الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 95، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش الشيخ ابن بريك رحمه الله بطلان قول الجبرية والقدرية في حق الله تعالى، ويبين أن عقيدة أهل السنة تثبت لله كمال الربوبية والألوهية والأسماء والصفات. البدع والأهواء تؤدي إلى تعطيل هذه المعاني.
يناقش المقطع آراء الجبرية ويبين فسادها من خلال إثبات مشيئة العبد وإرادته بجانب مشيئة الله. التوحيد الصرف يكون بإثبات صفات الله كما ورد في القرآن والسنة.
يصف المقطع صفات الله تعالى وأسماءه الحسنى مثل البصير والسميع والقدير، ويبين كمال قدرته وعلمه وسمعه وبصره. بعض الآيات والأحاديث تدل على هذه الصفات.
الاعتقاد الصحيح يؤدي إلى اكتمال أسباب الحمد وتحقيق العدل في حق الله وشرعه وقدره. العبد يحقق العدل في فعله ومواقفه وأقواله بمقتضى الدليل.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرة، طريق الهجرتين وباب السعادتين»: «وإنه ليس داخل العالم ولا خارجه، ولا فوقه ولا عن يمينه ولا عن يساره ولا خلفه ولا أمامه، ولا متصلًا به ولا مفصلًا عنه، ولا مماثلًا له ولا مباينًا، ولا مستويًا على عرشه، ولا هو فوق عباده ولا عالٍ عليهم، وحض العرش منه حض الحشوش الأخلية، ولا تنزل الملائكة من عنده، بل لا ينزل من عنده شيء، ولا يصعد إليه شيء، ولا يقرب منه شيء، ولا يقرب من شيء، ولا يحب ولا يحب، ولا يلتد المؤمنون بالنظر إلى وجه الكريم في دار الثواب، فليس له وجه يرى، ولا له يد يقبض بها السماوات وأخرى يقبض بها الأرض، ولا له فعل يقوم به، ولا حكمة تقوم به، ولا كلم موسى تكليمًا، ولا تجلى الجبل فجعله دكًا هشيما، ولا يجيء يوم القيامة لفصل القضاء، ولا ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا فيقول: من يسألني فأعطيه، ولا أسأل عن عبادي غيري، ولا يفرح بتوبة عبده إذا تاب، ويشير للحديث: «هل من سائل؟» ولكن هذا ببعض رواياته، كما أشار بالتعليق. والمقصود من هذا أنه يريد أن يبين أن عقيدة أهل السنة والجماعة أوجبت حمدًا صحيحًا واعتقادًا عادلًا؛ لأنهم وصفوا الله عز وجل بما يستحقه، واعتقدوا أنه جل وعلا الخالق والإله الحق، فأثبتوا له كمال معاني الربوبية والألوهية والأسماء والصفات. وعند ذلك اجتمعت لهم من المحامد ما لم يجتمع لغيرهم من أهل البدع والأهواء. وأما أهل البدع والأهواء الذين من بعض قولهم هذا الذي أشار إليه رحمه الله، فكيف يمكن أن تكون عندهم معاني محامد؟ كيف يمكن أن تكون معاني المحامد مع هذا التعطيل الذي جعلوه في حق الرب سبحانه وتعالى في معاني ربوبيته ولوهيته وأسمائه وصفاته وسائر أفعاله؟ وهذا من شؤم البدع. قال رحمه الله: «ويجوز بحكمة تعذيب أنبيائي ورسلي وملائكتي وأهل طاعته أجمعين من أهل السماوات والأراضين، وتنعيم أعدائه من الكفار به والمحاربين له والمكذبين له ولرسله، والكل بالنسبة إليه سواء، ولا فرق عنده إلا أنه أخبر أنه لا يفعل ذلك، فامتنع للخبر بأنه لا يفعله، لا لأنه بنفسه منافٍ لحكمته». وهذا غاية الباطل والضلال الذي لا يقر به لا شرع ولا عقل. فكيف يقال: إنه يجوز مثل هذا بحق الله سبحانه وتعالى؟ وإنما هذا لأجل أن يبين لمن يعقل أن منتهى قول من ضل في باب القدر -القدري النفاة أو الجبرية- هو هذا. قال: «ومع ذلك فرضاه عين غضبه، وغضبه عين رضاه، ومحبته كراهته، وكراهته محبته، إنه إلا إرادة محضة ومشيئة صرفة، يشاء بها لا لحكمة ولا لغاية ولا لأجل مصلحة». وهذا كذلك من الباطل قول جبرية وغيرهم. ومع ذلك يعذب عباده على ما لم يعملوا، ولا قدرة لهم عليه، بل يعذبهم على نفس فعله الذي فعله هو وينسبه إليهم، ويعذبهم إذ لم يفعلوا فعله، ويلومهم عليه. ويجوز في حكمته أن يعذب رجالًا إذ لم يكونوا نساء، ونساء إذ لم يكونوا رجالًا، وطوالًا إذ لم يكونوا قصارًا، وبالعكس؛ لأن هذا منتهى قول هؤلاء: أن ما يكون من الإنسان من صفات مخلوق بمثل خلق ما به في جسده. وهذا من أبطل الباطل. قال: «وسودًا إذ لم يكونوا بيضًا وبالعكس، بل تعذيبه لهم على مخالفته هو من هذا الجنس؛ إذ لا قدرة لهم البتة على فعل ما أمروا به، ولا ترك ما نهوا عنه؛ لأنهم -هكذا يقولون- يزعمون أن العبد لا قدرة له في فعل شيء، هو مجبور، وأن فعله كصفة من صفاته، كمطالبته بتغيير صفاته. فكما أنه لا يستطيع أن يغير صفات نفسه، فكذلك هو لا يستطيع تغيير فعال نفسه». وهذا بسبب أنهم اختلطت عليهم الأدلة، فأثبتوا مشيئة الله ولم يثبتوا مشيئة العبد. والله عز وجل أثبت مشيئتين اثنتين: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾. وهناك مشيئة وإرادة للعبد، وهناك مشيئة وإرادة للرب، ولا منافاة بين المشيئتين كما تقدم توضيحه عدة مرات. قال رحمه الله: «وله الحمد والمن والثناء والحسن الجميل إذ لم يجعلنا عبيدًا لمن هذا شأنه، فنكون مضيعين، ليس لنا رب نقصده، ولا صمد نتوجه إليه ونعبده، ولا إله نعول عليه، ولا رب نرجع إليه، بل قلوبنا تنادي في طرق الحيرة: من دلنا؟ وجمع علينا ربًا ضائعًا». يعني هذا هو حال أهل الأهواء. قال: «لا هو داخل العالم ولا خارجه، ولا مباين له ولا محايث له، ولا متصل به ولا منفصل عنه، ولا ينزل من عنده شيء، ولا يصعد إليه شيء، ولا كلم أحدًا، ولا يكلم أحد، ولا ينبغي لأحد أن يذكر صفاته، ولا يعرف بها، بل يهجرها بلسانه فلا يتكلم بها، وبقلبه فلا يعقلها». إذن ما الفائدة من أن الله عز وجل أخبر عن نفسه بهذه الصفات وهذه الأسماء والأفعال؟ وهذا مما يبين بطلان وضلال ما ذهب إليه هؤلاء. قالوا: «ينبغي له أن يعاقب بالقتل أو الضرب أو الحبس من ذكرها أو أخبر عنها بها أو أثبتها له أو نسبها إليه أو أعرف بها». بل التوحيد الصرف جحدها وتعطيلها عنه، ونفي قيامها به وارتصافه بها. وما لم تدرك عقولنا من ذلك الواجب نفيه وجحده، وتكفير من أثبته واستحلال دمه وماله، أو تبديعه وتضليله وتفسيقه. وكلما كان النفي أبلغ، كان التوحيد أتم. فليس كذلك، وليس كذا أبلغ في التوحيد من قولنا: هو كذا وهو كذا. وكل هذا قول أهل الباطل من المعطلة. قال: «فلله العظيم أعظم حمد وأتمه وأكمله على ما من به بالمعرفة وتوحيده والإقرار بصفاته العلا وأسمائه الحسنى، وإقرار قلوبنا بأنه الله الذي لا إله إلا هو، عالم الغيب والشهادة، رب العالمين، قيوم السماوات والأراضين، إله الأولين والآخرين، لم يزل ولا يزال موصوفًا بصفات الجلال، منعوتًا بنعوت الكمال، منزهًا عن أضدادها من النقائص والتشبيه والمثال. وهو الحي القيوم الذي لكمال حياته وقيوميته لا تأخذه سنة ولا نوم، مالك السماوات والأرض الذي لكمال ملكه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، والعالم بكل شيء الذي لكمال علمه يعلم ما بين أيدي الخلائق وما خلفهم، فلا تسقط ورقة إلا بعلمه، ولا تتحرك ذرة إلا بإذنه، يعلم دبيب الخواطر في القلوب حيث لا يطلع عليها الملك، ويعلم ما سيكون منها حيث لا يطلع عليه القلب. البصير الذي لكمال بصره يرى تفاصيل خلق الذرة الصغيرة وأعضائها ولحمها ودمها ومخها وعروقها، ويرى دبيبها