الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 5، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
الفقر له درجات، أولها فقر الزهاد الذي يتمثل في فراغ اليد والقلب من الدنيا. علامات هذه الدرجة عدم التعلق بالدنيا والاكتفاء بما عند الله.
الزهد الحقيقي هو اعتبار الدنيا وسيلة وليست غاية، ويختلف بين أهل السنة والمتصوفة. زهد أهل السنة تعلق بالله مع الأخذ بالأسباب.
الولادة الحقيقية تعني التخلص من التعلق بالدنيا، وهناك فرق بين الولادة الحسية وولادة الروح. الحفاظ على النسبين الحسي والمعنوي مهم للوصول إلى العبودية لله.
الله تعالى يضرب مثلاً للمؤمن والكافر في هدايته وضلاله. المؤمن له نور بينما الكافر في ظلمات، ويُزين الله تعالى للكافرين أعمالهم السيئة.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام بن القيم رحمه الله تعالى في كتابه النافع الماتع «طريق الهجرتين وباب السعادتين»: قال، تفسير الدرجة الأولى من الفقر. قال: قوله «الدرجة الأولى: فقر الزهاد»، وهو نقض اليدين من الدنيا ضبطًا أو طلبًا، وإسكات اللسان عنها ذمًّا أو مدحًا، والسلامة منها طلبًا أو تركًا. وهذا هو الفقر الذي تكلموا في شرفه. فحاصل هذه الدرجة فراغ اليد والقلب من الدنيا، والذهول عن الفقر منها والزهد فيها. وعلامة فراغ اليد: نفض اليدين من الدنيا ضبطًا أو طلبًا، فهو لا يضبط يده مع وجودها شحًا وظنًا بها، ولا يطلبها مع فقدها سؤالًا وإلحافًا وحرصًا. فهذا الإعراض والنفض دالٌ على سقوط منزلتها من القلب، إذ لو كان لها في القلب منزلة لكان الأمر بضد ذلك. وكان يكون حاله الضبط مع الوجود لغناه بها، وكان يطلبها مع فقدها لفقره إليها. وهذه علامة من علامات افتقار العبد لربه وخالقه سبحانه وتعالى، واستغنائه به سبحانه وتعالى عما سواه. فقلبه فارغٌ من الدنيا، ويده كذلك. وليس معنى هذا الفراغ أن لا يكون لها حظ. ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾، فلا تنسى نصيبك من الدنيا الذي تعيش به كريمًا. «فاليد العليا خير من اليد السفلى»، ولكن المعنى أن تكون هذه الدنيا ليست هي القصد، بل تتخذها وسيلة للوصول إلى الآخرة. ومن كان هذا حاله فإنه فقيرٌ إلى الله، غنيٌ به عما سواه. وعلامة ذلك وبرهانه أنه لا يضره إقبال هذه الدنيا وإدبارها. إن أقبلت حمد الله، وإن أدبرت كذلك حمد الله سبحانه وتعالى، لأنه يعلم أن الخير فيما يختاره الله سبحانه وتعالى له. فعند ذلك لا يبالي بإقبالها وبإدبارها، ويعلم علم اليقين أن ما يختاره الله له خيرٌ مما يختاره لنفسه. فلا مكان للدنيا في قلبه، ولا كذلك هو حريصٌ عليها بيده. ولا يعني ذلك ألا يتسبب في الاستعانة بها في الوصول إلى ما يحبه الله من الآخرة. وفرقٌ بين الأمرين. وعلامة الثاني: من قلبه ملئت بالدنيا، ويده مشغول بها، أنه يقدمها على مرضات الله وطلب ما عند الله. فلذلك هي تزاحم في قلبه عبوديته لله سبحانه وتعالى وافتقاره إليه. فهو لم يستغني بالله عما سواه. وهذه المزاحمة دليلها وبرهانها المزاحمة في طلب الآخرة. فلذلك حصلت المزاحمة في القلب وفي اليد. وأما من افتقر إلى الله واستغنى به عما سواه، لا تحصل له أدنى مزاحمة لا في القلب ولا في اليد. قال رحمه الله تعالى: «وأيضا من أقسام الفراغ: إسكات اللسان عنها ذمًّا أو مدحًا، لأن من اهتم بأمر وكان له في قلبه موقع، اشتغل اللسان بما فاض على القلب من أمره مدحًا أو ذمًّا. فإنه إن حصلت له مدحها، وإن فاتته ومنعها ذمها». وذمها علامة موضعها من القلب، لأن الشيء إنما يذم على قدر الاهتمام به والاعتناء بشفاء الغيظ منه. وكذلك تعظيم الزهد فيها إنما هو على قدر