة والسلام، قال: «الطيرة شرك». فأسألك -يا فلان ابن فلان- لو جئت أنت الآن أمام هذا الحديث: «الطيرة شرك»، ثم أشرت بيدك إلى أناس من بلدة فلانية وأصبحوا يتطيرون بالأزمان والأماكن والأوقات والأحوال والأفعال، ماذا ستحكم عليهم؟ يقول: هذا وقعوا في مخالفة، لا، لا، لا، لا، لا تقول لي مخالفة، أريد الحكم الشرعي، ما الذي وقعوا فيه؟ هؤلاء ما سينضغطون لكلمة شرك، أنت أعلم، أنت أنزه من رسول الله، نبيك قد قالها: «الطيرة شرك». وهذه مسألة -إخواني فينا- ينبغي أن نفهمها القاصي والداني، وأن الشرك حاصل في الأمة، الشرك حاصل بهذه الأفعال التي حكم عليها نبينا أنها شرك. فنحن أننا نبتكر أو نشتهد، ولأن هؤلاء يحتاجون أن ينزهوا الشريعة على حد زعمهم، وأنا لما نكفر، لا، ما كفرنا أحد، وما أشركنا أحد، إنما هذه أحكام شرعية، ينبغي أن تمرر على بابها، من حكم عليه الشرع بالكفر كفر، ومن حكم عليه بالشرك فقد أشرك، أما أن يأتي من يأتي من الخلوف ويشنع على أهل السنة والجماعة ويقول: أنتم تكفرون، وأنتم تشركون الناس، لا، والله، ما أشركنا أحد، لكن ننزل الأحكام على أصحابها. فإذا وجدنا أحدا مثلا يعتقد أن البومة أو أن شهر صفر أو أن الأربعاء هو الذي بيده الشر والنحس والتشاؤم، قل له: يا عبد الله، قد وقعت في الشرك، لنص نبينا، ولقوله عليه الصلاة والسلام. إلى هنا، والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.