الخطبة بعنوان الأمل في الله، والتي كانت بمسجد السنة بدار الحديث بمنطقة طيبة بتاريخ 3 جمادى الأولى 1445هـ الموافق 17 نوفمبر 2023م ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتحدث عن تسلط الكفار على المسلمين ومكرهم لصدهم عن سبيل الله، ويشير إلى ضرورة توكل المسلمين على الله. يشدد على أن الله هو المتصرف في الأمور وبيده الرفعة والوضع.
يشرح أن الله يقلب الليل والنهار ويداول الأيام بين الناس كابتلاء لعباده المؤمنين، ويبين أسباب الهزيمة مثل الفشل والتنازع والمعصية وحب الدنيا.
يؤكد على وعد الله تعالى لنصرة المسلمين وتمكينهم في الأرض مستشهدا بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية، ويشدد على أهمية الأمل في الله تعالى.
يدعو الله عز وجل لنصرة المسلمين وإذلال الكافرين، ويطلب راحة المستضعفين في غزة وكل مسلم في الدنيا.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما. أما بعد، فإن خير الكلام كلام الله جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها الإخوة الكرام، الناظر في حال المسلمين والمتأمل في واقع هذا العالم يرى أن الكفار يتسلطون على أهل الإسلام، وأنهم يعملون الليل والنهار ويمكرون بالليل والنهار ليصدوا عن سبيل الله جل وعلا، وينفقون أموالهم لأجل أن يصدوا الناس عن دين الله جل وعلا، وأن يفسدوا أهل الإسلام ويبعدوهم عن دينهم. وإنما الأمر كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾، فربنا جل وعلا هو المتصرف في الأمور وهو المدبر لها جل وعلا. فينبغي للمسلم أن لا يدخله اليأس في قلبه من هذه أو من فشل بعض أهل الإسلام أو فشل المسلمين، فإنه لا ينبغي اليأس من أهل الإسلام، والواجب على أهل الإسلام أنهم يتأملون في ربهم جل وعلا ويوكلون أمرهم إلى الله ويلجأون إليه جل وعلا ويدعونه، فإنه بيده الأمور جل وعلا يدبر الأمر من السماء إلى الأرض، ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون. فربنا جل وعلا هو الذي يدبر الأمر سبحانه وتعالى، وكما قال الله عز وجل: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾، ذكر الإمام البخاري رحمه الله عن أبي الدرداء أنه قال في هذه الآية: كل يوم هو في شأن، قال: يغفر ذنبا ويفرج كربا ويرفع قوما ويضع آخرين. فالرفعة والوضع بيد الله جل وعلا، قل: اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء، بيدك الخير إنك على كل شيء قدير. فربنا جل وعلا هو الذي يقلب الليل والنهار، وهو الذي سبحانه وتعالى يرفع أقواما ويجعل لهم الغلبة على آخرين، ويضع آخرين، ربنا سبحانه وتعالى. فلهذا عباد الله، المتأمل فيما سلف من التاريخ يجد أن الله عز وجل رفع ناسا فترة من الزمن ثم وضعهم، ورفع أيضا آخرين ثم وضعهم، وهكذا تتداول الأيام بين الناس، وكما قال ربنا جل وعلا: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾. فلهذا عباد الله، هذه الآية نزلت بعد غزوة أحد لما حصل شيئا من الفشل من المسلمين وحصل شيئا من الغلبة للكفار في ذلك أو في تلك الغزوة، فلما حزن بعض أهل الإسلام وأيضا بكوا على موتاهم، فقال الله عز وجل: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. فربنا جل وعلا عباد الله هو الذي يسير الأمور بحكمته وخبرته، فهو القادر وهو الحكيم جل وعلا، فالواجب على المسلم أنه يعتقد في الله عز وجل وفي صفات الله سبحانه وتعالى، ويعلم علما يقينا أن المدبر لهذا الكون الرافع الخافض هو ربنا سبحانه وتعالى. فمن اعتقد هذا الاعتقاد العظيم فلا يدخله اليأس، بل يكون في نفسه أمل، يتأمل الخير من الله جل وعلا، ويعلم علما يقينا أن هذه الأرض لله يرثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين. عباد