خطرها في القلب، إذ لو لا خطرها وقدرها لما صار للزهد فيها خطر. وكذلك مدحها دليل على خطرها وموقعها من قلبه. فإن من أحب شيئًا أكثر من ذكره. فصاحب هذه الدرجة لا يضبطها مع وجودها، ولا يطلبها مع عدمها، ولا يفيض من قلبه على لسانه مدحًا لها يدل على محبتها، ولا يفيض من القلب على اللسان ذمًّا يدل على موقعها وخطرها. فإن الشيء إذا صغر أعرض القلب عنه ذمًّا أو مدحًا. وهذه علامة أخرى: أن القلب مشغول بما عند الله، فهو مفتقر إلى الله، غني بما عنده عما سواه. فلذلك فإنه ليس للدنيا مكان لا في قلبه ولا في يده، لا ذمًّا ولا مدحًا. لماذا؟ لأنه مشغول بما هو أعظم منها. وكما قال رحمه الله: «فإن من علامة حب الشيء كثرة ذكره». فمن أكثر ذكر الدنيا في لسانه وفي قلبه وفي يده دل ذلك على حبه إياها. ومن تحسَّف وتغيَّض لفواتها فإنه كذلك كان هذا علامة على تعلُّقه بها. وأما من لم يبالي بها وانشغل بغيرها، فهو كالذي ليس في قلبه حب وتعلُّق. ولذلك من علامات الحب كثرة الذكر والتعلُّق. وهذه علامةٌ أخرى: فمن أحبَّ الله وتعلَّق بالله، إن شغل به عما سواه. ولا يعني ذلك كما تقدَّم وتكرَّر ألا يأخذ منها ما يعينه للوصول إلى ما عند الله. فإنه مثل الزاد والراحلة للحاج، فهو يأخذ زادًا وراحلة وينفقها ويطلبها، ولكن يطلبها لماذا؟ للوصول إلى مرضاة الله. فإن أخذ زادًا وراحلة وتزوَّد بذلك وتسبَّب لتحصيل ذلك، إنما تزوَّد وتحصل وتسبَّب للوصول إلى مرضاة الله، لا لأجل الزاد والراحلة نفسها. فهو لم يجمع الزاد والراحلة لأجل الزاد والراحلة، وإنما جمع الزاد والراحلة لهدفٍ أسمى ومطلبٍ أعلى. فهي وسيلة وليست غاية. ومن كانت عنده الدنيا وسيلة لم يكن في قلبه فيها مكان، ولا كذلك تعلَّقَت في قلبه ولا في لسانه ولا في يده ذمًّا ولا مدحًا. وإنما جعلها معبرًا يعبر بها ويصل بها إلى ما يحبه الله سبحانه وتعالى. لأجل أن لا تختلط الأمور، ولهذا فهناك فرق بين زهد أهل السنة في الدنيا وبين زهد المتصوفة في الدنيا. فزهد أهل السنة هو تعلُّقٌ بالله مع الأخذ بالأسباب. وأما زهد المتصوفة فهو تواكل بتضيع الدنيا وتضيع الآخرة. فقلوبهم تعلَّقت بغير الله، وحياتهم كذلك صارت فيها تواكل واتكال على غير الله، فأضاعوا الدنيا والآخرة. قال رحمه الله: «وكذلك صاحب هذه الدرجة فانٍ عن النظر إلى تركها». وهو الذي تقدَّم من ذكر خطر الزهد فيها. لأن نظر العبد إلى كونه تاركًا لها زاهدًا فيها، تتشوَّف نفسه بالترك وتتلذَّذ به، دليلٌ على شغله بها. وهذه حال الصوفية، فإنهم يزعمون أنهم يتلذَّذون بتركها. وتلذَّذُّهُم بتركها دليلٌ على أنَّ لها مكانًا في قلوبهم. قالوا: «ولو على وجه الترك». وذلك من خطرها وقدرها. ولو صغرت في القلب لصغر تركها والزهد فيها. ولهذا تجدهم يبالغون في الدنيا والتزهيد فيها مُبالغةً تدلُّ على أنَّ لها مكانًا في قلوبهم. وأما من لم يكن لها مكان في قلبه ولا في يده ولا في حياته، فإنه غير مكترث بها أقبلت أو أدبرت. لأنَّه يعلم أنَّ الله العظيم هو الذي بيده كل شيء. فهو مُقبلٌ على الله، وما أتاه من الدنيا بأخذ أسبابها المشروع المأذونة أخذه، وما فاته لم يُغِضه ولم يتأسَّف ولم يحنق عليه، بل هو مشغولٌ بما هو أعظم من ذلك. فلا هو بالأول الذي طلبها وأهلك وقته وأفن عمره في طلبها، ولا هو بالثاني الذي بالغ كذبًا وزورًا بالتزهيد منها وتركها. فالأول مذموم والثاني مذموم، والوسط بينهما هو الممدوح. قال رحمه الله: «وليهتم القلب بمهمٍ من المهمات المطلوبة التي هي فاقات أهل القلوب والأرواح». لذهل عن النظر إلى نفسه بالترك والزهد. فصاحب هذه الدرجة معافى من هذه الأمراض كلها، من مرض الضبط