طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 3

طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 3

الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 3، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مفهوم العبودية والافتقار إلى الله

يشرح مفهوم العبودية والافتقار إلى الله تعالى مستندا إلى كلام ابن القيم، ويبين أن كمال المخلوق يكمن في كمال عبوديته وافتقاره إلى ربه. يستدل بآيات قرآنية وأحاديث نبوية تشير إلى مناداة الله لنبيه بمقام العبودية في مواضع التشريف.

درجات الفقر والعبودية لله تعالى

يتناول درجات الفقر والعبودية لله، حيث يعتبر الأنبياء والرسل ومن اتبعهم بإحسان هم أكمل الخلق افتقارًا وعبودية لله. يشرح ثلاث درجات للفقر: فقر الزهاد، والرجوع إلى السبق بمطالعة الفضل، وصحة الاضطرار.

خطورة الاغترار بالملك المؤقت

يناقش حقيقة الملك المؤقت الذي يُمنح للعباد، ويوضح أن الاغترار بهذا الملك يؤدي إلى الحرمان والخسران، بينما الافتقار إلى الله يزيد من الغنى والعطاء. يؤكد أن كل عمل أو سعي لغير وجه الله تعالى هو باطل ومضمحل.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام أبو عبد الله محمد بن أبي بكر، المشهور بابن القيم، رحمه الله تعالى، في كتابه «طريق الهجرتين وباب السعادتين»: «قال: فضرورته صلى الله عليه وسلم إلى ربه وفاقته إليه بحسب معرفته به، وبحسب قربه منه ومنزلته عنده، وهذا أمر إنما لمن بعده منه ما يرشح من ظاهر الوعاء. ولهذا كان أقرب الخلق إلى الله وسيلة، وأعظمهم عنده جاها، وارفعهم عنده منزلة، لتكميله مقام العبودية والفقر إلى ربه عز وجل. وكان يقول لهم: أيها الناس، ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي، إنما أنا عبد. وكان يقول: لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله». ولا حديث -كما أشار في التعليق- هي أحاديث صحيحة، بعضها في الصحيح -البخاري وغيره-، وبعضها خارج الصحيح، وكلها صحيحة. والشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم أكمل الله له مقام العبودية، والتي هي أعظم المقامات للمخلوق. ولهذا ناداه الله عز وجل في أعظم مواضع التشريف بها؛ لأن كمال المخلوق بكمال عبوديته وافتقاره لربه وخالقه، كما سيأتي معنا إن شاء الله. ففي مقام الإسراء والمعراج ناداه بمقام العبودية، وهكذا في مقام الدعوة إلى الله ناداه بمقام العبودية، وفي مواجهة المخالفين ناداه بمقام العبودية، وغير ذلك مما يدل على أن من أشرف ما ينادى به المخلوق مقام العبودية. فكلما افتقر إلى الله عز وجل وتحقق هذا الافتقار على أكمل وجوهه، تحققت العبودية على أكمل وجوهها. وهذا هو كمال المدح للمخلوق، وهو كمال افتقاره إلى ربه وخالقه. فما أن كمال المدح للخالق كمال غناه باتصافه بالصفات العليا وتسميه بالأسماء الحسنى -صفات الجلال ونعوت الكمال الكاملة من كل وجه له سبحانه وتعالى، والتي هي معاني غناه سبحانه وتعالى المطلق-. قال رحمه الله تعالى: «وذكره الله عز وجل بسيمة العبودية في أشرف مقاماته». الصواب «في أشرف» ليس «أشر»، إنما «أشرف» في أشرف مقاماته: مقام الإسراء، ومقام الدعوة، ومقام التحدي. فقال سبحانه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾، وقال سبحانه: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾، وفي حديث الشفاعة: «إن المسيح يقول لهم: اذهبوا إلى محمد، عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر». فهنا في أشرف المقامات وصف ونعتى بالعبد. فكمال المخلوق بكمال ماذا؟ كمال عبوديته لربه وخالقه. وهذا هو الافتقار الذي ينبغي أن يصل إليه العبد. وكلما ازداد افتقارًا لله عز وجل ازداد عبودية لربه وخالقه سبحانه وتعالى. قال: «فنال ذلك المقام بكمال عبوديته لله، وبكمال مغفرة الله له». وتأمل قوله في الآية: «أنتم الفقراء إلى الله»، علق الفقر إليه باسمه «الله» دون اسم الربوبية؛ ليوذن بنوعي الفقر؛ فإنه -كما تقدم- نوعان: فقر إلى ربوبيته، وهو فقر المخلوقات بأسرها، وفقر إلى إلهيته، وهو فقر أنبيائه ورسله وعباده الصالحين. والأول هو الفقر الكوني -كما تقدم- افتقار المصنوع لصانعه وخالقه، لا فرق بين الكافر والمسلم، والبر والفاجر. والثاني الافتقار الشرعي الذي به يرتقي المؤمن عن الكافر، والبر عن الفاجر. فالأول لا يحتاج إلى طلب، والثاني يحتاج إلى سعي وطلب. فكلما أكمل العبد هذا الطلب كملت عبوديته لله سبحانه وتعالى باكتمال افتقاره. ولهذا كان الأنبياء والرسل ومن اتبعهم بإحسان من عباد الله الصالحين هم أكمل الخلق افتقارًا وعبودية لله عز وجل، باكتمال مطلبهم في هذا الباب، وهذا النوع من أنواع الافتقار والألوهية لله عز وجل. قال رحمه الله: «وهذا هو الفقر النافع، والذي يشير إليه القوم ويتكلمون عليه ويشمرون إليه، هو الفقر الخاص للعام». وقد اختلفت عباراتهم عنه، ووصفهم له. وكل أخبر عنه بقدر ذوقه وقدرته على التعبير. والمراد بالقوم: أي من يتكلمون عن الرحلة إلى الله والهجرة إليه سبحانه وتعالى من العلماء والأئمة والصالحين -سواء سماهم من سماهم بالأولياء أو أئمة التصوف أو غير ذلك أو أهل الزهد-، فعبارات متنوعة، في بعضها قصور، ولكن المقصود من يوضح السير إلى الله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله: «قال شيخ الإسلام الأنصاري -المراد به الهروي-: قال: الفقر اسم للبراءة من رؤية الملكة». وهو على ثلاث درجات: الدرجة الأولى: فقر الزهاد، وهو نقض اليدين من الدنيا -ضبطًا أو طلبًا-، وإسكات اللسان عنها -ذمًا أو مدحًا-، والسلامة منها -طلبًا أو تركًا-. وهذا هو الفقر الذي تكلموا في شرفه. الدرجة الثانية: الرجوع إلى السبق بمطالعة الفضل، وهو يورث الخلاص من رؤية الأعمال، ويقطع شهود الأحوال، ويمحص من أدناس مطالعة المقامات. الدرجة الثالثة: صحة الاضطرار، والوقوع في يد التقطع الوحداني، والاحتباس في قيد التجريد، وهو فقر الصوفية. قال: «فقوله: الفقر اسم للبراءة من رؤية الملكة، يعني أن الفقير هو الذي يجرد رؤية الملك لمالكه الحق، فيرى نفسه مملوكًا لله، لا يرى نفسه مالكًا بوجه من الوجوه، ويرى أعماله مستحقة عليه بمقتضى كونه مملوكًا -عبدًا مستعملاً فيما أمره به سيده-، فنفسه مملوكة، وأعماله مستحقة بموجب العبودية، فليس مالكًا لنفسه ولا لشيء من ذراته، ولا لشيء من أعماله، بل كل ذلك مملوك عليه مستحق عليه -كرجل اشترى عبدًا بخالص ماله، ثم علمه بعض الصنائع، فلما تعلمها قال له: اعمل وأدِّي إلي، فليس لك في نفسك ولا في كسبك شيء-، فلو حصل بيد هذا العبد من الأموال والأسباب ما حصل لم يرى له فيها شيئًا، بل يراها كالوديعة في يده، وأنها أموال أستاذه وخزائنه ونعمه -بيد عبده مستودعها متصرفًا فيها لسيده لا لنفسه-، كما قال: «عبد الله ورسوله وخيرة من خلقه»، «والله إني لا أعطي أحدًا ولا أمنع أحدًا، وإنما أنا قاسم أضع حيث أمرت». والمعنى أن افتقار العبد -مثل ما كمل- لم يرى من نفسه كمالاً، بل يرى كل كمال أوتيه إنما هو فضل نعمة من موهبها ومعطيها، وهو الله سبحانه وتعالى. فعند ذلك لا يرى في نفسه إكبارًا ولا كذلك حقًا، بل لا يزال يرى نفسه في محل تقصير؛ لأنه لا يملك لنفسه شيئًا، ولم يهب نفسه شيئًا، فنفسه وكل ما عنده هو محض هبة من الله سبحانه وتعالى، فيكمل الافتقار فتكمل العبودية. قال رحمه الله: «فهو متصرف في تلك الخزائن بالأمر المحضي -تصرف العبد المحضي الذي وظيفته تنفيذ أوامر سيده-، فالله المالك الحق، وكل ما بيد خلقه ومن أمواله وأملاكه وخزائنه أفاضها عليهم ليمتحنهم في البذل والإمساك، وهل يكون ذلك منهم على شاهد العبودية لله عز وجل، فيبذل أحدهم الشيء رغبةً في ثواب الله ورهبةً من عقابه وتقربًا إليه وطلبًا لمرضاته، أم يكون البذل والإمساك منهم صادرًا عن مراد النفس وغلبة الهوى وموجب الطبع، فيعطي لهواه ويمنع لهواه، فيكون متصرفًا تصرف المالك للمملوك، فيكون