الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 154، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يجب على الإنسان استغلال كل مرحلة من عمره في الطاعة والعمل الصالح ليحمد سعيه ويبتهج بما أعد له. العبد ينبغي أن يكون كيسًا فطنًا يجتهد في قطع مراحل عمره بخير ما يستطيع.
الإنسان الموفق هو من يراعي مراحل حياته ويتعظ منها ليقابل الله بالإحسان والاجتهاد. مراقبة السفر إلى الله وتدبر مراحل الحياة أمران في غاية الأهمية.
ينقسم الناس إلى قسمين في قطع مراحل الحياة، والشيطان يلعب دورًا في إغواء الإنسان ودفعه إلى المعاصي. حتى المنتسبين للدين قد يقعون في المعوقات بسبب وساوس الشيطان.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتاب طريق الهجرتين وباب السعادتين: «قاعدة نافعة أقسام العباد في سفرهم إلى ربهم». قال: «العبد من حين استقرت قدمه في هذه الدار فهو مسافر إلى ربه، ومدة سفره هي عمره الذي كتب له، فالعمر هو مدة سفر الإنسان في هذه الدار إلى ربه تعالى. ثم قد جعلت الأيام والليالي مراحل لسفره، فكل يوم وليلة مرحلة من المراحل، فلا يزال يطويها مرحلة بعد مرحلة حتى ينتهي السفر. فالكيس الفطن هو الذي يجعل كل مرحلة نصب عينيه، فيهتم بقطعها سالمًا غانمًا، فإذا قطعها جعل الأخرى نصب عينيه، ولا يطول عليه الأمد فيقسو قلبه ويمتد أمله ويحضره التسويف والوعد والتأخير والمطل، بل يعجل عمره تلك المرحلة الواحدة عند المرحلة عند الله، فيجتهد في قطعها بخير ما باستطاعته. قال: فإنه إذا تيقن قصرها وسرعة انقضائها هان عليه العمل وطوعت له نفسه الانقياد إلى التزود، فإذا استقبل المرحلة الأخرى من عمره استقبلها كذلك، فلا يزال، وهذا دأبه حتى يطوي مراحل عمره كلها، فيحمد سعيه ويبتهج بما عده ليوم فاقته وحاجته. فإذا طلع صبح الآخرة وانقشع ظلام الدنيا، فحينئذ يحمد سراه وينجلي عنه كراه، فما أحسن ما يستقبل يومه وقد لاح صباحه واستبان فلاحه». وهذه إشارة منه رحمه الله وتمهيد لذكر حال الناس بسفرهم وسيرهم إلى الله سبحانه وتعالى، وبين بهذا أن الموفق من الناس من كان دائمًا وأبدًا يراقب سفره وسيره إلى ربه وخالقه، ولا يزال ينظر في مراحل سيره مرحلة مرحلة. وقد جعل الله عز وجل مراحل كبار وصغار، فالمراحل الكبار مراحل عمر هذا الإنسان من الطفولة من الولادة إلى الطفولة إلى الشباب إلى أن يشتد ثم يهرم، وهذه مراحل الإنسان. وهكذا كذلك مراحل أكثر من ذلك ما يمر به في حياته من مرحلة اللعب إلى الدراسة إلى العمل إلى التقاعد وهكذا. ومراحل أكثر ما يمر بالإنسان في سنته وشهره وأسبوعه ويومه بل وليله ونهاره. وقد جعل الله عز وجل كذلك علامات الليل والنهار والشمس والقمر وسير هذه الكواكب كلها مذكرات ووعظات بهذه المراحل، وجعل لهذا الإنسان علامات في جسده ونفسه، فيمر بنفسه مرحلة مرحلة يتذكرها وقد انطوت كأنها حلم ونومة ليل أو نهار أو استراحة تحت شجرة أو مذاكرة قصة عابرة، وهي حياة إنسان بأكمله طفلًا ثم مولودًا ثم طفلًا ثم شابًا ثم مشتدًا ثم شيخًا هرمًا. وكل هذا لا شك هو واعظ وحجج تقام على هذا الإنسان، فالموفق من وفقه الله وهو كما ذكر رحمه الله من جعل نصب عينيه النظر كيف يقابل الله سبحانه وتعالى بأحسن حق بالإحسان وعدم الإساءة والاجتهاد وعدم التسويف والمماطلة وغير ذلك مما أشار إليه. قال رحمه الله تعالى: «ثم الناس في قطع هذه المراحل قسمان، فقسم قطعوها مسافرين فيها إلى دار الشقاء، فكلما قطعوا مرحلة منها قربوا من تلك الدار وبعدوا عن ربه ومزيد كرامته، فقطعوا تلك المراحل بمخالفة الرب ومعاداته ومعادات رسله وأوليائه ودينه والسعي في إطفاء نوره وإقامة دعوة غيرها، فهؤلاء جعلت أيامهم مراحل يسافرون فيها إلى الدار التي خلقوا لها، واستعملوا بعملها، فهم مصروعون فيها بالشياطين الموكلة بهم حتى يسوقونهم إلى منازلهم سوقًا، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَأْزُهُمْ أَزًا﴾ أي تزعجهم إلى المعاصي والكفر إزعاجًا وتسوقهم سوقًا، والمعنى أبلغ من إزعاج، ولكن المراد الحث بقوة، أي أنها تدفعهم دفعًا حسيًا ومعنويًا، فأما المعنوي بما يكون من التزيين والوسوسة والإغواء وكذلك الغفلة، وأما الحسي بتقريب رفقاء السوء والإبعاد عن طريق الخير وغير ذلك مما يكون سببًا في إغواء هذا الإنسان، بل وربما صارت جوارح الإنسان بيد الشيطان يبطش بيد الشيطان». وكما جاء في الحديث: «الإنسان الموفق يوفق حتى يكون الملك معه، وفي كذلك فعله أي مؤيده وناصره حسًا ومعنى. وكذلك الشيطان، بل من الإنس من يكون قائدًا للشياطين شياطين الجن والإنس، كما قال الله عز وجل: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ فالشياطين يأتون من الجن ويأتون من الإنس ويأتون من الحيوان، ولهذا قال العلماء: أن الشيطان حقيقة هو كل من شطن أي خرج عن معنى الاستقامة إلى الاعوجاج بشدة، فرؤوس الشر شياطين سواء أكانوا من الجن أو من الإنس أو من الحيوان والدواب. فهذا بعض ما يكون به أز أمثال هؤلاء، وهذا لا يكون للكافرين فحتى من ينتسب للدين فإن الشيطان قد يقطع من دينهم ما يكون به سبب في خسارتهم وتعويقهم في سيرهم إلى ربهم سبحانه وتعالى. والله تعالى أعلم، صلى الله وسلم على نبي محمد، آله وصحبه وسلم.