الله، فإن ربنا جل وعلا كما قلنا في صدر الإسلام نصر الله عز وجل الإسلام بعد ضعف، في غزوة بدر كانوا أذلة وكانوا ضعفاء، لكن نصرهم الله عز وجل على الكفار، فهزم الكفار شر هزيمة. وكذلك جاءت أحد فحصلت أولا الغلبة لأهل الإسلام، ثم حصل منهم فشل كما قال ربنا جل وعلا: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾. فربنا جل وعلا ذكر في هذه الآية أن الفشل وأن هذه الغلبة التي كانت للكفار حصلت بسبب أربعة أسباب: الفشل والتنازع والمعصية وحب الدنيا. فربنا جل وعلا يبين في هذه الآية أن من أسباب الهزيمة هذه الأسباب الأربعة، فالواجب على المسلم أن يتجنب هذه الأسباب. وهذا كما قلنا أراد ربنا جل وعلا أن يبتلي عباده المؤمنين، ويعلمهم أن هذه الدنيا دول، وأن هذا الغلبة لا تكون دائما لشخص أو لقوم، وإنما قد يهزمون. ولهذا يقول نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما جاء في البخاري عن أنس قال عليه الصلاة والسلام: «ما ارتفع شيء إلا وضعه الله عز وجل». فربنا جل وعلا له الحكمة البالغة جل وعلا، فقد يجعل أقواما لهم الرفعة في زمن من الأزمان، ويضعهم في زمن من الأزمان. انظر إلى صدر الإسلام، هزم أهل الإسلام في أحد بعد فوزهم في بدر، ثم جاءت الأحزاب وأفشل الله عز وجل مخطط الأحزاب وخذلوا وهزموا وغلبوا أشد غلبة وأشد هزيمة، حتى قال النبي عليه الصلاة والسلام: «اليوم نغزوهم ولا يغزون». ثم حصل شيئا من الفشل في بداية حنين، لكن الله عز وجل بعد ذلك جعل الغلبة للمسلمين وجعل الفوز لهم، رضي الله تعالى عنهم. وهذا كله أمر الله جل وعلا، ومن ثم بعد ذلك ما دخل المسلمون معركة مع الكفار إلا وكانوا هم الغالبين لهم، إلا كانت الغلبة للمسلمين، وهكذا في زمن الخلفاء وتوسعت رقعة الإسلام. فلهذا عباد الله، كل ذلك يبين لك أيها المسلم أن الأمر لله جل وعلا، فلهذا فشرح صدرك لله واطمئن بقلبك لله جل وعلا، واجعل أملك بالله سبحانه وتعالى، وأن الله عز وجل ناصر دينه، وأن الله عز وجل سيعلي هذه الأمة كما أخبر ربنا جل وعلا. نسأل الله جل وعلا أن يغفر لنا وأن يرحمنا، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فلا شك ولا ريب عباد الله أن ربنا جل وعلا سيعلي هذه الأمة ويكون النصر لها ويكون العزة لهذه الأمة، لأن الله عز وجل قد وعد هذه الأمة بالرفعة والسناء، قد وعد هذه الأمة بالنصر على أعدائهم. فلهذا جاءت الآيات والأحاديث بالوعد بالنصر والغلبة على الكفار، فإن ربنا جل وعلا قد قال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾. فجاءت أحاديث كثيرة عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تبشر بهذا الأمر، منها ما جاء في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمر ومن حديث أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن هذا الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء». وكذلك عباد الله، جاء عند أحمد وابن حبان من حديث أبي بن كعب وصححه الشيخ الألباني رحمه الله أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «بشر هذه الأمة بالسنى والرفعة والدين والنصر». فالواجب أيها الإخوة الكرام أننا نأمل في الله عز وجل الخير، ونترك اليأس لرفعة الكفار في هذه الأيام وتسلطهم على أهل الإسلام، فإن الله عز وجل سيهزم أولئك الكفار، وسيجعل الغلبة والنصر والعلو والاقتدار لأهل الإسلام. نسأل الله جل وعلا أن يعز أهل الإسلام والمسلمين، ويدل أهل الكفر والكافرين، ونسأل سبحانه وتعالى أن يرحم المستضعفين في غزة وأن يعافيهم وأن يفرج كربتهم، ونسأل سبحانه وتعالى أن يفرج على كل مسلم في هذه الحياة، والحمد لله رب العالمين.