مصدر تصرفه الهوى ومراد النفس، وغايته الرغبة فيما عند الخلق من جاه أو رفعة أو منزلة أو مدح أو حظ من الحظوظ، أو الرهبة من فوت شيء من هذه الأشياء. وإذا كان مصدر تصرفه وغايته وهذه الرغبة والرهبة رأى نفسه -لا محالة- مالكًا، فادعى الملكة وخرج عن حد العبودية ونسي فقره». ولو عرف نفسه حق المعرفة لعلم أنما هو مملوك ممتحن في صورة مالك متصرف، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَعَلْنَاكُمْ خُلَفَاءَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾. فحقيقة الأمر أن الخطأ يقع بسبب هذا التصور الخاطئ. فما أجراه الله عز وجل على يد المخلوق ليس معناه أنه مالك له، بل الله عز وجل يستخلف الناس في هذا الملك المؤقت بعضهم بعضًا، ويتوارث بعضهم بعضًا. وهذا هو قوله سبحانه: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خُلَفَاءَ كُلُّ خَلَفٍ يَرِثُ مِنْ قَبْلِهِ﴾، فليس أحد مالكًا، ولو ملك فهو ملك ناقص مؤقت لا يدوم. والعاقل العارف يعرف أنه فقط مستعمل، فينظر كيف يستعمله الله عز وجل، وكيف يكون شأنه مع هذا الامتحان، كما قال سبحانه: ﴿لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾. فلذلك العاقل يكمل افتقاره إلى ربه وخالقه، ولا يغتر بشيء أتاه -لا رغبة ولا رهبة-، فهو يعلم أن المعطي هو الله، والآخذ هو الله، وأن مهما حصل من شيء من الغنى فإنما هو بسبب الله، فالمنة والفضل أولاً وآخرًا لله عز وجل وحده. قال: «وحقيق بهذا الممتحن أن يوكل إلى ما ادعته نفسه من الحالات والملكات مع المالك الحق سبحانه؛ فإن من ادعى لنفسه حالة مع الله وكل إليها، ومن وكل إلى شيء غير الله فقد أتيح له باب الهلاك والعطب، وأغلق عنه باب الفوز والسعادة؛ فإن كل شيء ما سوى الله باطل، ومن وكل إلى الباطل بطل عمله، وظل سعيه، ولم يحصل إلا على الحرمان. وهذا هو حقيقة الأمر؛ لأن العبد كلما افتقر إلى الله ازداد غناه، وكلما التجأ إليه زاده الله من عطائه وكرمه، وكلما اغتنى بنفسه وكله الله إلى نفسه الفقيرة التي لا تملك لنفسها نفعًا ولا ضرًا، وعند ذلك يحصل الحرمان، ويكون في أعظم خسران». قال: «فكل من تعلق بشيء غير الله إن قطع به أحوج ما كان إليه»، كما قال تعالى: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾، وقال تعالى: ﴿اتَّبَعْتُ مِلَّتَهُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾. فالأسباب التي تقطعت بهم هي العلائق التي كانت بغير الله ولغير الله، قطعت بهم أحوج ما كانوا إليها؛ وذلك لأن تلك الغايات لما اضمحلت وبطلت -إذ علت أسبابها وبطلت-، فإن الأسباب تبطل ببطلان غاياتها، وتضمحل باضمحلال آلها. ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾، سبحانك، فكل عمل باطل، فكل عمل باطل إلا ما أريد به وجهه، وكل سعي لغيره فباطل ومضمحل. وهذا كما يشاهده الناس في الدنيا من اضمحلال السعي والعمل والكد والخدمة التي يفعلها العبد لمتولٍ أو أمير أو صاحب منصب أو مال، فإذا زال ذلك الذي عمل له وعدمه ضل ذلك العمل وبطل ذلك السعي، ولم يبق في يده سوى الحرمان. فإذا كان هذا في الملك المؤقت في الدنيا، فكيف بما هو أعظم من ذلك مع ملك الملوك سبحانه وتعالى -من بيده كل شيء-؟ فالأمر يعظم والخسارة تكبر. قال رحمه الله: «ولهذا يقول الله تعالى يوم القيامة: أليس عدلا مني أن أولي كل رجل منكم ما كان يتولى في الدنيا». والحديث لم يصح مرفوعًا، ولكن المقصود توضيحها وتجليته هذا المعنى -أي افتقار العباد لله سبحانه وتعالى-. قال: «فيتولى عباد الأصنام والأوثان أصنامهم وأوثانهم، فتتساقط بهم في النار، ويتولى عابد الشمس والقمر والنجوم آلهتهم، فإذا كورت الشمس وانتثرت النجوم، إذ نحلت تلك العبادة وبطلت، وصارت حسرة عليهم. كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم، وما هم بخارجين من النار». طيب، نقف إلى هنا، ونترك الباقي إن شاء الله في درس لاحق، والله تعالى أعلم.