والطلب والذم والمدح والترك. فهي بأسرها وإن كان بعضها ممدوحًا في العلم مقصودًا يستحق المتحقق به الثواب والمدح، لكنها آثارٌ وأشكالٌ مشعرةٌ بأن صاحبها لم يذق حال الخلو والتجريد الباطن، فضلاً عن أن يتحقق بشيءٍ من الحقائق المتوقع المتنافس فيها. فصاحب هذه الدرجة متوسطٌ بين درجتي الداخل بكليته بالدنيا قد ركن إليها واطمأن إليها واتخذها وطنًا واجعلها له سكنًا، وبين من نفضها بالكلية من قلبه ولسانه وتخلص من قيودها ورعونتها وآثارها، وارتقى إلى ما يسبي القلب ويحييه ويفرحه ويبهجه من جذبات العزة. فهو في البرزخ كالحامل المقرب ينتظر ولادة الروح والقلب صباحًا ومساءً. فإن من لم تولد روحه وقلبه ويخرج من مشيمة نفسه ويتخلص من ظلمات طبعه وهواه وإرادته، فهو كالجنين في بطن أمه الذي لم يرى الدنيا وما فيها. فلا بد من الولادة مرتين، كما قال المسيح للحواريين: «إنكم لن تليوا ملكوت السماء حتى تولدوا مرتين». ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم «أبًا للمؤمنين»، كما في قراءة أبي: «النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم». والمعنى أن أهل السنة وأهل الإيمان والعلم الحق هم وصف بين هاتين الطائفتين: من أقبل عليها فصار عبدًا لها، ومن بالغ في تركها فصار كذلك متعلقًا بها. فكلا الطائفتين صار لها تعلق سواء بالمجح أو بالذم. فهم في ظلمات، وهذه الظلمات هي التي أشار إليها: ظلمة النفس، وظلمة الطبع، وظلمة الهوى. فظلمة النفس تدفع إلى الإقبال والمبالغة، ودافع ذلك ظلمة الطبع: طبع متعلق بالدنيا فتطبع على ذلك. وظلمة الهوى بتتبع شهوات النفس، فلا يزال يهوى ويهوى ويهوى، فلا تقنع نفسه من تحصيل الدنيا. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو أن لابن آدم واد من ذهب لأحب أن يكون له واديان، ولا يملأ فاه إلا التراب». وهكذا من تعلقت قلبه في الدنيا لا يشبع ولا يقنع منها، لا تزال شهواته بالهوى الذي في النفس تطلب المزيد حتى صار طبعًا فيه، وهو عدم القناعة. وتدفعه إلى ذلك النفس الأمارة بالسوء، فهو في هذه الظلمات الثلاثة. وهكذا كذلك من بالغ في ذمها، فإنه في الحقيقة كما قيل: هي مرآة لما في القلب. فلما كان القلب منشغلًا بالدنيا أظهر الضد، فبالغ في الذم. وفي حقيقة الأمر هو ماذا؟ هو مشغول بها. ولذلك يبالغ في الذم كالذي لا يصل إلى شيء وهو يطمع فيه. فلما صار في قلبه طمع مع عدم الوصول إلى ذلك الشيء، صار يبالغ في الذم، علامة على انشغال ماذا؟ القلب بالمذموم باللسان المتعلق في القلب. ولذلك فإن من كان في هذه الحال وهذه الطريقة يحصل لهم من التناقض ما هو ظاهر، فيكون لهم باطن وظاهر. ظاهر: تزهد وتزهيد في الدنيا، وباطن: هو انشغال وكذلك إقبال على هذه الدنيا. فلذلك تكثر فيهم الخيانة والكذب في التزهيد في الدنيا. ولذلك هو لا يزال كذلك في ظلمة النفس وظلمة الطبع وظلمة الهواء. ومن وفقه الله للتخلص من هذة الطريقين السيئين المذمومين، فإنه هو الذي ولد. وذلك كما قال رحمه الله: «أنه أخذ بنصيحة المسيح». والمراد بهذه الولادة: الولادة بالتخلص من التعلق بالدنيا. فالولادة الأولى: الولادة الحسية التي يخرج منها الإنسان إلى هذه الدنيا، ليس لأجل الدنيا، ولكن لأجل يصل بها إلى الله سبحانه وتعالى. والولادة الثانية: هي ولادة الروح، بأن يخرج بروحه من التعلق بهذه الظلمات الثلاث، ليصل إلى الله سبحانه وتعالى وملكوته. فمن ولد هاتان الولادتان، صارت الدنيا معبرًا وليس الدار مستقرًا. ولهذا كانت الأبوة أبوتان: أبوة النسب التي بها أخرجت إلى هذه الدنيا، فلك أب في النسب، وهو الذي أوجد نطفتك فخرجت لهذه الدنيا، لا لتستقر فيها وإنما ماذا؟ لتمر بها إلى الله. فلولا هذا الأب الذي ولدت به لما خرجت إلى الدنيا، ولما اتخذتها وسيلة للوصول إلى من إلى الله وعبوديته. ولك ولادة أخرى، وهي ولادة ماذا؟ ولادة الروح، بأن تخرج روحك من عبادة الدنيا وظلمة الطبع والنفس والهوى إلى ملكوت الله عز وجل. وهذه هي أبوة الأنبياء، أبوة الأنبياء وأتباع الأنبياء. فلكل إنسان نسب: نسب حسي وهو ما يصل به إلى آدم، ونسب ماذا؟ معنوي، وهو ما يصل به إلى من كذلك إلى آدم. لكن نسبه المعنوي بطريق كله صالحين من عباد الله الصالحين. فأبوك الروحي هو شيخك الذي به تصل إلى من إلى الأنبياء، ثم تصل بهم إلى من إلى آدم عليه الصلاة والسلام. فتصل بهذا النسب الروحي إلى ماذا؟ إلى ولادة ترفعك من التعلق بالدنيا إلى العبودية لله وملكوت الله سبحانه وتعالى. فإذن احرص على المحافظة على هذين النسبين. النسب الأول هو نسبك بالولادة الحسية، فتعرف آباءك وأجدادك. أنت زيد ابن عمر ابن فلان ابن فلان ابن فلان، من قبيلة فلان إلى أن تصل إلى من إلى آدم. وأنت كذلك عندك نسب أعظم منه: إن أكرمكم عند الله أتقاكم. أنت فلان الذي شيخك فلان، وشيخه فلان، وشيخه فلان، إلى أن تصل إلى من إلى الصحابة، إلى النبي صلى الله عليه وسلم، إلى الأنبياء إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وقبله إسماعيل، إلى أن تصل إلى من إلى آدم. وهذه الولادة الثانية، وهذا هو قوله في هذه القراءة التفسيرية - وهي قراءة شاذة، ولكنها تفسيرية صحيحة، وإسنادها مختلف فيه. بعض أهل العلم يحسنه، وبعض أهل العلم يضعفه. وقد رويت بأساني ترتقي إلى الحسن، ولكنها قراءة تفسيرية -: «النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم». هذه الأبوة هل هي أبوة نسب؟ لا، إنما هي أبوة ماذا؟ أبوة الروح التي بها تصل إلى ملكوت الله سبحانه وتعالى. فاحرص على هاتين الولادتين، كما قال المسيح. وهذا المروي عن المسيح هو منقول في كتب أهل الكتاب. وكما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما نقل عنهم: لا نصدقهم ولا نكذبهم. ولكن بعض أهل العلم استأنس به في مثل هذا المقام. قال رحمه الله: «ولهذا تفرغ على هذه الأبوة أن جُعلت أزواجه أمهاتهم». فإن أرواحهم وقلوبهم ولدت به ولادة أخرى غير ولادة الأمهات، وهي ولادة ماذا؟ الأرواح إلى ملكوت الله سبحانه وتعالى. قال: «فإنه أخرج أرواحهم وقلوبهم من ظلمات الجهل والضلال والغي إلى نور العلم والإيمان وفضاء المعرفة والتوحيد». فشاهدت حقائق أخرى وأمورًا لم يكن لها بها شعور قبله. ومن حرم هذه الأبوة حرم الحياة الحقيقية. فالحياة حياتان: حياة توصلك إلى ملكوت السماوات والأرض الحقيقية بعبوديتك لله عز وجل، وهي الحياة الحقيقية. وحياة حسية يستوي فيها الحيوان والإنسان والبر والكافر والفاجر، الناس فيه سواء. وليست هذه هي المقصود، وإن المقصود الحياة الأولى. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾، هَلْ مُرَادَ الْحَيَاةِ الْحِسِّيَّةِ؟ لا، وإنما المراد الحياة المعنوية، وهي الحياة الحقيقية. ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾، هذا هو نور ماذا؟ نور العلم والإيمان والسنة. وهي بالأبوة المعنوية الروحية. ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾، ﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾، وهي ظلمة ماذا؟ الجهل والكفر والبدعة والمعصية وغيرها مما يبعدك عن ملكوت الله. ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾، ليس بخارجٍ منها. كذلك: ﴿زَيَّنَّا لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. إلى هنا والله تعالى أعلم.