على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، ويرى ما تحت الأراضين السبع كما يرى ما فوق السماوات السبع. السميع الذي قد استوى في سمعه سر القول وجهره، وسع سمعه الأصوات فلا تختلف عليه أصوات الخلق، ولا تشتبه عليه، ولا يشغله منها سمع عن سمع، ولا تغلقه المسائل، ولا تبرمه كثرة سؤال السائلين. قالت عائشة رضي الله عنها: «الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات؛ لقد جاءت المجادلة تشكو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنه ليخفى علي بعض كلامها، فأنزل الله عز وجل: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾». القدير الذي لكمال قدرته يهدي من يشاء ويضل من يشاء، ويجعل المؤمن مؤمنًا والكافر كافرًا، والبر برًا والفاجر فاجرًا، وهو الذي جعل إبراهيم وآله أئمة يدعون إلى الله ويهدون بأمره، وجعل فرعون وقومه أئمة يدعون إلى النار. ولكمال قدرته لا يحيط أحد بشيء من علمه إلا بما شاء سبحانه أن يعلمه إياه. ولكمال قدرته خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، وما مسه من لغوب، ولا يعجز أحد من خلقه، ولا يفوته، بل هو في قضائه أسرع من أن يقال: أين كان؟ وإن فر منه فإنما يطوي المراحل بيديه كما قيل: «وكيف يفر المرء منك بذنبه إذا كان يطوي في يديك المراحلة؟» ولكمال غناه استحال إضافة الولد والصاحب والشريك والظهير والشفيع بدون إذنه. ولكمال عظمته وعلوه وسع كرسيه السماوات والأرض، ولم تسعه أرضه ولا سماواته، ولم تحط به مخلوقاته، بل هو العالي على كل شيء، الظاهر فوق كل شيء، وهو بكل شيء محيط. لا تنفذ كلماته ولا تبيت، بل لو أن البحر مده من بعد سبعة أبحر مدادًا، وأشجار الأرض أقلامًا، فكتب بذلك المداد وتلك الأقلام، لنفذ المداد وفنيت الأقلام، ولم تنفذ كلماته؛ إذ هي غير مخلوقة، ويستحيل أن ينفذ غير المخلوق بالمخلوق. ولو كان مخلوقًا كلامه مخلوقًا كما قاله من لم يقدره حق قدره، ولا أثنى عليه بما هو أهله، أكان أحق بالفناء من هذا المداد وهذه الأقلام؟ لأنه إذا كان مخلوقًا فهو نوع من أنواع مخلوقاته، ولا يحتمل المخلوق إفناء هذا المداد وهذه الأقلام، هو باقٍ غير فانٍ. وهو سبحانه يحب رسوله وعباده المؤمنين، ويحبونه، بل لا شيء أحب إليهم منه، ولا أشوق إليهم من لقائه، ولا أقر للعيون من رؤيته، ولا أحظى عندهم من قربه. وإنه سبحانه له الحكم البالغ بخلقه وأمره، وله النعمة السابقة على خلقه، وكل نعمة منه فضل، وكل نقمة منه عدل. وإنه أرحم بعباده من الوالد بولده، وأفرح بتوبة عبده من واحد براحلته التي عليها طعامه وشرابه في الأرض المهلكة بعد ضياعها، وليأس منها. وإنه سبحانه لم يكلف عباده إلا وسعهم، وهو دون طاقتهم، فقد يطيقون الشيء ويضيق عليهم بخلاف وسعهم؛ فإنه ما يسعونه ويسهل عليهم وتفضل قدرهم عنه كما هو الواقع. وكل هذه كما نرى عبارة عن جمل فيها عقيدة أهل السنة والجماعة فيما يتعلق بالله عز وجل، ويخالف بهذا أهل البدع والأهواء. وإذا تم مثل هذا الاعتقاد بمقتضى ما دل عليه الدليل، ولا يخالفه الفطر الصحيحة ولا العقول السليمة، فإنه يكمل للعبد أسباب الحمد، ويعتدل في إثبات القدر، ويكون بذلك قد اجتمعت له أسباب العدل في حق الله وشرعه، وكذلك قضائه وقدره، وكذلك العدل في فعل العبد، وكذلك سائر مواقفه وأقواله. وما سبب الضلال إلا ضلال تلك العقائد التي اعتقدوها. طيب، نقف لهنا، ونقوم إن شاء الله في درس آخر. الله تعالى أعلم، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه، صلى الله عليه وآله وسلم.